تقارير سردية: “سيارات بلا أوراق” تبدأ رحلتها “مفككة” من دبي ويتم تجميعها في النجف لتتوج “ملكة” في كردستان

“سيارات بلا أوراق” تبدأ رحلتها “مفككة” من دبي ويتم تجميعها في النجف لتتوج “ملكة” في كردستان

هردي باشوري

شاكار رزكار (32 سنة) من السليمانية في اقليم كردستان، تلزمه وظيفته مندوباً للمبيعات في شركة محلية، السفر إلى محافظات أخرى وهو يقود “الملكة المُهربة”. يردد كلمة “الملكة” بتباهِِ مرتين وهو يشير إلى سيارته نوع “سوبر كراون” موديل 2006، ويقول:”استدنت 6 آلاف دولار ثمنها، لكي أعمل بعد بطالة استمرت ثلاث سنوات، لكن فرحتي بها لم تكتمل فقد باتت ممنوعة من السير”.

هذه المركبات التي يقارب عددها الـ100 الف في اقليم كردستان، وتعرف بـ”الملكة” نسبة الى علامتها “التاج”، هي غير مقيدة في سجلات المرور، فقد دخلت البلاد عبر الخليج العربي، وتحديداً (دبي)، كقطع غيار وليست سيارات. لكن حلقات من نافذين في السلطة وصناعيين وتجار مارسوا حيلا قانونية لإحيائها وإقحامها في السوق. من خلال اعادة تجميعها في منشآت خاصة جنوبي العراق ومن ثم تهريبها إلى اقليم كردستان، لتباع هناك بأسعار مغرية تستهدف أصحاب المداخيل المحدودة.

بسبب دخولها غير قانوني، نفذت سلطات اقليم كردستان منذ نحو عامين حملات لمصادرتها. قبل ان يتم منح حائزيها نهاية العام الماضي ومنتصف العام الحالي فرصة لتسوية “غير كاملة” لأوضاعها، تتيح استخدامها بقيود في بعض مناطق كردستان، لكنها مازالت ممنوعة في اربيل كما خارج الاقليم، وهو ما يجعل فرحة  “شاكار” بوظيفته وسيارته ناقصة.

يقول:”عندما تجبرني وظيفي السفر الى خارج مناطق الاقليم، مثل كركوك او خانقين أو طوز خرماتو، أضطر الى ترك سيارتي في مدينة كلار المحاذية لمدينة خاتقين في محافظة ديالى، واستعين بوسائل النقل العامة”، خشية مصادرة (الملكة) أو احتجازها من قبل السلطات الاتحادية.

وأمام هذا “المأزق الأمني والمهني”، قرر “شاكار” التخلص من سيارته وقيودها، والبحث عن بديل آخر مسجل رسمياً حتى وإن كانت “سيارة بمتانة أقل وسعر أعلى”. ويستدرك:”مع ان هذا الخيار الاجباري، سيعيد معاناتي مع الديون والقروض مجدداً، لكن ماذا افعل علي الاحتفاظ بعملي”.

عشرات الآلاف من مالكي تلك السيارات بكردستان، يواجهون ذات المعضلة، مع (الملكة) التي تحمل تسمية أخرى باللغة الكردية تصف ماهيتها (بێ سەرەتا)  أي “بدون أوليات” بمعنى انها غير مسجلة في دائرة المرور كما ينص القانون، ولا يملك صاحبها سوى عقد بيع وشراء فقط لإثبات عائديتها اليه، مع كود أمني يتيح له قيادتها في مناطق محددة.

ومع الانقسام الاداري في اقليم كردستان، يجري التعامل مع تلك السيارات من منطقة الى أخرى بنحو مختلف، وهي ممنوعة بنحو كلي من دخول أربيل، وتنتشر غالبيتها في محافظة السليمانية، وتقدر اعدادها هناك بنحو 35 ألفاً.

Image

تشديد أمني وقيود الـ QR

السيارات المفتقرة للأوراق الثبوتية (بێ سەرەتا) واحدة من الملفات المعقدة والتي تحظى بمتابعة أمنية مستمرة في إقليم كردستان. وتتركز على السيارة اليابانية (سوبر كراون – الملكة) للموديلات المحصورة بين عامي 2000 و2007.

ووفقاً للعديد من حائزي هذا النوع من المركبات، تنتشر عشرات الآلاف منها في اقليم كردستان، لمتانتها وندرة مشاكلها الميكانيكية، مع وجود أنواع أخرى من السيارات في مناطق مختلفة من البلاد دخلت كقطع غيار وتم تجميعها لاحقا. 

ومع الأعداد الكبيرة لتلك السيارات وعدم قانونية تواجدها في الشارع، سعت مديرية الآسايش (جهاز الأمن) في السليمانية الى تنظيم حركتها، فأقرت في تشرين الأول 2025 إجراءات “تلزم” مالكيها بالحصول على )كود) رمز أمني خاص بنظام QR (الاستجابة السريعة).

وبحسب المعلومات التي جمعناها من مصادر أمنية مطلعة على الملف، فأنه وبمجرد صدور “الكود” أو الرمز الخاص بالسيارة، والذي يلزم تجديده سنوياً، يحظر بيعها وشراؤها وتقتصر صلاحية قيادتها على الشخص الذي سُجِّل الكود باسمه فقط. وهذه مشكلة جديدة بالنسبة لمالكيها.

في محاولة للاستيضاح من دائرة المرور، تواصلنا مع موظف في اعلامها بالسليمانية، إلا أنه اعتذر عن الإدلاء بأي تصريح، مبرراً ذلك بأن هذه المركبات غير مسجلة في قيود دائرته الرسمية نهائياً، مما يحول دون توفر إحصاءات دقيقة بشأنها.

وذكر بأن الملف برمته يقع ضمن اختصاص مديرية الآسايش (جهاز الأمن) في الأقليم. وعلى الرغم من محاولاتنا المتكررة للاتصال بمديرية ‘الآسايش’ إلا اننا لم نحصل على رد توضيحي رسمي.

شبكات متنفذة وتجارة عبر الحدود

مصدر أمني مطلع في إقليم كردستان، طلب عدم الإشارة إلى اسمه، يكشف عما يصفها بالخارطة السرية لرحلة هذه المركبات التي تتراوح موديلاتها بين عامي 2000 و2021، وان الـ ‘سوبر كراون’ المستوردة كقطع غيار والمُعاد تجميعها، تقتصر موديلاتها على الأعوام من 2000 حتى 2007.

وفي المقابل، “تتدفق طرازات أحدث تصل إلى عام 2021 وما فوق عبر منافذ التهريب بصورة كاملة دون تقطيع، وتشمل هذه الشحنات المهربة سيارات رباعية الدفع وفارهة مثل لاند كروزر، رانج روفر، كاديلاك، مرسيدس، وبنتلي و  BMWعلى الرغم من منعها رسمياً وتصنيفها كمركبات مخالفة لشروط الاستيراد دون الموديل” يقول المصدر.

ويحدد المصدر مسار هذه السيارات، بالقول يبدأ من دولة الإمارات العربية المتحدة، وتحديداً “من إمارة دبي”، إذ تخضع المركبات هناك لعمليات “قص” متعمدة تطال السقف أو المقدمة أو الأجزاء الخلفية، بهدف تمريرها عبر المنافذ البحرية في محافظة البصرة على أنها “أدوات احتياطية وقطع غيار مستعملة”.

Image

ويوضح:”هذا الاجراء يسمح بالتملص من القيود الجمركية التي تمنع دخول السيارات دون الموديل المسموح به قانوناً”، ووفقاً للضوابط الرسمية المعمول بها في إقليم كردستان والمناطق الخاضعة للحكومة الإتحادية، يقتصر السماح بالاستيراد حالياً على المركبات الحديثة من طرازات (2024، 2025، و2026)، في حين يُحظر تماماً دخول أي مركبات يقل تاريخ صنعها عن هذه الموديلات المعتمدة.

المصدر الأمني يقول بأن “مافيات منظمة ترتبط بجهات حزبية نافذة” هي من تتسلم شحنات المركبات هذه، وتمهد الطريق لبدء المرحلة الثانية لما يسميه بـ”المطبخ الفني” الواقع بمحافظتي النجف والبصرة.

ويعني بذلك مناطق صناعية لتجميع السيارات، مشيراً إلى أن الحي الصناعي في النجف، يضم ورشاً “لها باع طويل يمتد من فترة الحصار الاقتصادي في تسعينيات القرن الماضي،  في مجال اعادة تركيب السيارات المفككة او تعمير واصلاح المتضررة”.

ويلفت المصدر الأمني، إلى أن الفنيين في تلك الورش “يعيدون تجميع أو اصلاح الأجزاء المقصوصة بدقة واحترافية”، بالتوازي مع تحوير مقود السيارات المصمم مقودها في جهة اليمين إلى اليسار. وتشمل هذه العملية نحو 70% من تلك السيارات.

ويتابع: “هذه الدقة تمنح منتجات النجف من المركبات هذه، قيمة سوقية أعلى تزيد بنحو 2,000 دولار عن المركبات التي يجري تحويرها في مناطق أخرى”.

ويذكر المصدر أنه بعد اكمال الامور الفنية المتعلقة بالسيارات، تمرر ليلاً على شكل قوافل عبر طريق التهريب المار بقضاء خانقين الخاضع للسلطة الاتحادية، وصولاً إلى قضاء كلار التابع لمحافظة السليمانية والذي يخضع لسلطة الأقليم.

وتقوم جهات نافذة ومسيطرة على خطوط النقل بتقديم الستهيلات لعبور تلك الشحنات التي تصل تحديداً إلى معرض للسيارات بقضاء كلار، الذي يعد بمثابة “البورصة الرئيسية لتوزيع هذه المركبات في كردستان، حيث تُباع هناك بالجملة وتتراوح أسعارها للمستهلكين بين 5,000 و7,000 دولار تبعاً للفخامة والموديل” يقول المصدر الأمني.

اقبال من مشترين ايرانيين

ويكشف أن حدود هذه التجارة لاتقف عند الداخل العراقي، بل “تحولت إلى اقتصاد حدودي عابر، إذ انتعشت الأسواق بشكل قياسي بعد الحرب الأمريكية الايرانية، وتحول الإقليم إلى قبلة للمشترين الإيرانيين الذين تدفقوا لشراء مركبات الـ(بێ سەرەتا) ونقلها الى الداخل الإيراني، حيث تقفز أسعارها هناك إلى ما بين 20,000 و35,000 دولار، حسب الموديل والطراز”.

وفيما يتعلق بالتمدد الجغرافي داخل الإقليم، يقول المصدر الأمني، ان هذه المركبات تنتشر بشكل واسع في مناطق نفوذ الحزب الديمقراطي الكردستاني وتحديداً في قضاء سوران، في حين تمنع الأجهزة الأمنية في أربيل دخولها إلى المدينة.

ويؤكد المصدر الأمني، ذات المعلومات السابقة “السيارات ليست مسروقة، هي تدخل من الإمارات ببيانات شحن قانونية (مانفيست) بعد تقطيعها وتفكيكها، لعدم إمكانية تسجيلها بالطرق الاعتيادية”.

وفي محاولة لضرب هذه الشبكات، أعلنت المديرية العامة لآسايش السليمانية في شباط فبراير من العام 2025 ضبط معمل متكامل لإعادة تجميع ولحام السيارات في منطقة (چيمن) القريبة من كركوك، وتم التحفظ على 17 سيارة مقصوصة أُدخلت بطرق غير قانونية من البصرة لتسويقها في الإقليم.

حل مؤقت من خلال الأسايش

يكشف ممثل أصحاب السيارات غير المسجلة في السليمانية سوارة عمر، عن تفاصيل الآلية الحالية لتسجيل هذه المركبات، مبيناً أنها تجري بسياقات مرنة تتيح للمالك الحصول على لوحة أرقام حمراء تبدأ بالرقم 60000، مقابل رسم رمزي لا يتجاوز 20 ألف دينار، شريطة حصر حق القيادة بالشخص الذي سُجلت باسمه المركبة.

وجاء ذلك الاجراء، الذي مثل كحل مؤقت، بعد أن أطلقت الأجهزة الأمنية في بداية تشرين الأول اكتوبر 2025 حملة واسعة لمصادرة هذه السيارات، مما اضطر مالكيها إلى التوقف عن قيادتها لنحو شهرين. وهو ما دفع “ممثلي الملاك” الى لقاء رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني، بافل طالباني، وخلاله تم الاتفاق على قيام أجهزة “الآسايش” بإجراء إحصاء شامل للمركبات ومنحها كود الاستجابة السريعة، وهو ما أعاد تلك المركبات الى الشارع شريطة عدم تورطها في أعمال جنائية.

ويعتقد عمر، أن غالبية سيارات “الملكة” و(بێ سەرەتا) توجد ضمن الحدود الإدارية لمحافظة السليمانية، الى جانب تواجد عدد كبير منها في قضاء سوران، التابع لمحافظة أربيل، منوهاً بأن هذه السيارات ممنوعة منعاً باتاً من دخول مركز مدينة أربيل ويُسمح لها بالتجول فقط داخل الحدود الإدارية لقضاء سوران.

وينبه، الى أن أصحاب السيارات الذين تمكنوا من تسجيل مركباتهم خلال المدة التي حددتها مديرية “الآسايش” في السليمانية هم وحدهم المؤهلون للحصول على “الكود”، وأن السيارات التي لم تُسجل بعد تلك المدة ستكون عرضة للملاحقة القانونية والمصادرة من قبل الأجهزة الأمنية والمرورية.

ولايخفي عمر، حقيقة تدفق تلك السيارات وبشتى أنواعها، سواء المقطعة أو تلك التي تُصنف “دون الموديل”، إلى داخل إقليم كردستان عبر “التهريب”، ويقدر اجمالي عددها في السليمانية بأكثر من 35 ألف مركبة، في حين يقدر عددها بنحو 100 ألف في عموم مدن الإقليم.

ويشير إلى أن مهلة التسجيل الأولى التي امتدت من تشرين الأول أكتوبر حتى كانون الأول ديسمبر 2025 قيدت نصف تلك السيارات، وفي المهلة الثانية التي امتدت من أيار مايو الى حزيران يونيو2026 وصل نسبة إجمالي السيارات المسجلة الى ما يقارب (95%) من المجموع الكلي للمركبات المستهدفة.

ويرى سوارة عمر، أن غالبية تلك السيارات تعود لمواطنين من ذوي الدخل المحدود، ويقتصر استخدامها على الأغراض الشخصية فقط دون أن تُستغل كسيارات للأجرة. وتقدر القيمة الاجمالية لسيارات “الملكة” من طراز تويوتا كراون، في السليمانية التي تمثل الغالبية الساحقة من السيارات غير المسجلة في المرور، بأكثر من 175 مليون دولار في الحد الأدنى.

Image

سيارات (ميكانو)

الخبير الاقتصادي العراقي، الدكتور ضياء محسن، يقول بأن بعض العناصر في المنافذ الحدودية والدوائر الجمركية تتواطأ لتسهيل دخول السيارات المخالفة “بعد تلقيهم رشاوى”.

وإن هذه السيارات “تتدفق عبر منافذ متعددة تشمل منفذ العبدلي، على الحدود الكويتية العراقية، وميناء أبو فلوس، والموانئ الجنوبية الأخرى، فضلاً عن المنافذ الحدودية مع إيران في الجنوب، والمنافذ التابعة لإقليم كردستان”.

ويلفت المحسن، إلى اضرار مادية مباشرة تلحقها هذه التجارة بالموازنة العامة، يقدّرها بنحو (مليار و250 مليون دولاراً) سنوياً “في أقل تقدير”. ويوضح ان بعض السيارات الفارهة المهربة دون الموديل تبلغ ضريبتها الجمركية 200%، ويُتملص أصحابها من دفعها عبر طرق ملتوية.

ويشرح الخبير، كيف يمارس من يصفهم بالمهربين، طرقاً لتمرير السيارات المفككة:”يدخلونها بواسطة حاويات على مراحل زمنية منفصلة، تتضمن الأولى شحن المحركات والأجزاء الميكانيكية، تليها مرحلة إدخال الهيكل مجرداً، وصولاً إلى الملحقات المتبقية”.

ويعزو نجاح هذه “الحيلة” إلى تمرير المركبات عبر الجمارك كـ”أدوات احتياطية”، ليتم لاحقاً “تجميعها في ورش سرية مثل قطع لعبة الميكانو”.

ويشدد الخبير ضياء محسن، على ضرورة “تشريع قوانين صارمة لحماية الاقتصاد الوطني، تضمن منع تلك الحيل، كما ان ذلك سيحمي المواطنين الذين يقعون ضحايا للاحتيال وتنتهي أموالهم بمصادرة المركبات فور وقوعها في قبضة الجهات الرسمية”.

مصادرة فورية

المتحدث الرسمي باسم هيئة المنافذ الحدودية، علاء الدين القيسي، يذكر بأن المركبات غير القانونية سواء من هي دون الموديل المسموح أو المقطعة، تخضع للمصادرة الفورية في حال محاولة إدخالها للبلاد. وأن هناك آلية تقضي بتحويل المصادَر منها إلى الوزارات والمؤسسات الحكومية، مع إصدار كتاب رسمي لمديرية المرور العامة لغرض منحها لوحات تسجيل رسمية.

ويضيف أن الغالبية العظمى من هذه المركبات تدفقت إلى العراق في أعقاب عام 2003 دون إتمام معاملاتها الجمركية، مما جعلها تفتقر إلى الأوليات الرسمية، مؤكداً أن المفارز المشتركة تصادرها فور تواجدها في الشوارع.

ويتابع القيسي:”مع تشكيل هيئة المنافذ الحدودية في الأول من آب أغسطس 2017 فُرض حظر تام على دخول كافة المركبات المقطعة ودون الموديل”، مؤكدا أن القانون يتعامل معها كـ”سكراب” أي خردة، وأن أسعارها “تتراوح في الأسواق غير الرسمية بين 10,000 و12,000 دولار حسب نظافتها”. ويعزو عدم وجود إحصاءات رسمية دقيقة بشأنها إلى طبيعة دخولها وتداولها غير الرسمي في البلاد.

ويكشف القيسي، عن انتشار هذه المركبات في المحافظات الجنوبية، حيث “تُعرض في الأسواق والمعارض المحلية بأساليب مضللة تُوهم المشترين بأنها تمتلك لوحات ثبوتية أو وثائق رسمية، في حين أنها في واقع الأمر ليست سوى قطع غيار أُعيد تجميعها”.

ورغم تأكيد القيسي، على حظر دخول المركبات المقطعة، الا ان الواقع على الأرض يظهر أنها مازالت تدخل العراق بصورة أو أخرى، حتى بعد الاجراءات الحكومية بالمنع والمصادرة.

توابيت متحركة .. لا تبرر لقمة العيش

مقرر تيار الموقف الوطني المعارض والنائب في برلمان إقليم كردستان، علي حمة صالح، يقول بان تجارة هذا النوع من السيارات تنقسم الى نوعين، الأول: مركبات سليمة وهيكلها كامل غير مقطع، لكنها دون الموديل المسموح به قانوناً، ويجري تمريرها لمطابقتها المواصفات الفنية عملياً.

والنوع الثاني “وهو الأخطر” يتمثل في السيارات المقطعة التي تدخل كقطع غيار ويجري تجميعها ولحامها في محافظات الجنوب ثم تهريبها للإقليم، مشدداً على أنها تفتقر لأدنى مقومات السلامة وتشكل خطراً على المواطنين.

ويذكر بان عمليات تمريرها:”تجري بموافقة وتواطئ صريحين من السلطات والجهات المتنفذة في الاقليم، فضلاً عن تنسيق بين مجموعات محلية وأخرى تنشط في بغداد لتسهيل هذه التجارة غير المشروعة”.

وزارة الداخلية في إقليم كردستان، تؤكد تمسكها بـ”الفيتو” الحكومي الصارم بوجه مركبات “الملكة” والسيارات الفاقدة للأوراق الثبوتية، مستندة إلى تقارير فنية قاطعة تصف هذه المركبات بـ”التوابيت المتحركة” التي تهدد سلامة الطرقات.

وأفاد المدير العام لديوان وزارة الداخلية، الدكتور هيمن ميراني، بأن نتائج فحوصات سابقة أُجريت في أربيل وشملت أكثر من سبعة آلاف سيارة من طراز “الملكة”، أظهرت أن الغالبية العظمى منها تعاني من قطع في الهيكل وإعادة لحام عشوائية، مما يعرضها للانشطار الفوري عند وقوع أي اصطدام.

ويشدد ميراني، على أن قرار مصادرة أي مركبة مخالفة تُضبط في الشوارع هو “إجراء حتمي لا تراجع عنه حماية لأرواح المواطنين”، مؤكداً أن الخيار الوحيد المتبقي أمام مالكيها هو “تفكيكها بالكامل وتحويلها إلى قطع غيار ميتة”.

في مقابل هذا الحزم الإداري، برز مسار موازٍ يقوده وزير الداخلية، ريبر أحمد، يسعى من خلاله إلى موازنة إنفاذ القانون بحماية المصلحة المجتمعية.

الوزير قال ان لجوء المواطنين من ذوي الدخل المحدود والفقراء إلى هذه السيارات ينبع من عدم قدرتهم المادية على مجاراة أسعار السيارات المماثلة في السوق النظامية كونها مرتفعة، وهو ما دفعه لتوجيه مديريات المرور بصياغة “آلية إدارية مرنة وتدريجية تجنب هذه الفئات الهشة الوقوع في خسائر مادية فادحة”.

وتتجه السلطات حالياً نحو مناقشة مقترحات بديلة تقضي بتسليم تلك السيارات طواعية من قبل أصحابها، مقابل الحصول على حزم تحفيزية وإعفاءات جمركية تمكنهم من استيراد مركبات نظامية مستوفية للشروط.

وأكد الوزير ريبر أحمد في مؤتمر صحفي، أن الغالبية العظمى من السيارات التي تقل موديلاتها عن الحد المسموح به والمفتقرة للأوراق الثبوتية (بێ سەرەتا) تتدفق إلى داخل الإقليم عبر منفذي “باشماخ” و”بَرويزخان” الحدوديَّين مع ايران. وهما يخضعان لادارة الاتحاد الوطني.

وفيما يتعلق بمركبات “الملكة”، أوضح الوزير أن فصول تجارتها تبدأ باستيرادها كقطع غيار في مناطق وسط وجنوب العراق، لتصل لاحقا الى إقليم كردستان، حيث يُعاد تجميعها وطرحها في الأسواق من قبل تجار يحظون بدعم ونفوذ واسع.

وأشار وزير الداخلية إلى أن المواطن البسيط هو من يدفع ضريبة التبعات القانونية والأمنية لدخول هذه المركبات، محذرا من أن وجودها في الشوارع يمثل مصدر خطر لافتقادها شروط السلامة والأمان؛ في وقت يمثل الحفاظ على النظام المروري أمراً مهماً لترسيخ مكانة الإقليم ككيان مستقر وحضاري يلتزم بالقانون.

وقال الوزير، أنهم يرفضون الحلول الترقيعية، وهذه المشكلة تستمر بالدوران في حلقة مفرغة تعيد الملف دائماً إلى المربع الأول عند كل نقاش، وهو ما استدعى اتخاذ قرار حاسم بمنع دخول هذه المركبات إلى الإقليم بشكل مطلق بعد الآن، وعدم السماح بمرور أي سيارات مهربة، وحصر معالجة هذا الملف المعقد بالطرق القانونية الحصرية.

الـ”كود” يجمّد الملكة

يواجه الممرض في دائرة صحة السليمانية، محمد سعد الله (41 سنة) “أزمة مركبة” على حد توصيفه، ألقت بظلالها على استقراره المعيشي والمهني، بعد ان تحول حلمه في الاستقلال السكني وتأمين وسيلة نقل عائلية بسعر مقبول، إلى “عبء مالي وقانوني ثقيل”، وفق قوله.

هو رب أسرة مكونة من زوجة وأربعة أولاد، قرر أواخر العام 2022، مغادرة بيت والده وبناء منزل مستقل على قطعة أرض مجاورة، وكان عليه بيع سيارته الحديثة من نوع تويوتا كامري، موديل 2021، بمبلغ تجاوز 20 ألف دولار لتوفير السيولة المالية اللازمة للبناء.

يضع يده على صدره، ويقول انه كان بحاجة إلى مركبة بديلة تؤمن تنقلاته اليومية من وإلى الوظيفة، فضلاً عن الحاجات المنزلية “نصحني زميل في الدائرة باقتناء سيارة من نوع (تويوتا كراون- الملكة) موديل 2005، نظراً لمتانتها والمواصفات التي اعتاد عليها، فضلاً عن سعرها الزهيد بـ 6500 دولار”.

يذكر، سعدالله، أن الأشهر الأولى التي أعقبت شراء السيارة كانت “جميلة ومريحة” إذ كان هناك انطباع عام بمرونة حركة هذه المركبات وبيعها وشرائها بأريحية دون قيود تذكر.

لكن كل ذلك انقلب “رأساً على عقب” بعد تزايد أعداد هذه السيارات في الشوارع، وارتكاب بعض سائقيها مخالفات مرورية خاصة تجاوز كاميرات السرعة وإزعاج المواطنين، وصولاً إلى وقوع حوادث سير مروعة. وهو ما دفع الأجهزة الأمنية والمرورية إلى فرض إجراءات صارمة تضمنت حجز المركبات وفرض غرامات “باهظة” بلغت مليوناً و200 ألف دينار عراقي على المخالفين.

ويروي كيف أنه حاول مراراً بيع السيارة “للتخلص من هذا المأزق”، إلا أن “جودتها والانخفاض الحاد في قيمتها السوقية جراء الملاحقات الأمنية”، جعلته يماطل في اتخاذ القرار تجنباً للخسارة المتوقعة، قبل ان يتجه إلى تسجيلها لدى دائرة “الآسايش” ويحصل على الكود الأمني الخاص بها.

لكنه الآن يرى ان مشكلته تعقدت “بعد الحصول على الكود، ووفق التعليمات، لم يعد بامكاني بيع السيارة أو التنازل عنها، كما يمنع قيادتها من قبل أي شخص آخر، وهو ما حرم زوجتي من قيادتها لتسيير شؤون المنزل ونقل الأولاد”.

ويشير بابتسامة متهكمة، إلى أن سيارته تحولت إلى “عبء ثقيل، جمد ماله وقيد حركته”، هذا اضافة إلى تكبده نفقات جديدة، كالتعاقد مع حافلات نقل مدرسية للأولاد، فضلاً عن اضطراره لإنجاز المشاوير المنزلية بنفسه، ما أثر سلباً على التزاماته الوظيفية الصباحية كما عمله المسائي في إحدى المستشفيات الأهلية. ويخلص الى القول “لا أعرف ماذا أفعل.. حالي حال عشرات آلاف آخرين من محدودي الدخل ممن اضطروا لشراء هذه السيارات، لا نملك الا انتظار الوصول الى تسوية قانونية نهائية يوماً ما”.

المزيد عن تقارير سردية

تقارير سردية","field":"name"}],"number":1,"meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":34798}" data-page="1" data-max-pages="1" data-start="1" data-end="1">