د. علي أغوان
منذ عام 2003 وبغداد تكرّر خطأ استراتيجياً جسيماً، يتمثل في تعامل الحكومات العراقية المتعاقبة مع الولايات المتحدة الأمريكية بمنظور “المنقذ”. حيث تسود في أروقة القرار العراقي فرضية غير ناضجة تفيد بأن واشنطن ملزمة بانتشال العراق من واقعه المعقد وأزماته البنيوية المستعصية. غير أن المشكلة الحقيقية والأكثر عمقاً تكمن في غياب “الأجندة الواضحة” لصانع القرار العراقي.
أغلب القادة العراقيين الذين زاروا البيت الأبيض، ذهبوا دون ورقة عمل محددة أو أهداف مصاغة بدقة استراتيجية، متسلحين باعتقاد واهم وخاطئ تماماً بأن الرئيس الأمريكي يمتلك عصا سحرية، وأن بضعة قرارات مباشرة تصدر من المكتب البيضاوي كفيلة بحل معضلات العراق السياسية والأمنية والاقتصادية بجرة قلم.
هذا القصور الإدراكي حوّل معظم الزيارات الرسمية التاريخية من فرص لبناء شراكات حقيقية ودائمة إلى مجرد محاولات حثيثة لتحقيق مكاسب مرحلية، وغالباً ما اتسمت بالطابع الشخصي الرامي لنيل رضا الإدارة الأمريكية لضمان الولاية الثانية أو الثالثة لرؤساء الوزراء. وهكذا أُهدرت الفرص لإقناع صانع القرار الأمريكي بأن للعراق قيمة استراتيجية ذاتية وثابتة في هندسة الأمن الإقليمي.
واليوم، في ظل التحولات العميقة التي طرأت على أولويات السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط، والتي أصبحت ترتكز بشكل واضح على مبدأ “تقليل الكلفة وتعظيم العائد” عبر خفض التدخلات العسكرية والسياسية المباشرة مقابل تعزيز النفاذية الاقتصادية وبناء شركاء إقليميين يتحملون الأعباء الوظيفية، تبدو الفرصة سانحة لإعادة صياغة السؤال الجوهري: هل ما يزال العراق هو الطرف الوحيد الذي يحتاج إلى الولايات المتحدة، أم أن التحولات المتسارعة جعلت واشنطن هي الأخرى بحاجة ماسة إلى عراق مستقر، قوي، وقادر على أداء وظائف استراتيجية حيوية لا يمكن القفز فوقها في صراع القوى العظمى؟
الأسئلة الإشكالية في العلاقات العراقية الأمريكية!
لعل البداية الصحيحة لتفكيك هذا المشهد المعقد تنطلق من طرح السؤال الإشكالي الأول المتعلق بطبيعة وفلسفة رؤية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للعراق: كيف يرى ترامب هذا البلد، وما هي غاياته الحقيقية منه؟ إن الإجابة الدقيقة والواقعية عن هذا السؤال تمثل حجر الزاوية الذي يمكن للعراق أن يؤسس عليه أجندة واقعية تتوافق مع ديناميكيات الإدارة الأمريكية الجديدة، بما يضمن نقل العلاقات الثنائية إلى آفاق أكثر استقراراً. وفي المقابل، يبرز السؤال المقابل والمكمل: ماذا يريد العراق، وتحديداً في مرحلة حكومة السيد علي الزيدي، من الولايات المتحدة بشكل ملموس وقابل للتحقيق؟
إن الإجابة الشاملة عن هذين التساؤلين تمر عبر تفكيك محددات الفكر السياسي والاقتصادي لدونالد ترامب. فالمؤكد هنا أن ترامب، بوصفه رجل صفقات طاقوية عملاقة قادم من عالم الأعمال، يبحث بالدرجة الأولى عن المكاسب الاقتصادية والاستثمارية المباشرة. كما أنه ينظر إلى العراق كأداة جيوسياسية حاسمة لتضييق خيارات إيران الإقليمية، وتطويق تمددها في المنطقة، فضلاً عن كونه ساحة لمنع النفاذية الاقتصادية والتكنولوجية المتصاعدة للصين عالمياً وإقليمياً.
وفي هذين الملفين تتداخل الكثير من التعقيدات الاستراتيجية؛ إذ يجب أن يفهم صانع القرار العراقي أن ترامب غير معني في الجوهر بالهوية الأيديولوجية أو السياسية لمن يدير السلطة في بغداد، شريطة أن يلتزم هذا الطرف بمراعاة المتطلبات الاقتصادية الأمريكية الحالية، وأن يبتعد كلياً عن منح طهران هوامش وفرصاً إضافية لتكسير استراتيجية الاحتواء والتطويق التي تمارسها واشنطن ضد برنامجها النووي وشبكتها الإقليمية. بالإضافة إلى ذلك، يشترط العقل الترامبي ألا تحمل أجندة الحكومة العراقية أي نوايا عدائية معلنة ضد إسرائيل.
بناءً على ذلك، يبدو من المؤسف القول إن نصف رؤية ترامب حيال العراق تتمحور حول كيفية توظيف هذا البلد لإحراج إيران وترتيب أوضاع الحلفاء الآخرين في المنطقة، بينما يتعلق النصف الآخر بتأمين المصالح الطاقوية وحماية الاستثمارات الأمريكية. ويعود السبب الأساسي في هيمنة هذه النظرة التوظيفية الاستغلالية إلى غياب رؤية عراقية موازية تتسم بالثبات والاستمرارية والمؤسساتية؛ رؤية قادرة على تغيير القناعات الأمريكية وتحويل العراق من “عبء أمني مالي” إلى “فرصة استراتيجية متبادلة”.
وفي ضوء ذلك، لم ينجح أي رئيس وزراء عراقي مر على السلطة منذ عام 2003 وحتى الآن في صياغة استراتيجية مؤسسية واقعية تتجاوز المنظور الأمني التقليدي وضيق الأفق الطاقوي. إن واقع العلاقات العراقية الأمريكية الحالي، ورغم تسميته الزائفة في الخطابات الرسمية بـ “الشراكة الاستراتيجية”، لا يعدو كونه علاقات بسيطة وهشة تفتقر إلى أي عمق استراتيجي حقيقي.
ودليل هذا الطرح تقدمه لغة الأرقام الصارمة؛ فحجم التبادل التجاري المنخفض بين بغداد وواشنطن لم يتجاوز 7.9 مليار دولار في عام 2025، وهو رقم متواضع جداً إذا ما قورن بحجم التبادل التجاري للعراق مع قوى أخرى، حيث بلغ مع الصين نحو 54 مليار دولار، ومع تركيا 16.8 مليار دولار، وتجاوز مع إيران حاجز الـ 12 مليار دولار.
من هنا، يحتاج رئيس الوزراء الحالي علي الزيدي إلى إدراك أن ثمة فرصة ذهبية قد تولدت نتيجة إعادة توزيع الأحمال الاستراتيجية في المنطقة. إن نقل العراق فعلياً من مكانته الهامشية الحالية في العقل الاستراتيجي الأمريكي إلى مكانة الشريك الحيوي يتطلب الذهاب إلى واشنطن برؤية واضحة ومستندة إلى فلسفة “الصفقة الشاملة والكبيرة”؛ وهي الفلسفة المفضلة لدى ترامب في إدارة شؤون السياسة الخارجية. هذه الصفقة يجب أن تجعل ترامب والمؤسسات الأمريكية العميقة يغيرون مدركاتهم السلبية تجاه العراق، واستبدال إرث الفشل السابق بصورة جديدة تقوم على المصالح الاقتصادية المتبادلة والأمن المستدام.
الجبهة الداخلية كمرآة للخارج:
معضلة الإرادات المتقاطعة وتأثير السلاح المنفلت
في أدبيات العلوم السياسية، يُعرّف التوجه الخارجي لأي دولة بأنه امتداد طبيعي لسياساتها الداخلية ومرآة لتماسكها البنيوي. فالسياسة الخارجية القوية والفاعلة تشترط بالضرورة وجود نظام سياسي داخلي متماسك، يعمل بطريقة مؤسساتية رصينة ولا تتقاطع فيه الإرادات الوطنية. وإذا ما أسقطنا هذه القاعدة على الواقع السياسي العراقي الراهن، نجد أن الجبهة الداخلية تعاني من انقسامات حادة وعدم تماسك يمنع بناء سياسات خارجية رصينة قادرة على نقل العلاقة مع الولايات المتحدة إلى الطور الاستراتيجي الحقيقي.
الاستثناء الوحيد لهذه القاعدة يكمن في حجم الفرصة التاريخية الممنوحة حالياً للسيد علي الزيدي، والناجمة عن الضغط الخارجي المرتفع والممارس على القوى السياسية العراقية، لاسيما تلك التي تمتلك أجنحة مسلحة، من قبل فواعل دولية وإقليمية تهدف إلى تغيير سلوكها. فلو تُرك الأمر للنظام السياسي الحالي بصيغته التقليدية لصياغة رؤية استراتيجية مع واشنطن، لانتج لنا كمّاً هائلاً من السياسات العشوائية والمتناقضة التي تتأرجح بين الرفض الراديكالي والشعاراتي من جهة، والاندفاع الراديكالي والبراغماتي غير المشروط من جهة أخرى.
لذلك، نحن لا نتحدث هنا عن ظروف طبيعية لبناء علاقات اعتيادية بين دولتين، بل نتحدث عن بيئة استثنائية يمارس فيها الضغط الخارجي دوراً حاسماً في كبح جماح الفصائل المسلحة. ومن المفترض أن يساهم هذا الضغط في تحرير جزء من قرار القائد العام للقوات المسلحة، وتمكينه من اتخاذ خطوة تأسيسية شجاعة نحو علاقة متوازنة. ومع ذلك، يجب ألا نرفع سقف التوقعات والآمال إلى مستويات غير واقعية؛ فالزيدي لن يعود من واشنطن بحلول سحرية جاهزة، لأن الحل السحري للمعضلة العراقية ينبع من الداخل أولاً وأخيراً.
ما الذي على الزيدي فعله داخلياً لتطوير علاقات العراق خارجياً؟
يجب على صانع القرار العراقي أن يعي جيداً تراتبية الأولويات الثلاثية التي تحكم السياسة الخارجية الأمريكية تجاه العراق في المرحلة الراهنة، وهي حصر السلاح بيد الدولة وإنهاء المظاهر المسلحة غير القانونية. وترتيب الوضع العسكري والاقتصادي بشكل أعمق، وإبعاد بغداد عن فلك النفوذ الإيراني. وتحقيق مستوى ملموس من النزاهة، ومحاربة الفساد المالي والإداري المرتبط بتمويل شبكات النفوذ الإقليمية.
بدون تحقيق تقدم ملموس في هذه النقاط، لن تفكر الولايات المتحدة في نقل قطاع الشراكة الاقتصادي مع العراق إلى مستويات أبعد من الاستثمارات النفطية التقليدية.
من الناحية النظرية، تبدو الخطوات والحوارات الداخلية التي يقودها السيد الزيدي لتنظيم وجود مؤسسة الحشد الشعبي (التي أُقرت بقانون عام 2016) خطوة إيجابية. لكن الواقع العملي يشير إلى أن ملف “سلاح المقاومة” المرتبط بالتكليف العقائدي يظل الأكثر تعقيداً وعمقاً. إن فكرة تفكيك اقتصاديات هذا السلاح وتقويض قدرته على التحشيد الانتخابي والتعبوي ما تزال بحاجة إلى مصاديق عملية وتشريعات قانونية صارمة تمنع الأحزاب المسلحة من توظيف المال الفاسد والسلاح في التنافس السياسي أو في دعم أطراف إقليمية.
وعلى الرغم من أن الإجراءات الإدارية الرامية إلى خلق تغييرات هيكلية داخل مؤسسة الحشد، وتحويل إدارة بعض وحداتها إلى وزارتي الدفاع والداخلية وفك ارتباطها بأمراء الألوية، تبدو جيدة نظرياً، إلا أن الواقع يصطدم بارتباط أجزاء واسعة من هذه الوحدات قتالياً وعقائدياً بمرجعيات تحركها بمعزل عن إرادة القائد العام للقوات المسلحة، أو بمرجعيات سياسية توظفها انتخابياً.
بالتوازي مع ذلك، يحاول الزيدي إجراء تغييرات إدارية وأمنية واسعة لتفكيك حالة الاحتكار الأمني التي فرضتها بعض الشخصيات على مناصب حساسة لسنوات طويلة. وفي هذا السياق، تم استبدال رئيس جهاز الأمن الوطني السيد أبو علي البصري بالسيد باسم البدري، ومستشار الأمن القومي السيد قاسم الأعرجي بالسيد قاسم العبودي. ورغم أهمية هذه الخطوة، إلا أن هذه الاستبدالات لم تخرج المناصب من دائرة الترشيح الحزبي الضيق وأبقتها في جوهر المحاصصة السياسية المعمول بها. بالتالي، لا يمكن تسويق هذا التغيير كقصة نجاح إصلاحية حقيقية ما دام يقوم على استبدال شخص بشخص آخر ينتمي إلى نفس البيئة الحزبية؛ فمن غير المقنع الحديث عن تحرير القرار الخارجي بينما تسيطر المحاصصة على المفاصل الأمنية الحساسة للدولة.
قيمة “صولة الفجر” خارجياً
يسود اعتقاد خاطئ بين العديد من المتابعين للشأن العراقي بأن عملية “صولة الفجر” لمكافحة الفساد، التي نفذتها حكومة السيد علي الزيدي بالتعاون مع المؤسسة القضائية والبرلمان، تمت بإشراف وتنفيذ مباشر من مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي (FBI)، أو أنها جاءت بقرار أمريكي قسري لإصلاح الوضع الداخلي العراقي. غير أن الحقائق الميدانية والتحقيقية تثبت عكس ذلك تماماً؛ إذ إن “صولة الفجر” انطلقت كعملية وطنية ناتجة عن اعتقال مدير مصفى بيجي ووكيل وزير النفط عدنان الجميلي، الذي أفضت اعترافاته الجريئة أثناء التحقيق إلى كشف شبكة ارتباطات معقدة تضم زعماء سياسيين وأعضاء حاليين وسابقين في مجلس النواب، مما أدى إلى تدحرج كرة الثلج وتنفيذ الاعتقالات.
تكمن القيمة الاستراتيجية لهذه العملية بالنسبة للخارج، ولواشنطن تحديداً، في إرسال رسائل إيجابية قوية تثبت أن رئيس الوزراء الحالي قوي وجريء وقادر على اتخاذ قرارات داخلية غير مسبوقة، مما يعزز إمكانية الاعتماد عليه كشريك موثوق. ولكن عند مقارنة هذه العملية بأولويات واشنطن الثلاث الصارمة (حصر السلاح، التعاون العسكري والاقتصادي، ومكافحة الفساد المرتبط بإيران)، سنجد أن الزيدي نجح صورياً في تحقيق تسوية نظرية في ملف نزع السلاح، لكنه ما يزال عالقاً في تطبيق الألويتين الثانية والثالثة.
إن الإدارة الأمريكية ستنظر إلى عملية مكافحة الفساد هذه من زاوية واحدة ومحددة: هل أضعفت هذه الضربات موقف ونفوذ إيران وحلفائها في العراق أم لا؟ إذا كانت الإجابة بنعم، فإن الزيدي سيحظى بفرصة تاريخية ودعم واسع داخل واشنطن لنقل العلاقات إلى مستوى نوعي جديد. أما إذا كانت الإجابة بلا، وأن العملية لم تحد من النفوذ الإقليمي لطهران بل اقتصرت على الفاسدين الصغار أو الصراعات البينية، فلن تبدي الإدارة الأمريكية اهتماماً كبيراً بها، وسينظر إليها كإجراء داخلي يهدف الزيدي من خلاله إلى إثبات قوته السياسية فحسب.
هيكلة المؤسسات المالية والاستثمارية:
بين الإصلاح الحقيقي وتفكيك إرث الماضي
في إطار مساعيه لإعادة ضبط الإيقاع الاقتصادي، أجرى رئيس الوزراء علي الزيدي تغييرات جوهرية شملت إعفاء مدير البنك المركزي السيد علي العلاق وتعيين السيد نزار ناصر بديلاً له، بالإضافة إلى إعفاء رئيس هيئة الاستثمار السيد حيدر مكية وتسمية السيد عادل الياسري في منصبه. ومع ذلك، لا تبدو هذه التغييرات في عمقها البنيوي كإصلاحات مؤسساتية شاملة، بقدر ما تظهر كخطوات تهدف إلى تفكيك وإزاحة المنظومة الإدارية لرئيس الوزراء السابق، الذي كان يسعى هو الآخر بطريقته لتطوير العلاقات الخارجية مع الولايات المتحدة.
إن خطوات السيد علي الزيدي في مكافحة الفساد الداخلي، رغم أهميتها وتأثيرها النفسي، ستبقى محدودة ومقيدة ولن تمتلك القدرة على الغوص عميقاً لملاحقة كبار حيتان الفساد الذين يختبئون خلف أحزاب عقائدية وسياسية أسست هذا النظام وتتحكم بمفاصله، وهي شخصيات لا يمكن المساس بها نظراً للاعتبارات والتوازنات السياسية الحساسة. بناءً على ذلك، فإن استمرار الزيدي في مجاملة بعض هذه القوى وترك الفاسدين التابعين لها خوفاً من انهيار النظام السياسي، سيؤدي حتماً إلى شلل مشروعه الإصلاحي وعجزه عن بناء علاقات خارجية حقيقية مع واشنطن.
إن هذه الجهات تمتلك اقتصاديات موازية تعرقل الاستثمار وتمنع العراق من الخروج من مؤشرات الفساد العالمية، مما يحرم البلاد من أن تكون بيئة آمنة وجاذبة للشركات الأمريكية العملاقة المتخصصة في مجالات التكنولوجيا الحيوية والطاقة المتجددة.
بل إن هذا الواقع المتردي سيفتح الباب على مصراعيه للشركات الفاسدة عالمياً، التي تبحث عن الربح السريع والسهل عبر تقديم الرشاوى للمسؤولين الكبار لتمرير صفقات طاقة مشبوهة تحقق أرباحاً طائلة في فترات قياسية. وهذا النمط الاستثماري الفوضوي هو تماماً ما ترفضه الشركات الأمريكية الرصينة التي تشترط الشفافية وسيادة القانون؛ وبناءً عليه، بدون إصلاح داخلي حقيقي وبنيوي، لن يشهد العراق أي تدفق لرؤوس الأموال الاستثمارية العملاقة من الخارج.
خريطة الطريق نحو واشنطن:
بناء الجبهة الداخلية وصياغة المسارات الثلاثة للشراكة
على الرغم من القراءة التشاؤمية والواقعية الحذرة التي تطرحها هذه الورقة التحليلية بشأن لقاء القمة العراقي – الأمريكي المزمع عقده في منتصف شهر يوليو 2026، إلا أن السيد علي الزيدي يمتلك هامشاً للمناورة والاستدراك. يستطيع الزيدي الشروع الفوري في مسار داخلي لبناء جبهة سياسية ووطنية عريضة داعمة لزيارته الخارجية ومفوضة له. يجب على هذه الجبهة اتخاذ مواقف تاريخية حاسمة تمنح رئيس الوزراء صلاحيات استثنائية للتفاوض مع الجانب الأمريكي في ملفات الأمن الإقليمي، الطاقة، والشراكة العسكرية الحقيقية. وبدون هذا التفويض الداخلي الصريح، ستفقد زيارة واشنطن قيمتها السياسية وتتحول إلى مجرد بروتوكول عابر.
ويمكن رسم هذه الملفات الاستراتيجية الثلاثة وفق الآتي:
المسار الأول: بناء تفاهم أمني جديد يقوم على احتكار الدولة للسلاح وتحويل الشراكة العسكرية من الوجود إلى القدرات
ينبغي أن ينطلق هذا المسار من إدراك حقيقة أن الولايات المتحدة لم تعد تبحث عن زيادة عديد قواتها القتالية في العراق، بل تتركز استراتيجيتها حول ضمان عدم تحول الأراضي العراقية إلى منصة تهدد قواتها ومصالحها وحلفاءها الإقليميين، أو منح إيران هامش مناورة إضافياً. ولن يتمكن الزيدي من تطوير هذا المسار ما لم يحصل على ضوء أخضر سياسي وتفويض واسع لإعادة تقديم العراق كطرف متوازن وقريب من المصالح المشتركة في المعادلة الأمنية.
هذا التقديم يتطلب مصارحة سياسية شجاعة وجريئة بين القوى المختلفة، توضح أن هذا التوجه قد لا يصب في مصلحة الأجندة الإيرانية الحالية، ولكنه الخيار الوحيد لحماية سيادة العراق. إن الذهاب في هذا الاتجاه سينقل النقاش العسكري من الدائرة التقليدية العقيمة حول بقاء أو انسحاب القوات الأمريكية إلى فضاء أعمق يتعلق ببناء وتطوير قدرات الدولة العراقية نفسها عبر الاستثمار بالقطاع العسكري والأمني.
وهذا النمط من الاستثمار يلعب على وتر رغبات ترامب التجارية والصفقاتية، ويشمل تطوير منظومات الاستخبارات، الدفاع الجوي، الأمن السيبراني، مراقبة الحدود، وتبادل المعلومات الاستخبارية الحساسة، مقابل التزام أمريكي صارم بدعم مؤسسات الدولة ومنع تحويل العراق إلى ساحة لتصفية الحسابات.
وبهذا، يتحول الملف الأمني من أزمة خلافية داخلية إلى مشروع وطني لبناء الدولة بالشراكة مع القوة العظمى الأولى عالمياً، مما يضمن تدفق صفقات تسليح وتدريب متطورة تلبي حاجة بغداد الأمنية وتمنع عودة الجماعات الإرهابية. أما إذا أصرت القوى المسلحة على مجاملة طهران والتماهي التام مع مشروعها الإقليمي، فإن الزيدي سيواجه فشلاً ذريعاً يحاكي فشل أسلافه.
المسار الثاني: عقد تحالفات اقتصادية واستثمارية كبرى تجعل العراق شريكاً حقيقياً للولايات المتحدة في المنطقة
يعتمد نجاح هذا التحالف الاقتصادي بالدرجة الأولى على شجاعة القائد العام للقوات المسلحة وقدرته على تحرير القرار التجاري والمالي للدولة من هيمنة الفساد والفصائل المسلحة التي تمتلك اقتصاديات موازية تلتهم مقدرات البلاد. كما يتطلب مواجهة الأطراف التي تعارض أي اندفاع عراقي نحو المحيط العربي والدولي والولايات المتحدة.
وبدون هذا التحرير الاستراتيجي الشامل، لن يتمكن العراق من إبرام شراكات استثمارية عملاقة لتطوير قطاعات الغاز المصاحب، البتروكيماويات، تأهيل شبكة الكهرباء الوطنية، الذكاء الاصطناعي، البنية التحتية، والنقل، وربط مشروع “طريق التنمية” الحيوي بالمصالح الاقتصادية الأمريكية الكبرى.
يجب إدراك أن كبريات الشركات الأمريكية غير مستعدة للمخاطرة بالدخول إلى سوق يعاني من الابتزاز المباشر، التهديد، أو الاستهداف الصاروخي والمساومات في كل مرة تشهد فيها العلاقات الأمريكية الإيرانية توتراً إقليمياً. ولنا في تجارب حرب الـ 12 يوم وحرب الـ 39 يوم خير دليل؛ حيث تعرضت الشركات الأمريكية العاملة في مناطق كان يُعتقد أنها آمنة تماماً في إقليم كردستان ومناطق أخرى لاستهدافات صاروخية كبدتها خسائر فادحة وأدت إلى تعليق عمل جزء كبير منها.
لذا، فإن اندفاع الاستثمارات الأمريكية نحو العراق يظل مشروطاً بتحييد السلاح العقائدي وتفكيك بؤر الفساد الكبرى، لصياغة قرار تجاري سيادي مستقل لا يتأثر بالمواقف الإقليمية لطهران أو أتباعها في الداخل.
المسار الثالث: إعادة توصيف الوظيفة الاستراتيجية للعراق في العقل الأمريكي حيال المنطقة
يُعد هذا المسار الأكثر وعورة وتعقيداً؛ لأنه لا يتعلق بتوقيع اتفاقيات جديدة أو مذكرات تفاهم شبيهة باتفاقية الإطار الاستراتيجي الموقعة عام 2008، بل يتعلق بإحداث تحول جذري في طريقة نظر مؤسسات صنع القرار الأمريكية للعراق. فمنذ عام 2003، فشل العراق في الانتقال داخل العقل الاستراتيجي الأمريكي من خانة “الملف الثانوي الإقليمي التوظيفي” المستخدم للضغط والمناورة، إلى خانة “الملف الاستراتيجي الوظيفي المرتكز” في هندسة السياسة الأمريكية بالشرق الأوسط.
ونتيجة لذلك، اتسمت السياسات الأمريكية المتعاقبة تجاه بغداد بطابع “إدارة الأزمات” والتوظيف المؤقت لجغرافيته وحالته الفوضوية، بدلاً من بناء شراكة مستدامة وطويلة الأمد تمكن الدولة العراقية من تعزيز قدراتها الاستراتيجية. والمسؤولية هنا لا تقع فقط على عاتق واشنطن التي احتلت البلاد وتركتها دون مشروع بناء حقيقي، بل تقع بالدرجة الأولى على صانع القرار العراقي الذي عجز عن إخراج بلده من هذا الدور الهامشي.
وبناءً عليه، فإن المهمة الأكثر عمقاً وجسارة أمام السيد علي الزيدي لا تتمثل في استجداء الدعم المالي أو العسكري من ترامب، بل في إعادة توصيف الدور الجيوسياسي الذي يمكن أن يؤديه العراق داخل الاستراتيجية الأمريكية في ظل التحولات الكبرى لمعادلات الطاقة والأمن. يستطيع العراق تقديم نفسه كحلقة الارتكاز الجغرافية التي تربط دول الخليج العربي بتركيا وأوروبا، ومحوراً رئيسياً لممرات الطاقة الدولية، ونقطة التقاء المشرق العربي، وشريكاً موثوقاً في حماية سلاسل الإمداد العالمية.
هذه الوظائف الحيوية تتناغم تماماً مع أولويات إدارة ترامب الراغبة في تقليل كلفة الانخراط العسكري المباشر والاعتماد على شركاء إقليميين أقوياء يتحملون مسؤولية صناعة الاستقرار. إن نجاح العراق في فرض هذا التحول الإدراكي سينقله تدريجياً من خانة “الدولة التي ينبغي منع انهيارها” (حيث تقتصر المساعدات على الجانب الأمني كما حدث في الحرب ضد داعش) إلى خانة “الدولة التي ينبغي الاستثمار في استقرارها”، حيث تتحول التكنولوجيا، الطاقة، البنية التحتية، والربط الإقليمي إلى المرتكزات الحقيقية للشراكة.
التحدي الحقيقي أمام الزيدي ليس إقناع واشنطن بأن العراق “ليس جزءاً من الأزمة الأمريكية الإيرانية المعقدة” (فهذا أمر يصعب تحقيقه قريباً لارتباطه بداخل عراقي يعتقد جزء منه أن بقاء طهران هو الضامن الوحيد لوجوده في السلطة ولحماية المكون)، بل التحدي يكمن في إقناع ترامب بأن المصالح الأمريكية العليا باتت تتطلب عراقاً قوياً، مستقراً، ومتصالحاً مع محيطه العربي والدولي، بدلاً من إبقائه مجرد ساحة مفتوحة للتنافس والصراع الإقليمي.
شيفرة العقل الترامبي:
الصفقات الطاقوية، فخ الاتفاقيات الإبراهيمية، والملف السوري الجديد
من الواضح تماماً أن الرؤية الأمريكية الحالية للعراق تنطلق من زاويتين محددتين: الأولى توظيف الجغرافيا العراقية لإحراج إيران ومحاصرتها، والثانية الاستحواذ على صفقات طاقة ومعادن سريعة ومربحة دون تحمل أي أعباء استثمارية أو سياسية في بيئة عراقية تصنف بأنها فوضوية وغير مستقرة. يبحث ترامب عن الربح التجاري المباشر والسريع، ولا يتضمن جدول أعماله بناء علاقات مؤسساتية طويلة الأمد مع دولة يرى أن غزوها واحتلالها في عام 2003 كان واحداً من أكبر الأخطاء الاستراتيجية في التاريخ الأمريكي الحديث.
هذه الرؤية الترامبية البراغماتية الصارمة لا تصب في مصلحة العراق على المدى الطويل، وليس من السهل على الزيدي تغييرها؛ لكن العراق يمتلك القدرة على توظيف رغبات ترامب الطاقوية عبر عرض استثمارات مشروطة تجبر واشنطن على إعادة تقييم الموقع الجيوسياسي لبغداد. وهذا لن يتحقق إلا إذا اقتنع ترامب تماماً بأن الزيدي يمتلك القدرة الفعلية على كبح جماح الفصائل المسلحة وتحديد نفوذ إيران؛ إذ لن يغامر ترامب أو الشركات الأمريكية الكبرى بالنزول إلى الميدان العراقي دون ضمانات أمنية وسياسية قطعية.
من جهة ثانية، تكمن المسألة الأكثر حساسية وخطورة في رؤية ترامب للمنطقة في سعيه لدمج العراق ضمن “الاتفاقيات الإبراهيمية” التي يطمح إلى توسيعها لتشمل الشرق الأوسط بأكمله، بهدف خلق بيئة استثمارية وأمنية موحدة تحقق السلام مع إسرائيل. وهنا يصطدم الطموح الترامبي بالواقع القانوني والسياسي العراقي؛ إذ إن التشريع العراقي الصادر في عام 2021 يجرم كلياً وبشكل قاطع أي شكل من أشكال التطبيع أو التواصل مع إسرائيل، وتصل العقوبات فيه إلى حد الإعدام.
لذا، يمثل هذا الملف لغماً سياسياً حقيقياً قد لا يُناقش علناً، إلا إذا تعمد ترامب إحراج السيد علي الزيدي أمام وسائل الإعلام بالحديث المباشر عن رغبته في انضمام العراق لهذه الاتفاقيات.
فضلاً عن ذلك، تشير المعطيات إلى أن ترامب سيدفع باتجاه حث بغداد على تطوير علاقاتها السياسية والاقتصادية مع الجانب السوري بشكل أوسع. فالإدارة الأمريكية الجديدة ترى أن النظام السوري الحالي بقيادة أحمد الشرع يقدم نموذجاً يتوافق مع تطلعات ترامب البراغماتية وبدأ يتعاطى إيجابياً مع المعطيات الأمنية والدبلوماسية المتعلقة بإسرائيل، مما يجعله في نظر ترامب نظاماً يحتاج إلى دعم اقتصادي من جيرانه.
ويرى ترامب أن العراق يجب أن يكون جزءاً من هذا الدعم عبر تطوير شبكات نقل واستثمار الطاقة بين بغداد ودمشق برعاية أمريكية مباشرة؛ وهي خطوة تهدف في عمقها الجيوسياسي إلى تحصين الاستقرار السوري وإغلاق الجغرافيا السورية نهائياً أمام محاولات إيران لتوظيفها في تهديد الأمن الإقليمي.
ثلاث وصايا للزيدي
في الختام، يتعين على السيد رئيس مجلس الوزراء علي الزيدي أن يستوعب بعمق أن أهمية العراق بالنسبة للولايات المتحدة يجب ألا تظل محصورة في التدفق النفطي أو التحول إلى مجرد خندق لمواجهة إيران، كما ترغب واشنطن وكما يرتضي العراق لنفسه بالبقاء في دور هامشي. إن المنطقة تعيش مخاض تحولات جذرية كبرى، تفرض على بغداد حجز موقعها الريادي وفرض نفسها كلاعب أساسي وجيوسياسي في معادلة التوازن الإقليمي الجديد. فالعراق يمتلك عبقرية المكان؛ إذ يقع عند نقطة التقاء الخليج العربي بتركيا وبلاد الشام، ويمثل الممر الأكثر مأمونية لطرق التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا، فضلاً عن كونه ساحة حاسمة في المنافسة الأمريكية الصينية واحتواء النفوذ الإيراني.
بناءً على هذا التصور الاستراتيجي الشامل، أضع أمام السيد علي الزيدي ثلاث وصايا محددة وحاسمة قبل توجهه إلى البيت الأبيض:
1. الوصية الأولى: مغادرة عقلية الاستجداء وتبني فلسفة الندية والشراكة المتبادلة
يجب على الزيدي الذهاب إلى واشنطن بعقلية “رجل الدولة” الشريك، الذي يعرض صفقات قائمة على تبادل المصالح الحيوية، وإنهاء النظرة التوظيفية الأمريكية الهامشية. إن الإدارة الأمريكية الحالية لا تقيم تحالفاتها بناءً على المجاملات السياسية أو الحاجات الإنسانية، بل بناءً على القيمة الاستراتيجية المضافة التي يقدمها الشريك لمشروعها الإقليمي والدولي.
2. الوصية الثانية: الالتزام الصارم بالإصلاح الداخلي الشامل كشرط مسبق لأي نجاح خارجي
لن ينجح رئيس الوزراء في إقناع ترامب أو المؤسسات الأمريكية العميقة بجدوى الشراكة ما لم يقدم مصاديق عملية وقوية على إجراء إصلاحات حقيقية وهيكلية في البنية الداخلية العراقية. فالولايات المتحدة لن تنوب عن الحكومة في ترتيب بيتها الداخلي؛ بل تشترط رؤية قرارات جريئة في حصر السلاح، مكافحة حيتان الفساد، وتأمين تسهيلات قانونية وضمانات أمنية حقيقية تحمي الاستثمارات الأمريكية العملاقة.
3. الوصية الثالثة: صياغة قرار سيادي مستقل متحرر من الإملاءات الإقليمية
إن العجز عن بناء توافق سياسي داخلي صلب ومتحرر من الفيتو الإيراني أو إملاءات الفصائل المسلحة سيعني فشل الزيدي الحتمي في واشنطن. يجب تقديم العراق كدولة باحثة عن مصالحها الوطنية العليا أولاً، قادرة على الصمود والثبات الاستراتيجي، ورافضة لأن تظل مجرد مساحة مستباحة للمنافسة والصراعات الإقليمية؛ وبدون هذه الخطوات الشجاعة، ستبقى واشنطن تتعامل مع بغداد وفق استراتيجيتها الحالية: أخذ ما يمكن أخذه من الموارد الطاقوية بسرعة، وتوظيف الجغرافيا لإحراج الخصوم دون أي التزام استراتيجي ببناء الدولة العراقية.
* أستاذ العلوم السياسية والشؤون الاستراتيجية