هشام كاظم :
يصنّفُ تقرير فريدوم هاوس للحرية الرقمية، العراق ضمن البيئات المقيدة في المنطقة والعالم، بدرجة 40 من 100 لعام 2024 وبدرجة 41 من 100 لعام 2025، لكن مؤشراً حديثاً من موقع Cloudwards لعام 2026 أظهر تراجعاً كبيراً في مستوى التقييم وصل إلى 16 من 100.
هذه الأرقام السيئة تكشف عن هبوط مستمر وكبير يثير القلق، وهي توضح بالضبط ما يجري، مَن يقيّد؟ مَن يتجسس؟ مَن يأمر بالحجب؟، وعبر أي قنوات، وبأي أدوات؟
هذا الغموض ليس عرضياً؛ فالعراق لا يملك حتى الآن نصاً قانونياً واضحاً ينظّم صلاحية الحجب أو يشترط مراجعة قضائية مسبقة لأي قطع في الخدمة، ومن ناحية أخرى تتوزع السيطرة على الفضاء الرقمي بين هيئات تنظيمية وشركات حكومية وجهات أمنية وقوى مسلحة، كلٌّ منها يمتلك جزءاً من الزناد. هذا المقال يتتبع هذه السلسلة من رأسها إلى أدواتها: مَن يُصدر القرار، كيف يُنفَّذ، وبأي تقنيات؟.
في كلّ نقاش عن عالم الإنترنت في العراق، يجري الخلط بين ثلاثة مفاهيم تقنية، من الضروري الفصل بينها لتلافي سوء الفهم:
ثلاثة مفاهيم – ليست مترادفة
وفقاً لمعجم المصطلحات التقنية لمؤسسة الحدود الإلكترونية (EFF)، المفهوم الأول وهو الحجب، والذي يعني منع الوصول إلى موقع أو منصة أو خدمة بعينها ويشعر به المستخدم فوراً حيث الصفحة لا تفتح، والمفهوم الثاني وهو المراقبة الذي يعني التقاط أنماط حركة البيانات (التجسس فقط على حركة البيانات) وتحليلها دون تعطيلها، والمستخدم هنا لا يشعر بها، والمفهوم الثالث وهو التنصت والذي يعني الوصول للمحتوى الفعلي للبيانات مثل المكالمات، الرسائل، البيانات الشخصية (التجسس على البيانات نفسها) وهذا الأخير يعدّ الاستخدام الأشد خطورة وتطلّباً من الناحية التقنية والقانونية.
المحور الأول
الرأس: من يصدر الأمر؟
في قمة هرم قرار الحجب تجلس جهة تُعرف بـ”اللجنة العليا للتحوّل الرقمي” التابعة لمكتب رئيس الوزراء، وظيفتها ليست تقنية مباشرة، بل هي الجهاز الذي ترسم قراراتُه السياسةَ الرقميةَ الكاملةَ لهيئة الاعلام والاتصالات، بما تملكه من صلاحية الإقرار أو الرفض حتى على قرارات الهيئة ذاتها. قراراتها تبدو مُغلقة تماماً، وليس لها سجل منشور في الجريدة الرسمية، وهذا ما يجعلها أشد فاعلية من أي نص قانوني مكتوب: حيث لا وثيقة يتم الاستشهاد بها، ولا قرار يمكن أن يُطعن فيه.
يتحول قرار اللجنة هذه إلى فعل تنفيذي من خلال هيئة الإعلام والاتصالات (CMC)، والهيئة تمتلك سلاحاً إدراياً نافذاً و يمكن وصفه بأنه “عابر للوزارات”، هذا السلاح هو إدارة التراخيص واللوائح الذي أعطته لها سلطة الائتلاف المؤقت بقيادة الحاكم المدني السابق للعراق بول بريمر عام 2004، وهذه الصلاحيات التي تعمل بها الهيئة، تعتبر محل نقاش، بل يعتبر البعض وجود الهيئة من أساسه غير قانوني، لأن قوانين سلطة الائتلاف ذهبت مع السلطة ومع بريمر وهناك حملات لإلغاء الهيئة تنادي بها جهات حكومية بين فترة وأخرى. الهيئة هذه تلزم كل مزود خدمة إنترنت في العراق أن يجدد ترخيصه كل سنة، وبموجب شروط تلك التراخيص يجب على كل مزوّد الامتثال للهيئة ويمنع من الاعتراض، لا فقط على اللوائح، بل حتى على التعديلات اللاحقة التي تأتي بعد توقيع العقد. إذن، من خلال الهيئة فالسلطات هنا لا ترفع لافتة الإكراه في مسألة الرخصة بشكل صريح في البداية، لكن بعد توقيع العقد هي تجبر المزود على الامتثال لأي تغييرات لاحقة، والمزود الذي لا يمتثل، ببساطة سيخسر العقد وتسحب منه الرخصة.
يكتمل المشهد من خلال الإطار القانوني، وبتعبير أدق، من خلال غياب النص القانوني، إذ لم تنجح السلطة التشريعية بسن قانون واضح وكامل، غير أن هنالك مسودات قوانين مطروحة تتضمن صياغات فضفاضة، فعلى سبيل المثال تُجرّم بعض نصوص هذه المشاريع المحتوى الماسّ “بالمصالح العليا” دون تعريفات حاسمة قابلة للتقاضي، وهو ما وثّقته منظمة العفو الدولية بوضوح. وهذا الفراغ يفسح مجالاً للتعريف السياسي، بدلاً من التعريف القانوني الحاسم.
المحور الثاني:
العصب: كيف تمر الأوامر؟
تتحكّم الشركة العامة للاتصالات والمعلوماتية (ITPC)، بـ11 بوابة نفاذ دولية تمر عبرها جميع بيانات الإنترنت الداخلة إلى العراق والخارجة منه، ولا يوجد في العراق مسار بديل حر من هذا الاختناق البنيوي، كل البيانات، من أصغر رسالة إلى أكبر ملف، تعبر بالضرورة من هذه البوابات الإحدى عشرة.
هذا التصميم المزدحم، يمنح من يسيطر على البوابات إمكانية السيطرة على كلّ شيء دون الحاجة إلى اختراق أجهزة فردية أو مراقبة كل مستخدم على حدة، منطقياً السيطرة على الشريان تعني السيطرة على ما يجري فيه، وبناءً على هذا تحتفظ الشركة العامة للاتصالات والمعلوماتية ITPC بالقدرة الفعلية على قطع الوصول لأي منصة في أي وقت، قدرة أثبتتها الأرقام المرصودة.
ما الذي تلتزم به شركات الإنترنت الخاصة؟
تُلزم شروط الترخيص الصادرة عن هيئة الإعلام والاتصالات شركاتِ تزويد الإنترنت الخاصة بالامتثال الفوري لأوامر الجهات الأمنية المختصة بوقف الخدمات أو تقييدها، وفق ما يكشفه تحليل متطلبات الترخيص، ولا تتضمن هذه الشروط أي آلية استئناف قضائي مسبق، الامتثال لها هو شرط البقاء في السوق، والرفض يعني إلغاء الترخيص وإغلاق الشركة، والنتيجة هي أن الشركات الخاصة ليست بالضرورة شريكة في السيطرة، بل أذرع تنفيذية مُقيَّدة باتفاق مبرم قبل أن يُكتب أي أمر حجب.
المحور الثالث:
الأدوات: كيف يُنفَّذ الحجب والمراقبة تقنياً؟
هنا ينقسم المشهد إلى أداتين مختلفتين في الطبيعة والأثر، الأولى، وهي الأبسط والأسرع: تزوير نظام أسماء النطاقات (DNS Spoofing)، فعندما يطلب مستخدم فتح موقع محجوب، يُعيد الخادم توجيهه إلى عنوان وهمي أو يُعطيه رسالة خطأ بدلاً من العنوان الحقيقي، الأمر لا يستغرق سوى أجزاء من الثانية، ولا يتطلب أجهزة متقدمة. وقد وثّقت منظمة SMEX هذه الآلية في سياق الحجب العراقي وأثبتت استخدامها المنهجي لحجب منصات بعينها.
الأداة الثانية أعمق وأخطر: فحص الحزم العميق (Deep Packet Inspection — DPI)، على عكس DNS الذي يمنع الوصول، يسمح DPI بقراءة محتوى البيانات العابرة لا فقط عناوينها، أي أنه أداة مراقبة بامتياز قبل أن يكون أداة حجب. وتكشف دراسة أكاديمية عن بنية الإنترنت العراقي أن تقنية DPI غير مُطبَّقة بشكل موحّد على مستوى وطني، لكنها متاحة لمزودين بعينهم. غير أن المشهد أكثر تعقيداً مما تبدو عليه هذه الصورة، إذ يربط تقرير مركز مكافحة الإرهاب في ويست بوينت جهةً تُعرف بـ”إنكيدو” باستخدام تقنية DPI داخل العراق لربط بصمات الأجهزة بمواقع المستخدمين، فيما أشار تقرير فريدوم هاوس استناداً إلى مصدر في القطاع إلى أن جهاز الأمن الوطني العراقي كان يعمل على تطبيق منظومة DPI لتعميق مراقبة النشاط الرقمي. مما يعني أن التقنية ليست افتراضية وليست مجرد إحتمال نظري منطقي، بل تقنية وسلعة تجارية متاحة في السوق (وتروّج لها شركات تقنية عالمية كشركة سينو-تيليكوم الصينية على سبيل المثال)، ويمكن لأي مزود أو جهة حكومية اقتناؤها.
بالإضافة لكل ذلك، رصدت NetBlocks عمليات قطع إنترنت متعددة ومتعمدة في العراق خلال أوقات الاحتجاجات ومواسم الامتحانات، وهو ما يُثبت الأثر الموثق بغض النظر عن الأداة التقنية المستخدمة. والصورة الكاملة لهذه الأنماط (حجب انتقائي، توقيت مدروس، استثناءات مقصودة) هي بالضبط ما يُميّز الإغلاق المتعمد المُنسَّق عن العطل التقني العارض.
المحور الرابع
الظلال: حين تصبح البنية التحتية سلاحاً شخصياً
الحجب والمراقبة حين يبقيان في نطاق الدولة يُصنَّفان — ولو جدلاً — ضمن أدوات السياسة الأمنية. لكن الإشكالية الأخرى -وهي جديدة- تبدأ حين تتسرب هذه القدرات إلى خارج هذا النطاق. حيث كشف مركز مكافحة الإرهاب في ويست بوينت أن جماعات مسلحة خاضعة للعقوبات الأمريكية تغلغلت في الاقتصاد الرقمي العراقي، مستثمرةً في شركات اتصالات وخدمات إنترنت بصورة مباشرة أو عبر وسطاء، وهذا لا يعني بالضرورة أن هذه الجماعات تملك مفاتيح الحجب التقني فعلياً، لكنها على الأقل أصبحت جزءاً من منظومة النفوذ والعائد المالي المرتبطة بالسيطرة على البنية التحتية الرقمية، وهو ما يعني أن حدود هذه البنية الرقمية لا تنتهي عند الهيئات الرسمية، بل تمتد إلى مساحة لا تصل لها سلطة ورقابة تلك الهيئات أو ممنوعة من الوصول إليها.
من يملك القرار، من يملك التنفيذ، من يدفع الثمن؟
على الرغم من كل هذه المعلومات، تبقى إجابة سؤال “من يمسك زناد الإنترنت في العراق؟” غير حاسمة؛ إذ ليس إصبعاً واحداً على هذا الزناد، بل هناك منظومة تبدأ بالقرار الذي يصدر من مستوى تنفيذي عالٍ بصلاحيات غير معلنة ولا يمكن تتبعها قانونياً، و هيئة الاعلام (CMC) تُحوّله إلى التزام تنظيمي، والشركة الوطنية (ITPC) تملك البوابات التي لا مفر منها، إضافةً لشركات الإنترنت الخاصة التي تُنفّذ كل ذلك خوفاً من خسارة العقود الحكومية. وتحت ظلال هذه الرباعية، هنالك نفوذ محتمل لا يظهر في أي هيكل واضح، وقدرات تقنية لا أحد يعلن أوجه استخدامها القانونية والأخلاقية بوضوح.
وبغياب القدرة على التقاضي بسبب غياب القوانين الحاسمة وعدم وجود الشفافية الكافية، نصبح أمام إفلات ناعم وذكي ليس فقط من المحاسبة بل حتى من الكشف.
بموجب ما تقدّم، صار واضحا أن الفضاء الرقمي العراقي، بهذا الشكل وبهذه البنية المعقدة، لا يحتاج خطابات عن الحرية، بقدر حاجته إلى ثلاثة أشياء محددة: قانون يُلزم بأمر قضائي مسبق قبل أي حجب أو قطع، وشفافية إلزامية في إدارة البوابات، وحق المواطن في معرفة سبب انقطاع خدمة يدفع ثمنها. مع حاجات أخرى لا بد منها تتمثل في ضرورة حماية العراقيين رقمياً واحتكار أو منع كل السبل التي تمكّن من الاختراق.
هذه ليست مطالب استثنائية، بل هي الحد الأدنى الذي يجب أن تضمنه أي دولة في الفضاء الرقمي، الذي أصبح اليوم مثله مثل الفضاء الحقيقي إلى حد كبير.