

صوت مجلس محافظة نينوى، في جلسته الـ 60 التي عقدت في 30 حزيران/يونيو2026، بالأغلبية المطلقة على قرار يسمح فيه لمواطني نينوى باستغلال الأراضي السكنية التي يمتلكونها في أي مكان داخل المحافظة، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق أي جهة تمنعهم من ذلك.
قوبل القرار بترحيب واسع من قبل آلاف المواطنين خاصة من سكنة نينوى، فهو سيسمح لأول مرة بالبناء خارج الحدود الادارية القديمة للموصل، بوجود ما يزيد عن ثلاثين ألف متضرر كان عاجزا منذ نحو 23 سنة عن التصرف بأرضه السكنية في مناطق عديدة أبرزها (جليوخان وقزه فخرة) شرق مدينة الموصل ضمن سهل نينوى.
رئيس مجلس المحافظة احمد الحاصود، قال في مؤتمر صحافي عقده في مقر المجلس مع مجموعة من الأعضاء، أنهم صوتوا على “السماح للمواطن الذي يملك سنداً رسمياً بتشييد بناء في ارضه في أي مكان داخل محافظة نينوى”.
القرار منح الجهات المعنية كالبلدية مهلة 30 يوما لمنح اجازات البناء لمالكي سندات الأراضي، والشرطة المحلية لرفع الساتر الترابي الذي كان تنظيم داعش قد أنشأه شرق الموصل أبان سيطرته على المحافظة بين 2014 و2017، ويمر بمنطقتي جليوخان وقزه فخرة.
وكانت الحكومة العراقية، في حقبة النظام السابق قبل 2003، قد وزع قطع أراض سكنية على مواطنين من نينوى في تلك المنطقتين، وبعد انهيار النظام، فرضت قوات البيشمركة التابعة لإقليم كردستان، سيطرتها عليها فضلاً عن باقي مناطق سهل نينوى، بوصفها مناطق متنازع عليها بين الإقليم والحكومة الإتحادية وفقاً للمادة 140 من الدستور. ومنعت أصحاب الأراضي وأي مواطن من غير ساكني سهل نينوى الذي يضم بلدات مسيحية وقرى شبكية وكردية، من استغلال او التصرف بأراضيهم، منعاً من إحداث تغيير ديموغرافي.
وبعد تحرير “سهل نينوى” من سيطرة داعش، فرضت قوات الحشد الشعبي، ممثلة باللواء 30 الذي يضم مقاتلين من الشبك الشيعة، سيطرتها رفقة فصيل “بابليون” المسيحي التابع للحشد الشعبي كذلك، على سهل نينوى، وانتهجت ذات السياسة بمنع أي شخص من خارج سهل نينوى من التصرف او استغلال عقارات يملكها هناك، منعا من أي تغيير ديموغرافي يحمل تداعيات على حقوق الأقليات في تلك المناطق.
وقبلها كانت المحكمة الاتحادية قد أصدرت قرارها المرقم 65 سنة 2013، في تفسير المادة (23/ثالثاً/ب) من الدستور العراقي لسنة 2005، بحظر التملك لأغراض التغيير السكاني. وعدها الشبك والمسيحيون متعلقاً بمنطقتهم التاريخية وهي سهل نينوى، واكد ممثلون عنهما ان النظام العراقي السابق، كان قد استولى على مساحات واسعة من الأراضي في السهل ووزعها على مواطنين من سكنة مناطق أخرى، بهدف تغليب السكان العرب على أعداد السكان المحليين من القوميات الأخرى.
رفض ولجوء للقضاء
ممثل الشبك في مجلس محافظة نينوى، محمد عارف، عبر عن رفضه لقرار المجلس، وعده متجاهلاً للضمانات الدستورية الخاصة بمناطق الأقليات ولا يراعي حقوق جميع المكونات، وأعلن عن اللجوء إلى القضاء الإداري والاتحادي للطعن به.
فيما ذكر زميله، معاذ حاجي، أن قرار المجلس مخالف لقرار المحكمة الإتحادية، وان الأراضي في منطقة جليوخان تابعة لناحية برطلة، والأراضي في قز فخرة تابعة لقضاء الحمدانية، وأنها “أراض زراعية أخذت بالقوة في زمن النظام السابق وتم توزيعها كأراض سكنية”.
ودعا معاذ حاجي، مجلس المحافظة إلى إيجاد حلول أخرى، كمنح أراض بديلة لتلك التي في (جليو خان وقزه فخرة) في مناطق أخرى خارج سهل نينوى. وأشار إلى أن هنالك 17 الف شبكي من سكان سهل نينوى يستحقون الحصول على أراض سكنية، لكنهم محرمون منها وهم أولى كونهم يمثلون شرائح مختلفة.
لكن عضو مجلس محافظة نينوى، محمد أهريس، ينفى أن يكون السماح لمواطنين باستغلال أراضيهم فعلاً يؤدي الى إحداث تغيير ديموغرافي، ودافع عن قرار مجلس المحافظة، قائلا ان موضوع أراضي جليو خان وقزه فخرة، طرح ولأكثر من مرة على رئيس الوزراء السابق محمد شياع السواني”.
وذكر بأن لجنة مختصة بهذا الملف شكلت في المجلس برئاسة عبد الله النجيفي، وأنها “رفعت توصيات ابرزها السماح للمواطنين باستغلال أراضيهم، ورئيس الوزراء تعهد وقتها بإنهاء مظلومية أصحاب الأراضي في المنطقتين، وباقي أراض الموصل التي تُعد ضمن حدود بلدية نينوى”.
وأكد سعي المجلس نحو الضغط على الجهات المعنية لتطبيق القرار المتخذ بالسماح للبناء “في اقرب وقت”، مؤكدا أن التوجه الحكومي الحالي “يسير نحو حسم الملف وإعطاء المواطنين حقوقهم المشروعة”.
محافظة سهل نينوى
النائب الممثل عن الشبك في البرلمان العراقي وعد القدو، وهو في ذات الوقت قيادي في اللواء 30 للحشد الشعبي الشبكي المسيطر على سهل نينوى، دعا بعد ساعات من قرار مجلس نينوى، باستحداث محافظة باسم سهل نينوى:”لحماية حقوق المكونات ومنع أي محاولات للتغيير الديموغرافي في المنطقة”.
جاء ذلك الموقف، في بيان أصدره رداً على قرار المجلس بالسماح للمواطنين بالبناء ضمن مناطق تابعة لسهل نينوى، متهماً المصوتين على القرار بمحاولة “المساس بالوجود التاريخي والنهج الجغرافي لسهل نينوى ومكوناته الأصيلة، وفي مقدمتها المكون الشبكي”.
عاداً إياه:”تجاوزاً خطيراً على الثوابت الوطنية، وتحدياً علنياً لأعلى سلطة قضائية في البلاد عبر مساعٍ بائسة للالتفاف على الدستور وقرارات المحكمة الاتحادية العليا التي جعلت حقوق الأقليات خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه” على حد ما جاء في البيان.
وأتهم قدو، المصوتين على القرار بانتهاج سياسات حزب البعث، قائلا ان “ما يتعرض له أبناء المكون الشبكي اليوم من تهميش يعيد إلى الأذهان سياسات الإقصاء والتهجير الممنهج ومصادرة الأراضي التي عانوا منها في زمن النظام البائد، ومما يؤسف له أن نرى اليوم داخل مجلس محافظة نينوى مواقف وتوجهات تتجاهل الاستحقاقات الحقيقية للأقليات، وتعيد إنتاج سياسات التهميش وغياب التمثيل العادل للمكونات الأصيلة”.
وبناءً على ذلك، أكد النائب الشبكي أن “الحاجة أصبحت ملحة لإستحداث محافظة سهل نينوى باعتبارها استحقاقاً دستورياً وإدارياً يضمن حماية المكونات ويمنع التغيير الديموغرافي، استناداً إلى المادة (125) من الدستور وقرار المحكمة الاتحادية العليا المرقم (65/اتحادية/2013)”.
مراقبون لاحظوا في بيان وعد القدو، عدم اشارته إلى المسيحيين، المنتشرين في قضاء الحمدانية وناحية برطلة وتلكيف، وغيرها من المناطق في سهل نينوى، حيث حرص ان تكون الدعوة شبكية لإنشاء محافظة سهل نينوى.
يقول الباحث عادل كمال، أن لذلك جانبين، الأول:”تعبير غير مباشر من النائب وقائد اللواء 30 للحشد، عن الهيمنة الشبكية الشيعية على السهل نينوى، مقابل اندراس الوجود المسيحي، بسبب النزوح والهجرة المستمرة وقلة معدلات الانجاب مقارنة بالشبك”.
أما الثاني:”معرفة مسبقة من القدو، بأن المسيحيين يرفضون تحويل سهل نينوى الى محافظة، لأن الغلبة فيها ستكون حتما للشبك، وفق النسب السكانية الحالية، وهو ما لا يرضي المسيحيين”.
ويرجع عادل كمال، السبب الى تراجع أعداد المسيحيين الذين كانوا يعيشون في بلداتهم التأريخية وأهمها قره قوش مركز قضاء الحمدانية، وناحية برطلة شرقي الموصل، وقضاء تلكيف شمال الموصل، لاسيما بعد سيطرة داعش على سهل نينوى في 2014 وهجرة أو نزوح أكثر من نصف السكان.
إذ أن غالبية النازحين فضلوا البقاء في مناطق النزوح، بينما كثيرون هاجروا الى خارج البلاد، ولم يعودوا بعد انتهاء عمليات التحرير، مقابل عودة الغالبية الساحقة من الشبك الى سهل نينوى حيث يتوزعون في أكثر من 75 قرية هناك.
وإزاء التفوق السكاني لصالح الشبك، يرى عادل كمال، أن المسيحيين لن يكونوا أصحاب قرار في المحافظة التي يطالب بها الشبك “لأن أي انتخابات تجري، ستكون للشبك حصة الأسد، كونهم يمثلون الآن أكثرية واضحة”.
ووفقاً لتقديرات غير رسمية، تتجاوز اعداد الشبك في سهل نينوى الـ250 الف نسمة، في حين أن اعداد المسيحيين باتت تتراوح بين 60 الى 70 الفاً فقط.
ويلفت عادل كمال أن ثمة سبب آخر يمنع جهات مسيحية عدة من التحالف مع وعد القدو في مطالبه أو حتى تأييده، يتمثل في ادراج وزارة الخزانة الأمريكية أسمه ضمن قائمة العقوبات “القائمة السوداء”، وذلك في تموز/يوليو سنة 2019.
ويقول بان القرار اتخذ وفقاً “لقانون ماغنتسكي” العالمي للمساءلة وحقوق الإنسان. وشملت العقوبات تجميد أي أصول له في الولايات المتحدة ومنع التعامل المالي معه:”لتورطه في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في منطقة سهل نينوى، وفرض اللواء 30 الذي يقوده رسوماً كمركية غير قانونية، وتورطه بعمليات ابتزاز واعتقالات غير قانونية وخطف، طالت السكان المحليين”.
ويؤكد كمال أن المطالبة بتحويل سهل نينوى الى محافظة ليست بجديدة، إذ سبق للمسيحيين انفسهم أن طالبوا بها بعد 2003 اثر استهدافهم من قبل الجماعات المسلحة كالقاعدة وانصار الإسلام “ثم تخلوا عن ذلك بعد ان تقلصت اعدادهم تدريجيا بمرور الأيام”.
ثم تجددت المطالبة من قبل جهات مسيحية مقربة من لواء “بابليون” التابع للحشد الشعبي، مع جهات أخرى تابعة للشبك في 2025، اثر تصويت مجلس النواب العراقي على استحداث محافظة حلبجة:”إلا ان توافقات كردية سنية شيعية، منعت تمرير أي مقترح بهذا الخصوص” يقول كمال.
قرار غير قابل للتنفيذ
إلى جانب توجه ممثلي الشبك نحو القضاء للطعن بقرار مجلس محافظة نينوى، يؤكد متابعون لملف الأقليات في نينوى، أن ثمة عوامل “قضائية ادارية” قد تمنع تطبيق قرار مجلس المحافظة، ليظل الحال كما هو بمنع المواطنين من استغلال أو التصرف بأراضيهم في جليو خان وقزه فخرة.
الحقوقي يونس محمد بشار، يقول بأن أصحاب الأراضي في المنطقتين تصل اعدادهم إلى 35 ألفاً، وغالبيتهم العظمى مواطنون من خارج سهل نينوى، لذا توقع أن تميل الكفة في حال التقاضي إلى “قرار المحكمة الاتحادية في 2013 وهو قطعي وبات، بمنع البناء بهدف منع التغيير السكاني”.
وشكك في قدرة مجلس محافظة نينوى على الضغط على الدوائر الحكومية المعنية من بلدية وتسجيل عقاري وتخطيط عمراني ومجاري وماء وكهرباء وطرق، لتنفيذ القرار وفق المهلة التي حددها وهي 30 يوماً:”إجراءات التقاضي قد تستغرق أشهراً والنتيجة في النهاية كما أراها الطعن بقرار المجلس”.
الكاتب سمير غازي مسعود، يتحدث عن توقيت اصدار مجلس المحافظة للقرار:”جاء في توقيت تنشغل فيه الحكومة العراقية بحملة مكافحة الفساد فضلاً عن الحديث عن قرب نزع سلاح الفصائل المسلحة وبحث مصير قوات الحشد الشعبي، وهو يمثل اختباراً للحكومة العراقية لمعرفة كيفية تعاملها مع واحدة من تلك القوى وهو اللواء 30 المسيطر على سهل نينوى”.
ويرى الكاتب سمير، أن قرار مجلس نينوى لا يتجاوز كونه مغازلة للشارع في الموصل لا غير، ولاسيما بعد خروج العديد من أصحاب الأراضي في جليوخان وقزه فخرة، قبل أيام من القرار في وقفة طالبوا فيها السماح لهم باستغلال او التصرف بأراضيهم.
ويقول:”أعضاء المجلس يعرفون جيداً بان المحكمة الاتحادية تعترض على هذا القرار، إضافة الى تحديات الواقع على الأرض، فقوات اللواء 30 تمسك الأرض فارضة سيطرتها، وتغيير معادلات القوة والنفوذ وفق فرضية نزع السلاح والحل والدمج مازال بعيدا”.
ويخلص الى القول:”حتى لو لم تكن تلك القوات مدعومة من الحكومة العراقية كما في السابق، فانها لا تريد اثارة مشاكل تتعلق بالمكونات حاليا، لذلك هي لن تسمح بتمرير القرار وسيظل حبرا على ورق” حسب تعبيره.
المزيد عن تقارير إخبارية
تقارير إخبارية","field":"name"}],"number":1,"meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":34734}" data-page="1" data-max-pages="1" data-start="1" data-end="1">






