

غانم خيري:
فوجئ سكان مدينة الموصل مركز محافظة نينوى (400 كم) شمال العاصمة العراقية بغداد، يوم الأربعاء، الأول من تموز/يوليو، بنصب صور كبيرة للمرشد الإيراني السابق علي خامنئي، في عدد من شوارع المدينة التي تسكنها أغلبية سنية، تزامناً مع مراسم تشييعه في ايران، ما أثار الاستغراب والجدل لدى سكان أكبر المدن السنية في البلاد.
خامنئي، الذي يعد المرشد الثاني في ايران، بعد قائد الثورة الاسلامية روح الله الخميني، قتل في 28 شباط/فبراير2026 اثر الموجة الأولى من ضربات صاروخية استهدفت بها إسرائيل طهران في مستهل ما بات يعرف بحرب الـ40 يوما والتي اشتركت فيها أيضا الولايات المتحدة الامريكية.
وانطلقت يوم الجمعة 3 تموز/يوليو 2026 مراسم تشييع جثمانه في العاصمة الإيرانية، والتي ستستمر لستة أيام، وتستضيف مدينتا كربلاء والنجف العراقيتان، المقدستان لدى الشيعة في العالم، نعشه يوم الثامن من تموز/يوليو لتشييعه رسمياً وشعبياً هناك.
ووفقاً لمصدر أمني في الموصل طلب عدم ذكر اسمه، فان كتائب “سيد الشهداء” المنضوية في الحشد الشعبي، هي من قامت برفع صور خامنئي في منطقة “النبي يونس” بالجانب الأيسر للموصل، فضلاً عن مناطق “الرشيدية والقبة والشريخان” شمالي المدينة.
وكانت كتائب سيد الشهداء، مع أربعة فصائل مسلحة أخرى، أبرزها حركة النجباء وكتائب حزب الله، قد أعلنت رفضها لتسليم سلاحها والانخراط المباشر ضمن المؤسسات الأمنية والعسكرية الحكومية، واصفةً “سلاح المقاومة” بالخط الأحمر، ردا على التحركات الحكومية لحصر السلاح بيد الدولة وحل جميع الفصائل وانهاء ظاهرة تحركها خارج قرار وارادة الدولة.
وأعلنت الحكومة العراقية، ان يوم 30 أيلول سبتمبر 2026، هو آخر موعد لتسليم السلاح، مؤكدة أن أي سلاح يبقى بعد هذا التاريخ سيعد “غير منتظم” في خطوة تثير غضب وقلق هذه الفصائل التي غالبا ما تتحرك وفق التوجهات الايرانية.
وأبدت أبرز الفصائل المسلحة التي تشكل جزءا من السلطة في البلاد، استعدادها للإلتزام بقرار رئيس الوزراء علي الزيدي بإنهاء ملف سلاحها، في ظل تزايد الضغوط الأمريكية.

سهل نينوى..واللواء 30
ورفعت صور خامنئي، الذي تسلم نجله مجتبى منصب المرشد الأعلى في ايران، في ناحية برطلة في سهل نينوى (20 كم شرق الموصل) المعروف كمنطقة انتشار مسيحي حيث توجد بلداتهم التأريخية، والذي يخضع لسيطرة لواء 30 المعروف بقوات “حشد الشبك” التابع لحركة بدر.
وذكر المصدر الأمني، بانها ليست المرة الأولى التي يتم فيها رفع صور شخصيات إيرانية في شوارع مدينة الموصل، وان ذلك يحدث دون موافقة مجلس المحافظة أو السلطات المحلية.
ويؤكد أن السنوات القليلة الماضية، وتحديداً بعد تحرير الموصل من سيطرة داعش صيف 2017، وفرض الحشد الشعبي سيطرته عليها، رفعت صور الأمين العام السابق لحزب الله اللبناني حسن نصر الله، الذي قتل بغارة إسرائيلية في بيروت في 27 ايلول2024، وقائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني الذي قتل في قصف جوي أمريكية في محيط مطار بغداد الدولي في 3 كانون الثاني 2020 وكان له دور بارز في دعم الحشد الشعبي في مواجهة داعش.
ويصف مراقبون ومهتمون بالشأن المحلي، رفع صور خامنئي في قلب مدينة الموصل، وعلى مقربة من أحد أهم المعالم السنية المتمثل بجامع النبي يونس، بأنه استفزاز للأهالي هناك.

صورة لخامنئي بالقرب من جامع النبي يونس
فيما يعدها البعض، رداً من قبل الحشد الشعبي على قرار كان قد أصدره مجلس محافظة نينوى في 30 حزيران/يونيو2026 يسمح لأكثر من ثلاثين الف مواطن، استغلال أراضيهم السكنية في سهل نينوى شرق الموصل، حيث تنتشر في بعض مناطقه أغلبية شيعية تنتمي لمكون الشبك، بعد نحو عقدين من المنع.
وشكل هؤلاء فصائل خاصة بهم، تسيطر منذ العام 2017 على القرار الأمني والاداري في المنطقة، وهي تنظر بقلق للتحركات الحكومية المتعلقة بدمجها مع القوات الرسمية وانهاء وجودها في بعض مناطق نينوى.
ولا يعرف الى الآن كيف ستتم عمليات “الحل والدمج” المعلنة من قبل الحكومة، ومصير لواء 30 بآلاف من مقاتليه، واذا كان ذلك سيؤثر بنحو جوهري على طبيعة القرار الأمني والاداري في سهل نينوى.
استفزاز للسكان
أسعد الحيالي (54 سنة) سائق سيارة أجرة من الموصل، عبر عن غضبه من وجود صور خامنئي في مدينته، يقول بأنه فقد والده سنة 1986، خلال الحرب العراقية الإيرانية التي جرت بين 1980 و1988:”كان حينها جنديا مكلفا في الجيش العراقي، قتل إلى جانب عشرات الآلاف من العراقيين في تلك الحرب، الكثير الكثير منهم من أبناء الموصل، وكانوا يؤمنون بأنهم يدافعون عن وطنهم بغض النظر عن رؤية النظام السياسي الحاكم في تلك الحقبة”.
ويشير الحيالي إلى أن حالة من الغضب تملكته عندما شاهد صورة خامنئي “في النهاية ذلك النظام قتل أبي”. ويتساءل:”لماذا يرفعون صوره هنا، هل هو رمز من رموز المدينة او رمز عراقي؟.. وجميعنا نعرف ان هناك حساسيات عقائدية، اثر ما جرى قبل وبعد حرب داعش”.
ويتابع:”من سمح لهم برفع صوره هنا؟”. قبل ان يستدرك:”لا مشكلة لدينا في رفع ما يريدونه من صور في المناطق الشيعية في سهل نينوى او جنوبي البلاد، لكننا نرفض ان يفعلوا ذلك في مناطقنا، انهم يستخفون بنا، وبالحكومة المحلية التي تلتزم الصمت”.
رفع صور خامنئي، تحول الى حديث الشارع، فالكثير من الأهالي وجدوا في إقامة نصب تذكارية ورفع صور قيادات إيرانية في شوارع الموصل، استهدافا طائفيا لهوية المدينة السنية، وذلك ما يعتقده خضر الجبوري (47 سنة) وهو بائع خضار في الجانب الايسر للموصل.
ويؤكد بأن غالبية الناس الذين قابلهم في السوق، يشتركون معه في الرأي، ويقول:”كما كنا رافضين وجود تنظيم داعش الإرهابي في مدينتنا، نرفض أي وجود إيراني، ليست لدينا مشكلة مع اخوتنا الشيعة، لكن لامكان للإيرانيين في مدينتنا”.
صورة خامنئي الموزعة في مناطق عديدة داخل مدينة الموصل، تظهر كذلك قاسم سليماني، ومكتوب عليها (مثلي لا يبايع مثله) وهي مقولة تنسب للامام حسين بن علي، حفيد الرسول محمد، قالها وفقا للمرويات الشيعية ردا على طلب حاكم المدينة بمبايعة يزيد بن معاوية، ومكتوب فيها كذلك (هيئة الحشد الشعبي، مديرية الاعلام العامة).
يشير خضر الجبوري الى أحدها، ويهز رأسه بأسف ويقول:”كما في وقت داعش، أي واحد يعترض، سيتعرض للأعتقال وربما يختفي الى الابد”.

تأكيد لهيمنة إيران ونفوذ فصائلها
الناشط المدني أنس أحمد، من مدينة الموصل، يقول بأن غالبية سكان الموصل “تستفزهم مشاهد الصور الخاصة بالقادة الإيرانيين والمحور الإيراني في الشوارع العراقية ولاسيما في الموصل التي تميزت ببعدها عن الخط الإيراني دينيا وسياسيا وثقافيا”.
ويلفت إلى أن الكثير من “الصور والعبارات الطائفية التي ينشرها مقاتلو الفصائل المسلحة الموالية لإيران والتي تصاعدت بعد العام 2017 ولغاية اليوم، تستهدف استفزاز سكان الموصل، لكن الغالبية يخشون إبداء رأيهم علنا بسبب نفوذ وسطوة تلك الفصائل في المدينة”.
ويؤكد بأن العديد من الصحافيين والناشطين والمواطنين، تعرضوا للاستهداف بسبب انتقادهم للنفوذ الإيراني وهيمنة الفصائل المسلحة على نينوى “قد تعتقل، أو توجه لك تهم كيدية، ويتم توقيفك لفترات طويلة”.
ويتابع:”إكراه الأهالي على رؤية هذه الصور، ونشرها بقوة السلاح ونفوذ السلطة لن يؤثر على أفكار وثقافة المجتمع، على العكس ستحمل تداعيات سلبية، ولو كانت هذه الأمور ذات جدوى، لنفعت الشعارات والصور والجداريات التي فرضها النظام السابق والرئيس العراقي الأسبق صدام حسين على العراقيين لأكثر من 30 عاما، وايضاً أفكار وشعارات تنظيم داعش الذي باد معها”.
وعبر عن اعتقاده، بأن “الالحاح” في توزيع صور خامنئي في مناطق عدة بالجانب الشرقي للموصل “جاء بسبب تصويت مجلس محافظة نينوى على السماح لمالكي الأراضي في قزة فخرة وجليوخان التي يسيطر عليها الحشد الشعبي شرق الموصل، ببنائها بعد ان حرموا من ذلك منذ 2003”.
وقال بأن وعد القدو، قائد اللواء 30، طالب بتحويل سهل نينوى إلى محافظة، فضلاً عن التهديد باللجوء الى القضاء، وإن:”رفع صور خامنئي بالقرب من جامع النبي يونس، هو تذكير بقوة الفصائل ونفوذها على المدينة، ومجلس المحافظة، في وقت تتحدث فيه الحكومة العراقية عن حلها ودمجها وانهاء تحركاتها المستقلة بعيدا عن الأجهزة الرسمية”.
وبخلاف الموقف العام في مدينة الموصل، فان مناطق أخرى في محافظة نينوى، مثل سهل نينوى حيث غالبية شبكية شيعية، يبسط فيه اللواء 30 للحشد الشعبي نفوذا وسلطة مطلقتين، فأن وجود صور خامئي وباقي الرموز الشيعية لما يعرف بـ(محور المقاومة) أمر معتاد.
وكان الباحث السياسي المستقل مؤيد الجحيشي قال في لقاء تلفزيوني بث على قناة الشرقية سنة 2019، بأن سهل نينوى أصبح مركزاً إيرانيا في محافظة نينوى، وأكد حينها:”سهل نينوى إيراني صرف، ولاية تابعة للجمهورية الإسلامية الإيرانية، وصور خامني واعلام ايران، موجودة هناك اكثر مما هي موجودة في قم وطهران”.

تأييد لرمز ديني
عباس زينل، (40 سنة)، من المكون الشبكي الشيعي، يسكن ناحية برطلة شرق الموصل، يؤكد أن رفع صور خامنئي “لا يحمل أي استفزاز لمشاعر أي مكون عراقي، بل هي مجرد رسالة تأكيد لرفض المشروع الأمريكي والإسرائيلي، وهو ما يتفق عليه كل العراقيين”.
وهو يرى بأنه يمثل “رد جميل للجمهورية الإٍسلامية على ما أنجزته في حرب إسرائيل وأمريكا من جهة، وعلى ما قدمه الإيرانيون للعراق من دعم خلال فترة الحرب على تنظيم داعش”.
ويضيف، إن “رفع صور الشهداء واجب أخلاقي وديني، لأن المرشد الإيراني أفنى حياته ليس في حماية المذهب الشيعي فحسب، بل في التصدي للمشروع التوسعي الاسرائيلي”، حسب تعبيره، مشيرا إلى أن غالبية سكان سهل نينوى لا يبدون أي انزعاج من وجود صور “قادة المقاومة” أو “القادة الشهداء” لأنهم ضحوا بدمائهم في سبيل الحق.
في حين يعتقد (ق،ي – 45 سنة) من شمالي مدينة الموصل، على مشارف سهل نينوى حيث قرى الشبك الشيعة، أن التعبير عن الاعتقاد الديني، أمر مكفول بالدستور العراقي:”لهذا، لابأس أن يقيم اخوتنا الشيعة في سهل نينوى مناسباتهم التي نشاركهم فيها أحيانا، ونتقبل غلقهم الطرق العامة أحيانا لأيام من اجل تنظيم شعائريهم، لكننا نعتقد ان رفع صور خامنئي وغيره من الإيرانيين وحتى غير الايرانيين في مدينتنا، أمر غير صحيح، فهي تحمل رسائل وصاية وتبعية مرفوضة”.
من الناحية الإدارية والقانونية، يؤكد مصدر مسؤول في بلدية الموصل أن رفع صور المرشد الإيراني وقادة الفصائل المسلحة لا يتم وفقا للضوابط الإدارية والقانونية المعمول بها والتي تتبعها دوائر البلدية في فرض مبالغ مالية على مستخدمي الشوارع العامة في نشر الإعلانات والصور.
وقال المصدر الذي طلب عدم ذكر اسمه: أن “الصور الخاصة بالشخصيات السياسية وكذلك الإعلانات تقدم كخدمة مقابل أجور مالية تقدم للدوائر البلدية، لكن هذا الكلام لا ينطبق مع تلك الفصائل”. ويوضح أنها لا تقدم طلبات أذن لدوائر البلدية لرفع تلك الصور على الطرق والتقاطعات والجسور، فكل شيء يحصل في الغالب دون علمها.
بغداد لا تستطيع التدخل
عضو في مجلس نينوى، طلب هو الآخر عدم الإشارة الى اسمه، عبر عن رفضه والعديد من زملائه في المجلس لنشر صور خامنئي وغيره من الشخصيات غير العراقية، فضلاً عن صور القادة العسكريين، في شوارع المحافظة ولاسيما مدينة الموصل ومداخلها، وأشار إلى أن ذلك يمثل شكلا من أشكال عسكرة المجتمع واستفزازه.
ويؤكد بأن “مجلس نينوى عاجز عن وقف الممارسات التي تفرضها الجهات المسلحة في المحافظة، لأنها تمتلك السلاح من جهة، وتمتلك التمثيل والأغلبية سواء في مجلس محافظة نينوى أو في العاصمة بغداد”.
ويشير إلى أن “الفترة السابقة شهدت مطالبات من قبل أحد المحافظين لرئيس الوزراء بوصفه القائد العام للقوات المسلحة بخصوص موضوع اللافتات التي تكتب عليها عبارات دينية وطائفية، وكذلك بخصوص صور القيادات العسكرية الإيرانية أو قيادات الفصائل، لكن رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني كان رده أنه لا يستطيع منعهم من هذا الأمر”.
وعادة ما تنتشر صور بعض قادة الفصائل المسلحة، الى جانب صور من يُعرفون بـ”قادة النصر” على داعش، في مداخل المدن وقرب السيطرات الأمنية.
وفي العام 2019، طالب النائب عن محافظة نينوى أحمد الجبوري، الحكومة العراقية بمنع رفع صور القادة الإيرانيين في مدينة الموصل وبقية المحافظات حفاظا على سيادة العراق، لكن ذلك الطلب لم يلق أي استجابة.
ولا تقتصر الصور المرفوعة في الموصل على المرشد الإيراني السابق علي خامنئي أو قائد فيلق القدس السابق قاسم سليماني، وإنما تشمل قادة الفصائل المسلحة كزعيم حركة النجباء أكرم الكعبي، وسيد الشهداء أبو آلاء الولائي، وحركة عصائب أهل الحق قيس الخزعلي، وحركة بدر هادي العامري، وحركة بابليون ريان الكلداني، وحشد الشبك وعد القدو، وغيرهم من قادة الفصائل المسلحة البارزة في نينوى والعراق.
وكما فعل العديد ممن تواصل معهم معد التقرير، فأن متخصصا بالقانون، طلب وبالحاح عدم ايراد اسمه خوفا من الاستهداف، يقول بان “العراق بلد فاقد للسيادة”، وأن رفع صور شخصيات تمثل دول أجنبية في العديد من شوارع المدن، وفرضها كواقع حال في الموصل أو سواها من مناطقل البلاد “مخالف للقانون، ومعيب للسيادة”.
ثم قال بشيء من السخرية:”سبق وان أصدرت محكمة عراقية حكما غيابيا بالسجن لما يزيد عن خمس سنوات ضد محافظ نينوى الأسبق اثيل النجيفي، بتهمة التخابر مع جهة أجنبية والمقصود كانت تركيا وتسهيل دخول قواتها الى البلاد”.
ثم استدرك:”ولكن لا أحد يحرك ساكنا، بحق من يشجع على نشر صور لقادة دولة اجنبية أخرى في شوارعنا، ومن يدافع عن سياسات تلك الدولة وأحيانا يمنح قادتها حرية التحرك”.
المزيد عن تقارير إخبارية
تقارير إخبارية","field":"name"}],"number":1,"meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":34697}" data-page="1" data-max-pages="1" data-start="1" data-end="1">






