يختصر باحثون ونشطاء، المشهد السياسي الكردي بأنه أقرب الى القبول بواقع “الموت السريري” للحكومة المشتركة والبرلمان الموحد، واستغلال ذلك خدمة لمصالح حزبية، طالما ان ذلك لن يهدد بفناء الكيان الدستوري لكردستان ويبقي مساحة للحكم الذاتي واتخاذ القرارات المحلية، وطالما ان الحكومة الاتحادية في بغداد -التي تعاني بدورها من أزمات- غير قادرة على فرض ارادتها الكلية بما يقلب صورة الحكم في كردستان.
أزمة تشكيل الحكومة العاشرة في كردستان، وتفعيل البرلمان السادس، تعقدت في الشهرين الأخيرين عقب تحالف “الاتحاد الوطني الكردستاني” بزعامة بافل طالباني، مع حركة “الجيل الجديد” بزعامة شاسوار عبدالواحد، ليملك الحزبان مجتمعين (38 مقعدا) في البرلمان الكردستاني المؤلف من 100 مقعد.
ذلك الرقم منحهما قوة تفاوضية في مواجهة الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني (39 مقعدا)، لكن تلك القوة تحولت الى عامل تعطيل بدل ان تتحول الى عامل محلحل للأزمة. وذلك بعد مطالبة المتحالفين بمنحهم نصف المناصب القيادية التي ظل يسيطر الديمقراطي الكردستاني طوال نحو عقد ونصف، على غالبيتها، وهي رئاسة الاقليم، رئاسة الحكومة، رئاسة البرلمان، رئاسة مجلس أمن كردستان، ورئاسة الجهاز القضائي، الى جانب وزارة الداخلية.
التدمير الممنهج للمؤسسات والمعارضة والصحافة
وتبدو الحلول غائبة تماما، بحسب سياسيين وباحثين، بعد تفكيك أدوات الحراك السياسي والاجتماعي، بدءا بتغييب أحزاب وقوى المعارضة الكردية المؤثرة عن المشهد، اثر عقدين من سياسات اضعاف المعارضة ووضعها في خانة الأعداء وليس المنافسين الشركاء. مع تحجيم صوت المثقفين والأكاديميين، الذين تم تجنيدهم من قبل الحزبين الحاكمين من خلال سياسات التوظيف والاغراء المالي لكسب الولاء.
الى جانب تدمير الاعلام الحر المستقل، وازاحته من المنافسة وتعطيل اي قدرة له على نقل الحقائق وتنبيه وتثقيف الجمهور الكردي وخلق مساحة من “المساءلة”، بعد ضخ عشرات ملايين الدولارات على الأعلام الحزبي الرسمي واعلام الظل الذي يقوده ويموله شخصيات حزبية، حيث يملك الحزبان عشرات المنصات الاعلامية المحلية والمسموعة والمرئية والرقمية، الى جانب سلسلة طويلة من القنوات الفضائية، التي حولت المادة الاعلامية الى مادة اعلانية دعائية بلا سلطة حقيقية على التغيير.
تراجع الاهتمام الدولي
الى جانب العوامل المحلية، تراكمت عوامل خارجية، أدت الى تراجع الاهتمام الدولي باقليم كردستان، حيث كانت أمريكا ودول اوربية تتوسط سابقا للتوصل الى تفاهمات بين الزعماء الكرد، تضمن استمرار الشراكة في الحكم بين الحزبين الكبيرين ومع شبه ادارة حكومية موحدة. لكن مكانة الاقليم التي تزحزحت “كواحة للديمقراطية والحريات والأمن”، وتراكم أزماته السياسية والاقتصادية دون حلول، لم يعد يغري القوى الغربية بالتوسط، خاصة مع التحولات العالمية الأخيرة وانكفاء الدول على ازماتها.
في حين تفضل الجارتان الاقليميتان، تركيا وايران، بقاء الانقسام الكردي حاضرا، فهو أفضل لهما لتمرير ما تريدانه من سياسات أمنية واقتصادية في كردستان. فاقليم ضعيف منقسم أفضل لهما من اقليم موحد قوي.
ومع تعطيل كل أدوات التغيير والتأثير الداخلية والخارجية، طوال عقدين من الزمن، يستمر الاقليم في الدوران بحلقة تشكيل الحكومة واعادة احياء البرلمان، بدون أدوات للحل ولا مخارج طوارئ تنقذ مواطني كردستان من أزماتهم اليومية، كما تنقذ سفينة الاقليم الفيدرالي من احتمالات الغرق، وسط التحولات الاقليمية الكبيرة في المنطقة.
وفي ظل مبادرة “بلا أثر” الى الآن، يقودها الاتحاد الاسلامي الكردستاني، لتقريب مواقف الحزبين الحاكمين المتشبثين بمصالحهما الحزبية وتعزيز ادارتهما المحلية وان جاء على حساب وحدة كيان الاقليم، يقدم سياسيون من قوى مختلفة، رؤيتهم بشأن الوقائع والحلول مع احساسهم بتزايد المخاطر.
أدناه مقال للسياسي، جعفر ايمينكي، وهو عضو بارز في الحزب الديمقراطي، يقدم فيه ثلاث تجارب دولية “لأنظمة حكم” فشلت في تشكيل حكوماتها على فترات، موضحاً تداعيات ذلك، ويعرض للمنحدر الذي وصل اليه الاقليم، ويرسم مسارات الحلول الممكنة.
برلمان إقليم كوردستان بين الحل والتعطيل
حين يتحوّل الانتظار الدستوري إلى أزمة وجودية
مرّ نحو عام وثمانية أشهر على انتخابات الدورة السادسة لبرلمان إقليم كوردستان، ولا يزال تشكيل الكابينة العاشرة بعيد المنال. الحزب الديمقراطي الكوردستاني، الفائز الأول بـ٣٩ مقعداً، والاتحاد الوطني الكوردستاني، الفائز الثاني بـ٢٣ مقعداً، يتفاوضان منذ أكثر من عام دون التوصل إلى تفاهم . والمستجدّ الذي يستحق التوقف عنده هو إنضمام الكتلة البرلمانية لحركة الجيل الجديد، التي تملك ١٥مقعداً، إلى تحالف سياسي مع الاتحاد الوطني، بعد أشهر مرّ فيها رئيس الحركة بمسار قانوني متعددالقضايا شكّك خصومه ومؤيدوه على السواء في توقيته و أبعاده السياسية. بهذا التحالف، يبدو أن موازين التفاوض قد تغيّرت بصورة قد تدفع الأزمة إلى نقطةاللاعودة.
السؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط “متى تشكل الحكومة ؟”، بل سؤال أعمق: هل تجربة كوردستان الديمقراطية ، التي صمدت أكثر من ثلاثة عقود وسط أسوء بيئة إقليمية ممكنة، قد بدأت تُستهلك من الداخل؟ وهل هناك تجارب عالمية يمكن أن تضيء الطريق إلى مخرج؟
من المهم أن نقول بوضوح: تعطّل تشكيل الحكومة لفترة طويلة بعد انتخابات تعددية ليس ظاهرة كوردستانية خاصة، بل سمة متكررة في الأنظمة التوافقية(Consociational Systems) التي تقوم على تقاسم السلطة بين مكوّنات أو أحزاب رئيسية متقاربة في الثقل السياسي .
ثلاث تجارب تستحق التأمل:
1- بلجيكا: الأزمة التي لم تقتل الدولة: بين عامي ٢٠١٠و٢٠١١، بقيت بلجيكا بلا حكومة فعلية لمدة ٥٤١يوماً، وهو رقم عالمي قياسي حين سُجِّل. وفي ٢٠١٩-٢٠٢٠، تكرّر سيناريو مشابه ودام نحو ١٦شهراً. والمفارقة أن بلجيكا، الدولة ذات الانقسام اللغوي الحاد بين الفلمنكيين والفرانكوفونيين، لم تنهار ، بل استمرت الإدارات المحلية والمناطقية في العمل بفعل اللامركزية الفيدرالية العميقة، بينماتفاوضت النخب السياسية حتى توصّلت لتفاهم. الدرس هنا: المؤسسات اللامركزية القوية يمكن أن”تُسعف” الدولة أثناء انعدام الحكومة المركزية، و تمنح النخب وقتاً للتفاوض دون أن ينفجر الوضع.
2- لبنان: حين يتحوّل التوافق إلى شلل دائم: على النقيض ، يقدّم لبنان النموذج الأكثر تحذيراً. فراغ سياسي دام نحو عامين ونصف (٢٠١٤-٢٠١٦)، وتكرّربين ٢٠٢٢ و٢٠٢٥، وحكومات تصريف أعمال تستمرلأشهر أو سنوات. الفارق الجوهري عن بلجيكا هو أنالنظام اللبناني، القائم على المحاصصة الطائفية الدقيقة، تحوّل مع الوقت من آلية لتقاسم السلطة الى أداة لتعطيلها المتبادل؛ فأصبح كل طرف يستخدم حقالنقض الفعلي (Veto Power) لإبقاء الوضع القائم بدلا من البحث عن تفاهم، لأن الجمود أصبح في حدذاته مفيداً لبعض الفاعلين.
3- أيرلندا الشمالية: تعليق الحكم الذاتي كخيار أخير: برلمان “ستورمنت” عُلِّق فعلياً لأكثر من ثلاث سنوات(٢٠١٧-٢٠٢٠) بسبب خلاف بين الحزب الديمقراطيالوحدوي وحزب شين فين، وتكرّر التعليق بين ٢٠٢٢و٢٠٢٤. الدرس هنا مختلف: حين يصل التوافقالمحلي إلى طريق مسدود تماماً، توجد آلية احتياطية (الإدارة المباشرة من لندن) تمنع الفراغ الكامل، و هي ميزة لا تتوفر لإقليم كوردستان الذي لا “سلطة أعلى” قادرة أو راغبة في فرض حل مؤقت دون أن يُعَدّ ذلك تدخلا في الفيدرالية أو انتقاصاً من مكتسبات الإقليم.
كوردستان أقرب اليوم إلى مفرق طرق بين مسار بلجيكي (أزمة طويلة لكنها قابلة للحل لأن المؤسسات اللامركزية تحمي الدولة من الانهيار) ومسار لبناني (تحوّل الجمود من عارض مؤقت إلى بنية دائمة تستفيد منها أطراف بعينها).
إن “الإرهاق الديمقراطي ” (Democratic Fatigue) و الذي يعاني منه أقليم كوردستان حاليا ، هي حالة تراجع ثقة الجمهور والنخب بقدرة العملية الديمقراطية على حل الخلافات ، فتتحول الانتخابات من أداة لتجديد الشرعية إلى مجرد محطة شكلية لا تُغيّر موازين القوى الفعلية على الأرض.
وهناك مفهوم آخر أكثر دقة طرحه ليفيتسكي وزيبلات في كتابهما “كيف تموت الديمقراطيات”، وهو أن الديمقراطيات الحديثة لا تموت غالباً بانقلاب عسكري مفاجىء ، بل تموت تدريجياً من الداخل حين تتآكل قاعدتان غير مكتوبتين: “التسامح المتبادل” (Mutual Toleration) بين الخصوم السياسيين كشركاء شرعيين لا أعداء وجوديين، و”ضبط النفس المؤسسي” (Institutional Forbearance) أي عدم استخدام كل صلاحية قانونيةمتاحة حتى آخر مدى ممكن لمجرد أنها متاحة قانونياً.
بهذا المعيار، ما يجري في كوردستان اليوم يحمل أعراضاً من النوعين معاً، لكنه لم يصل بعد إلى نقطة “الموت” بالمعنى الذي يصفه ليفيتسكي وزيبلات، للأسباب الآتية:
أولا : العملية الانتخابية نفسها لم تُطعن فيها بصورة جوهرية من الأطراف الرئيسية، وهذا فارق جوهري عن حالات التراجع الديمقراطي الحقيقي حيث يُرفض صندوق الانتخاب نفسه.
ثانيا : الخلاف لا يزال خلافاً على التموضع داخل اللعبة لاعلى شرعية اللعبة ذاتها ؛ أي أنه تنافس على حصة كل حزب من السلطة، وليس مشروعاً لإلغاء الطرف الآخر من المعادلة السياسية بالكامل.
لكن استخدام الأدوات القانونية والأمنية في سياق سياسي ؛يقترب من نمط “ضبط النفس المؤسسي” المتراجع الذي حذّر منه ليفيتسكي وزيبلات: حين تتقاطع ملاحقة قضائية مع توقيت سياسي حسّاس، يصعب على المراقب السياسي الفصل بين الإجراء القانوني المستقل والرسالةالسياسية المقصودة، وهذا الغموض بذاته يضرّ بثقة الجمهور في حياد المؤسسات، بصرف النظر عن صحة كل قضية على حدة.
في ضوء التجارب المقارنة، يمكن حصر الخيارات الواقعية المطروحة أمام الفرقاء السياسيين في أقليم كوردستان ؛ في عدة مسارات، لكل منها كلفته وفائدته:
١. التوافق الثنائي التقليدي (نموذج ١٩٩٢-٢٠١٧): العودة إلى صيغة المحاصصة الثنائية الصرفة بين الحزبين الرئيسيين بصرف النظر عن نتائج صندوق الإنتخابات ، وهو المسار الذي يطالب به الاتحاد الوطني ضمنيا عبر التحالف الجديد مع الجيل الجديد لتعويض الفارق العددي. كلفته: إفراغ الانتخابات التنافسية من مضمونها الفعلي، وهذا بالضبط ما يُنتج “الإرهاق الديمقراطي” على المدى البعيد.
٢. حكومة أغلبية صريحة يقودها الفائز الأول: إلتزام صارم بمنطق “من يفوز يحكم” كما يطرحه الحزب الديمقراطي الكوردستاني ، مع منح الشريك الأصغر دوراً تنفيذياً حقيقياً في الحكومة. كلفته المحتملة: شعور الاتحادالوطني بالتهميش الكامل قد يدفعه لمزيد من التموضع كقوة معارضة دائمة، وهو سيناريو خطير في نظام لايملك تقليداً راسخاً لمعارضة برلمانية بنّاءة بعد.
٣. حكومة تكنوقراط محدودة المدة: تشكيل حكومة كفاءات غير حزبية بصلاحيات محدودة وأجل زمني واضح (سنةمثلاً)، مهمتها الوحيدة إدارة الملفات الخدمية والماليةالعاجلة (الرواتب، النفط، الموازنة) بينما يستمر التفاوض السياسي على الحكومة الدائمة بمعزل عن ضغط الإدارة اليومية. هذا الخيار يخفّف “كلفة الانتظار” على المواطن دون أن يحسم الصراع السياسي، وله سوابق في عدة دول عربية وأوروبية أثناء أزمات تشكيل الحكومة.
٤. وسيط داخلي مستقل (نموذج “المُعلِم” الهولندي): في النموذج الهولندي ، يُعيَّن “مُعلِم” (Informateur) شخصية محايدة تتولى استكشاف الأرضية المشتركة بين الأطراف قيل تكليف “مُشكِّل” فعلي بتشكيل الحكومة. تبني أقليم كوردستان لصيغة شبيهة ؛ عبر شخصية أو هيئة مستقلة عن الحزبين تتمتع بثقة الجميع (قد تكون من القضاء أوالأكاديميين أو الشخصيات الوطنية التاريخية)، يمكن أن يفصل بين “إدارة المفاوضات” و”الفوز فيها”، ويقلل من احتدام المواجهة المباشرة بين الزعامتين.
ثلاثة عقود من التجربة الديمقراطية التوافقية في كوردستان ؛ وسط بيئة إقليمية هي الأقسى في العالم ،ليست رصيداً يُستهلَك بسهولة، ولا ينبغي التفريط فيها بسهولة أكبر. الأزمة الراهنة خطيرة، لكنها أقرب إلى لحظة بلجيكية (أزمة طويلة قابلة للحل بفضل متانة البنيةالمؤسسية) منها إلى لحظة لبنانية (جمود بنيوي يخدم بقاء أطرافاً معينة) ،بشرط واحد: أن يتعامل الطرفان الرئيسيان مع التحالفات الجديدة كأدوات تفاوضية مؤقتة، لا كبدائل دائمة عن التفاوض المباشر بينهما ، الذي يظل تاريخيا ،الضامن الحقيقي لاستقرار الإقليم و موقعه التفاوضي أمام بغداد والعالم.