آراء, تحليل: مذكرة استشارية.. كيف يمكن ان يكون لقاء رئيس الوزراء العراقي في واشنطن ناجحاً ؟

مذكرة استشارية.. كيف يمكن ان يكون لقاء رئيس الوزراء العراقي في واشنطن ناجحاً ؟

ليس المطلوب من علي الزيدي اقناع دونالد ترامب وفريقه بأن العراق يحتاج الى الولايات المتحدة، وانما اقناعه بأن نجاح الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الاوسط يحتاج الى "عراق قوي ومستقر"، وذلك يتطلب امتلاك خطة اصلاحية واضحة وحازمة، تتضمن حماية المستثمرين وتعزيز سيادة القانون ومكافحة السلاح المنفلت والحد من الفساد.

* د. علي أغوان

الى السيد رئيس مجلس الوزراء المحترم .

الى الطاقم الاستشاري المعني بالشؤون السياسية الخارجية المحترم .

قبل لقائكم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منتصف شهر تموز يوليو المقبل !

أرى ان الانطلاق من “الفرضية” الآتية قد ينجح في تحسين موقع العراق الاستراتيجي، الفرضية تتركز على ان المطلوب من رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، ليس اقناع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وفريقه، بان العراق يحتاج الى الولايات المتحدة، وانما اقناعه بأن نجاح الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط أصبح يحتاج الى عراق قوي ومستقر. لهذا اقترح الآتي :

1- أعيدوا تعريف نقطة الانطلاق في التفاوض: تكمن المشكلة العراقية المزمنة في الطريقة التي اعتاد العراق ان يقدم بها نفسه للولايات المتحدة منذ عام 2003 ، فقد ذهبت الحكومات العراقية المتعاقبة الى الولايات المتحدة وهي تنظر إلى العلاقة من زاوية ما يمكن ان تحصل عليه من الولايات المتحدة، بينما تنطلق السياسة الخارجية الامريكية من سؤال مختلف تماما يقول: ما القيمة الاستراتيجية التي سيضيفها العراق للمصالح الأمريكية في المنطقة؟ لذلك، فان نجاح الزيارة المقبلة يتوقف على قدرة الحكومة العراقية للانتقال من فكرة طلب الدعم الى منطق عرض شراكة استراتيجية تجعل الولايات المتحدة تنظر الى استقرار العراق كمصلحة استراتيجية قصوى لها ! فهل تستطيعون اقناعهم بذلك ؟!

2- افهموا طريقة تفكير ترامب قبل الدخول الى قاعة التفاوض: عليكم ان تعلموا جيدا ان ترامب لا يقيس نجاح السياسة الخارجية الامريكية بعدد الاتفاقيات أو التحالفات التقليدية، وإنما بحجم المكاسب التي تحققها الولايات المتحدة وبمدى تقليل كلفة انخراطها الخارجي مقابل زيادة ارباحها، لذلك فإن اولوياته ستتركز حول الطاقة وتأمين سلاسل الامداد ومنع توسع الصين واحتواء ايران ونقل جزء اكبر من اعباء الاستقرار الى الحلفاء الإقليميين، حيث ان اي تفاوض لا ينطلق من هذه الاولويات وفهمها سيكون محدود النتائج مهما كانت المطالب العراقية مشروعة !!

3- ادخلوا الاجتماع وانتم تعرفون ماذا سيطلب ترامب منكم وكونوا مستعدين لكل شيء! من المرجح ان تتركز المطالب الامريكية حول ضمان أمن الشركات والاستثمارات الأمريكية وتوسيع التعاون في قطاع الطاقة والحد من النفوذ الإيراني ومنع توسع الحضور الصيني داخل القطاعات الاستراتيجية وتعزيز الاستقرار الإقليمي، لذلك، ينبغي اعداد موقف تفاوضي واضح لكل ملف مع تحديد ما يمكن القبول به وما ينبغي رفضه او تأجيله حتى لا يتحول الحوار الى ردود افعال ارتجالية غير محسوبة .

4- لا تعرضوا النفط فقط !! أعرضوا القيمة الجيوسياسية التي يمتلكها العراق في المنطقة وطريقة تفعيلها واربطوها بالمصالح الشاملة للطرفين: حيث ان القيمة الحقيقية للعراق ليست في موارده الطبيعية وحدها وانما في موقعه الذي يربط الخليج بتركيا واوروبا وقدرته على ان يكون ممراً للطاقة والتجارة ومحورا لمشاريع الربط الاقليمي وعنصراً مؤثراً في امن المشرق العربي لاسيما حيال سوريا ولبنان ، وكلما نجح العراق في تقديم نفسه بهذه الصيغة، كلما ازدادت قيمته داخل الحسابات الأمريكية وتراجعت النظرة التي تحصره في النفط والصراع الأمريكي مع ايران .

5- لا تطلبوا استثمارات امريكية عملاقة قبل تقديم ضمانات عراقية حقيقية لانها ستفشل حتماً: الشركات الامريكية تعرف وضع العراق جيداً وهي لا تستثمر بدافع العلاقات السياسية او العلاقات الشخصية بين الرؤساء وانما عندما تتوافر بيئة قانونية وامنية مستقرة، لذلك فان طلب الاستثمارات العملاقة والشراكة المتبادلة لايجب ان يقدم بدون تقديم خطة الاصلاح الداخلي العراقي المتعلقة بحماية المستثمر وتعزيز سيادة القانون ومكافحة السلاح المنفلت والحد من الفساد ، لهذا لا تتسرعوا بالذهاب نحو طلب الشراكة ما لم تمتلكوا ارادةً حقيقية وجدولاً زمنياً واضحاً لاجراء الاصلاحات التي ستجعل من الشركات الامريكية تندفع للعمل في العراق .

6- انتقلوا بالعلاقة من ادارة الأزمات الى بناء المصالح: ظلت العلاقات العراقية – الامريكية طوال العقدين الماضيين اسيرة ملفات الإرهاب والوجود العسكري والازمات الأمنية والقواعد الامريكية والدولية وطبيعة تواجدها وعملها، أما المرحلة المقبلة فينبغي ان تقوم على الاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة والذكاء الاصطناعي والصناعات الدفاعية والبنية التحتية والتعليم، لان العلاقات التي تقوم على المصالح الاقتصادية والمؤسساتية تكون اكثر استقرارا من العلاقات التي تنشأ بسبب الازمات، وكل ذلك لايمكن له ان يتحقق بدون تحقيق الشروط في النقطة رقم 5 .

7- غيروا الصورة التي يحملها العقل الأمريكي عن العراق: التحدي الأكبر أمامكم يتمثل في تغيير الطريقة التي تنظر بها الولايات المتحدة للعراق، فما تزال مؤسسات صنع القرار الامريكية تتعامل مع العراق كساحة لادارة التنافس مع ايران او كمصدر مهم من مصادر الطاقة التي يجب السيطرة عليها، بينما المطلوب هو اقناع الولايات المتحدة بان نجاح استراتيجيتها في الشرق الأوسط اصبح مرتبطاً بوجود عراق قوي ومستقر وقادر على انتاج الاستقرار الاقليمي .

8- تفاوضوا من موقع القوة وليس من موقع الحاجة: يمتلك العراق اوراقا استراتيجية لا تقل اهمية عن كثير من حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة تتمثل في موقعه الجغرافي وموارده الطاقوية ومشروع طريق التنمية وسوقه الكبيرة ودوره في أمن الخليج والمشرق العربي، هذه الاوراق ينبغي ان تتحول الى ادوات تفاوض حقيقية بخطة محكمة ومن غير الصحيح ان تبقى مزايا غير مستثمرة وموظفة في الحوار مع ترامب.

9- حددوا الخطوط التي لا ينبغي تجاوزها مسبقاً: نجاح التفاوض يقاس بأمرين، الأول الحصول على ما يريده العراق، والثاني بتصميم طريقة هروب من المطالب الامريكية الثقيلة والصادمة مثل الانضمام للاتفاقيات الابراهيمية! حيث يمكن ان يصدم ترامب السيد الزيدي ويسأله سؤال مباشر أمام الجميع عن التطبيع، ببساطة يجب ان يكون الجواب هو اننا دولة برلمانية، وأنا لا املك هذا القرار لوحدي والبرلمان سبق وان نظم طبيعة التعاطي مع اسرائيل بتشريع عام 2021 وهو تشريع ساري المفعول حتى الان، لهذا يجب العودة للبرلمان لمناقشة ذلك. الاجابة يجب ان تكون عامة وبدون توضيح، وقانون 2021 بشأن اسرائيل واضح ولايحتاج لشرح.

10- اجعلوا نجاح الزيارة يقاس بما بعدها لا بما يعلن خلالها: حيث ان المعيار الحقيقي لنجاح اللقاء لاينبغي ان يكون عدد الاتفاقيات او البيانات المشتركة وانما ما اذا كان سينتج مسارا مؤسسيا طويل الأمد يشمل آليات متابعة ومجالس مشتركة وخططاً تنفيذية وشراكات اقتصادية واستثمارية مستدامة، فالزيارات السياسية تنتهي خلال ساعات، اما الاستراتيجيات فتبقى لعقود! اذا اراد الزيدي النجاح، عليه مأسسة الزيارة ومخرجاتها .

الخلاصة:

– بدون ان يحصل الزيدي على ضوء اخضر عراقي داخلي لاعادة رسم العلاقات العراقية – الأمريكية بصورة بعيدة عن الضغوط وما تريده بعض الاحزاب وتطرحه من افكار عشوائية، لايمكن لهذه الزيارة ان تنجح، بمعنى آخر وواضح، على الزيدي ان يذهب الى كل القوى السياسية قبل الزيارة ويحصل على تفويض مكتوب وواضح بعدم عرقلة مسار هذه الزيارة ومخرجاتها وان يطلب منهم ان يثقوا به ولا يفرملوا عربته التي يحب ان تأخذ طريقها على سكة المنطقة الاقليمية التي يعاد تشكيلها.

– كما وان التحدي الحقيقي أمام الحكومة العراقية يتمثل في اقناع ترامب بأن المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط أصبحت تحتاج إلى عراق قوي ومستقر اكثر مما تحتاج الى عراق يبقى عالق كساحة لادارة الازمات او احتواء إيران والحصول منه على النفط فقط .

– فإذا نجح الزيدي في احداث هذا التحول داخل العقل الاستراتيجي الأمريكي، فان زيارة البيت الابيض قد تتحول من لقاء بروتوكولي معرض للفشل الى نقطة انطلاق لاعادة صياغة العلاقات العراقية – الأمريكية على أسس اكثر توازناً واستدامة للطرفين.

*استاذ جامعي، وباحث حاصل على الدكتوراه في العلاقات الدولية والشؤون الاستراتيجية

المزيد عن آراء

آراء

آراء, تحليل","field":"name"}],"number":1,"meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":34592}" data-page="1" data-max-pages="2" data-start="1" data-end="1">