مازن صاحب
أخطأت الكثير من التحليلات عن حصر سلاح الفصائل الحزبية المسلحة بكونه قراراً عراقياً بحتاً. ومصدر الخطأ أن أغلب من طرحوا هذه التحليلات غادروا فهم الرابط العقائدي بين الأحزاب السياسية المرتبطة بحاكمية الإسلام السياسي بمفهومي البيعة والتقليد لولاية الفقيه الإيرانية والإخوان المسلمين، وبين طبيعة السلطة الهجينة التي تشكلت في عراق ما بعد عام 2003.
لذلك لا بد من الانتباه إلى “المقارنة والمقاربة” بين المفاوضات الأمريكية الجديدة مع إيران “الثورة والدولة”، ولكل منهما حساباته ومناوراته الإقليمية والدولية، وبين تداعيات أي قرار عراقي نهائي بحصر السلاح بيد الدولة.
ونقصد بـ”الدولة الهجينة” هنا، تلك التي انطلقت من أجندات “البيعة والتقليد والولاء والبراء”، من دون ترسيخ كامل لمفهوم السيادة الوطنية وفق منظور ميثاق الأمم المتحدة. وقد تجسد ذلك في تفسيرات سياسية وتشريعية تستند إلى رؤى دينية تعتبر أن شرعية الدولة ينبغي أن تخضع لمفاهيم الحاكمية الدينية بمفهومي البيعة والتقليد.
هكذا ظهرت في عراق ما بعد 2003 نماذج متعددة من التوافقات والصفقات الانتخابية لتوزيع الثروة الوطنية والنفوذ السياسي بين القوى المتنافسة، سواء في الداخل أو عبر ارتباطاتها الإقليمية والدولية، الأمر الذي حول العراق إلى ساحة صراع مفتوحة واستنزف جزءا كبيرا من موارده المالية في مفاسد المحاصصة وأمراء الاقطاع السياسي الجديد!
وقد جاء ذلك نتيجة مسار سياسي بدأ منذ مؤتمر لندن لذات الأحزاب التي تتصدر اليوم المشهد السياسي، ثم مجلس الحكم، ثم صياغة الدستور والقوانين والانتخابات المتعاقبة، بما أفضى إلى ترسيخ نظام المحاصصة وصعود نخب النفوذ السياسي الجديدة.
وفي الوقت نفسه استمرت الأحزاب ذاتها في إنتاج تشكيلات وفصائل جديدة بعناوين مختلفة، بعضها يرتبط بحاكمية ولاية الفقيه، وبعضها الآخر يتقاطع مع مشاريع الاخوان المسلمين أو مع حسابات إقليمية ودولية أوسع، في إطار التنافس المستمر على النفوذ في المنطقة.
“أي تصادم بين متطلبات الدولة ومصالح الفصائل المسلحة لا يخضع فقط للقرار الحكومي، بل يتأثر أيضا بالبنية السياسية والعقائدية التي تستند إليها هذه الفصائل”
لذلك يمكن توقع الآتي:
أولا: مثلما تنوعت الفصائل الحزبية المسلحة تحت عنوان فتوى الجهاد الكفائي ثم الحشد الشعبي، ومع الحديث اليوم عن إعادة تنظيم هذه الفصائل ضمن سلطة القائد العام للقوات المسلحة، فإن احتمالات ظهور تشكيلات جديدة تحت عناوين معارضة تبقى قائمة، خصوصا بوجود جمهور وشخصيات ما زالت تتحرك ضمن أطر عقائدية وسياسية راسخة.
وعليه فإن أي قرار تنظيمي لن يؤد بالضرورة إلى إنهاء الأسباب الأيديولوجية التي تقف وراء ظواهر العنف المسلح، سواء تلك المرتبطة بأدبيات الإخوان المسلمين والتنظيمات التكفيرية، أم المرتبطة بمفهوم ولاية الفقيه والفصائل المسلحة المنضوية تحت مظلتها الفكرية.
ثانيا: إن قدرات مؤسسات إنفاذ القانون العراقية ما زالت تواجه تحديات كبيرة تراكمت منذ قرارات دمج وإعادة تشكيل للمؤسسات الأمنية والعسكرية.
لذلك فإن أي تصادم بين متطلبات الدولة ومصالح الفصائل المسلحة لا يخضع فقط للقرار الحكومي، بل يتأثر أيضا بالبنية السياسية والعقائدية التي تستند إليها هذه الفصائل. وهكذا يستمر العراق في الدوران بين توصيفات متناقضة، مرة تحت عنوان الإرهاب وأخرى تحت عنوان المقاومة، من دون التوصل إلى رؤية وطنية جامعة لعراق واحد وطن الجميع.
ثالثا: لم تكن المواقف الأمريكية الجديدة، ولا سيما ما يرتبط بتحركات المبعوث الأمريكي توم باراك أو أي زيارات عراقية مرتقبة إلى واشنطن، بعيدة عن المتغيرات المرتبطة بالمفاوضات النووية الإيرانية.
فالولايات المتحدة تسعى إلى الفصل بين الدورة المالية العراقية المرتبطة بعائدات النفط وبين مصادر التمويل الإيرانية الخاضعة للعقوبات، في حين تراقب دول الخليج هذه التحولات بوصفها جزءا من إعادة ترتيب موازين القوى في المنطقة. وفي مثل هذه الظروف تبقى مخاطر عودة التنظيمات الإرهابية، ومنها داعش، قائمة إذا ما ظهرت فراغات أمنية أو سياسية جديدة.
رابعا: لا تبدو إيران مستعدة للتخلي بسهولة عن أوراق نفوذها الإقليمية في العراق ولبنان واليمن، وحتى في الساحات التي تراجعت فيها أدوارها خلال السنوات الأخيرة.
ويستند هذا التقدير إلى تجربة المفاوضات النووية السابقة، في إدارة الرئيس أوباما.. التي تزامنت مع تمدد النفوذ الإقليمي الإيراني في أكثر من ساحة. ولذلك يبقى السؤال المركزي: هل تتجه المفاوضات الحالية إلى معالجة هذا النفوذ أم أنها تركز حصرا على الملف النووي؟
حتى الآن لا توجد مؤشرات واضحة على أن طهران مستعدة للتنازل عن مجمل أوراقها الإقليمية، خصوصا في ظل وجود شبكة واسعة من الفصائل المسلحة التي تستند في شرعيتها السياسية والعقائدية إلى مفهوم ولاية الفقيه. بل تبدو المقاربة الأمريكية وكأنها تركز على “إدارة نتائج الظاهرة” أكثر من تركيزها على معالجة أسبابها البنيوية.
خامسا:كيف سيكون حال العراق خلال حكومة السيد الزيدي؟
هناك براغماتية واضحة قد تقود إلى إعادة ترتيب بعض الأوراق، من خلال “دمج” فصائل تمتلك حضورا سياسيا وبرلمانيا مؤثرا، تسعى إلى تعزيز موقعها في الانتخابات المقبلة، وربما المنافسة على رئاسة الحكومة مستقبلا.
“التحدي الأكبر يتمثل في أن أي تضارب حاد في المصالح أو أي خلل أمني واسع قد يفتح المجال مجددا أمام عودة تنظيم داعش أو جماعات مشابهة، وهو ما يهدد مجمل العملية السياسية”
في المقابل قد تظهر مسميات جديدة أو أطر تنظيمية مختلفة، بما يعيد إنتاج المشهد نفسه بأدوات أخرى، كما حدث في تجارب سابقة شهدتها المنطقة.
لكن التحدي الأكبر يبقى في أن أي تضارب حاد في المصالح أو أي خلل أمني واسع قد يفتح المجال مجددا أمام عودة تنظيم داعش أو جماعات مشابهة، وهو ما يهدد مجمل العملية السياسية ويعزز تمسك بعض القوى المسلحة بسلاحها تحت مبررات أمنية أو عقائدية، بانتظار ما ستنتهي إليه التطورات الإقليمية والمفاوضات النووية الإيرانية.
يبقى السؤال:
هل تمتلك أي سلطة سياسية عراقية القدرة على حسم هذا الملف بمنظور “عراق واحد وطن الجميع”؟
الإجابة الواقعية أن الأدوات السياسية المتاحة ما زالت غير كافية لإنتاج تسوية نهائية ومستقرة لهذا الملف المعقد.!