تقارير إخبارية: أجراءات الزيدي في مكافحة الفساد..خطوة تصحيحية أم تضحية ببعض”الفاسدين” تلبية لرغبة دولية؟

أجراءات الزيدي في مكافحة الفساد..خطوة تصحيحية أم تضحية ببعض”الفاسدين” تلبية لرغبة دولية؟

مع كل اعلانات الاعتقال المتوالية بحق مسؤولين في الدولة وضبط مليارات الدنانير معهم، لا يبدي مراقبون، تفاؤلاً بتحقيق نجاح في مواجهة الفساد، فهم يرون أن كل ما يحدث الى الآن هو مجرد تضحية ببعض”الفاسدين” لكسب الشارع والدعم الدولي، وأن الخطوات لم تتقاطع مع المصالح الاستراتيجية لـ"حيتان الفساد" من الأحزاب الكبيرة التي مازالت بعيدة عن المساءلة. ويرى آخرون ان ما يُصوَّر على أنه محاربة للفساد ليس سوى عملية تدوير للسلطة السياسية، بإزاحة جيل من السياسيين التقليديين وترسيخ جيل جديد يتماشى مع تغيّر موازين القوى.

اقرت الحكومة العراقية أواخر أيار/مايو 2026 مشروع تشكيل المجلس الأعلى للنزاهة، مهمته تنسيق جهود الأجهزة الرقابية والقضائية والأمنية المختصة بمكافحة الفساد وملاحقة “الأموال العامة المهدورة واستردادها، داخل العراق أو خارجه”، فضلاً عن تدقيق العقود الحكومية قبل إبرامها وكذلك التي سبق وأن أبرمت، للتأكيد من عدم وجود مخالفات فيها، حسب بيان حكومي.

بالتزامن مع تشكيل المجلس، اعتقلت القوات الأمنية العراقية، وكيل وزير النفط لشؤون المصافي، عدنان الجميلي، ووجهت إليه مجموعة اتهامات متعلقة بالفساد، بعد أن ضبطت بحوزته أموالاً يقدرها مجلس القضاء الأعلى بما يزيد عن(98)مليار دينار عراقي إضافة إلى (11)مليون دولار.

وبحسب قاضي تحقيق محكمة جنايات مكافحة الفساد المركزية، فأن الجميلي أدلى باعترافات، أدت إلى القاء القبض على أشخاص آخرين، بضمنهم محافظ صلاح الدين الأسبق ومدير الصحة الحالي، رائد الجبوري.

ثم توالت الأخبار بشأن اعتقالات طالت مسؤولين حكوميين آخرين، بضمنهم مدير الخطوط الجوية العراقية مناف عبد المنعم، بتهمة اختلاس 115 مليار دينار عراقي، وامرت محكمة استئناف الكرخ بوضع اشارة الحجز على العقارات التابعة لمدير شركة كهرباء الوسط علاء سمير راشد الجبوري المتهم بقضايا فساد، وضبطت بحوزته 76 مليار دينار عراقي.

وأجرى رئيس الوزراء علي فالح الزيدي، تغييرات واسعة في مواقع مهمة بالدولة، شملت أكثر من 100 مسؤول من مستويات إدارية مختلفة، بينهم وكلاء وزارات ومدراء عامون، إضافة إلى مسؤولين في الأمن الوطني والبنك المركزي.

وفقاً لمحللين سياسيين ومراقبين، فأن هذه الإجراءات التي تفتح بها الحكومة العراقية الجديدة مهامها، تأتي بضغوط دولية، من شركاء كالولايات المتحدة الأمريكية، التي تنظر إلى الفساد باعتباره أحد أبرز العوامل التي ساهمت في تعزيز نفوذ الجماعات المسلحة الموالية لإيران داخل مؤسسات الدولة العراقية، عبر شبكات اقتصادية ومالية في ظل ضعف الرقابة وتداخل المصالح السياسية.

لكن هنالك من يرى أنها مجرد تضحية ببعض”الفاسدين” لكسب الشارع العراقي الى جانب تنفيذ متطلبات دولية، وأنها لن تتقاطع مع المصالح الاستراتيجية للأحزاب الكبيرة التي يصفونها بـ”حيتان الفساد” التي مازالت بعيدة عن المساءلة، فيما يأمل آخرون أن تكون صحوة متأخرة ربما تفضي إلى نتائج يلمسها المواطن العراقي قريباً.

من أين أتى الجميلي بالمال؟

الكاتب السياسي فلاح المشعل، يتساءل:”كيف يستطيع مسؤول عن المصافي، الاستحواذ على ملايين الدولارات ومليارات الدنانير العراقية؟ كيف له أن ينهب هذه الثروات الهائلة؟”.

ثم يجيب على تساؤله بنفسه:”الحقيقة أن الأمر لا يتعلق بأشخاص منفردين، بل بمنظومة فساد متكاملة تتقاسم عوائدها أحزاب وشخصيات نافذة ومجاميع متنفذة، فيما يتحول المال العام إلى غنيمة مفتوحة على حساب الشعب العراقي”.

ويبين الطريقة التي تأتي بها تلك الأموال، مشيراً إلى أن القصة تبدأ من آلية بيع النفط الخام إلى المصافي المحلية بأسعار يقول بأنها “متدنية للغاية، لا تتجاوز في بعض الحالات نحو ستة دولارات للبرميل، أي ما يعادل قرابة عشرة آلاف دينار عراقي، في حين يتراوح سعر البرميل المصدر عبر شركة سومو بين سبعين وثمانين دولاراً، تبعاً للأسعار العالمية”.

“يُباع النفط الأسود، بأسعار زهيدة، ثم يُعاد التعامل معه في الأسواق المحلية والإقليمية بوصفه مادة غنية ما يحقق أرباحاً استثنائية للوسطاء والمهربين والشركات المرتبطة بمراكز النفوذ”

ويذكر أن جوهر القضية يكمن في ملف النفط الأسود :”الجميع، من شبكات التهريب إلى العديد من المصافي الإقليمية، يتسابق للحصول على النفط الأسود العراقي، ويبين السبب بقوله:

“لأن بعض المصافي لا تُجري عمليات تكرير كاملة، بل تكتفي بتكرير جزئي، فتُحوِّل كميات كبيرة من النفط الخام إلى ما يُسجل رسمياً على أنه “نفط أسود”، رغم أن خصائصه الفعلية لا تختلف كثيراً عن النفط الخام. وهنا تكمن الثغرة التي تفتح أبواب الأرباح الهائلة والفساد المنظم”

ويلفت إلى أن النفط الاسود يُباع “بأسعار زهيدة، ثم يُعاد التعامل معه في الأسواق المحلية والإقليمية بوصفه مادة غنية بالمشتقات النفطية، ما يحقق أرباحاً استثنائية للوسطاء والمهربين والشركات المرتبطة بمراكز النفوذ”.

ويضيف:”انه هدر صريح ومعلن للثروة الوطنية، جرى طوال سنوات بعلم الحكومات المتعاقبة، من دون اتخاذ إجراءات حاسمة لإيقافه، بسبب تعارض ذلك مع مصالح القوى المستفيدة وشركائها في منظومة المحاصصة والفساد”.’

“الفاسدون يحصلون على ما يشبه الحصص من أموال النفط والصحة والتعليم والزراعة والصناعة والدفاع والداخلية والنقل.. يحصل هذا بتوافق الأحزاب الكبيرة وأمام أنظار الجهاز التشيعي وأجهزة الدولة”

الكاتب مراد خزعل غانم، يرى بأن الفساد في القطاع النفطي هو الأكبر لكن:”في كل وزارة وتفرعاتها هنالك فاسدون يستحوذون على المال العام امام انظار كل أجهزة الدولة المعنية، وعلى رأسها الجهاز التشريعي الممثل بالبرلمان ومجالس المحافظات”.

ويضيف:”الفاسدون يحصلون على ما يشبه الحصص من أموال النفط والصحة والتعليم والزراعة والصناعة والدفاع والداخلية والنقل …. وغيرها، فضلاً عن المشاريع المرتبطة بها” لهذا فهو يعتقد بأن مكافحتها دفعة واحدة ”قد تستغرق سنوات طويلة”.

00000000

مجرد كبش فداء

د.علي أغوان، وهو استاذ جامعي متخصص في العلاقات الدولية، فيثني على ما يصفها بـ”عمليات تطهير وملاحقة فاسدين شجاعة تقوم بها الحكومة العراقية” لكنه يدعوا رئيس الوزراء إلى عدم توقفها عند الواجهة الاقتصادية فقط.

ويقول:”هؤلاء الفاسدون يقف وراءهم شخصيات كبيرة تصنع حاضر العراق ومستقبله منذ عام 2003 حتى الان، قرصنوا حياة الناس ومصوا دماء الدولة وجعلوها في اضعف حالاتها” .

ويعتقد أنه وبخلاف ذلك فأن:”هذه العملية لن تعدوا عن كونها هواء في شبك وضحك على الذقون” حسب تعبيره، ويحذر من أن “الشعب العراقي لم يعد ساذج ويمكن خداعه بسحب شخص او اثنين للتحقيق وكشف ما لديهم من اموال في مزارعهم وفللهم الفارهة وتقديمهم ككبش فداء في عملية اعلامية اكثر مما هي عملية مكافحة حقيقية، ليتبين لاحقاً ان هؤلاء ما هم الا واجهة وبوابة كبيرة لشخصيات اخطبوطية اكبر” .

“هؤلاء اللصوص الصغار، ما هم إلا واجهة أو بوابة لشخصيات أخطبوطية أكبر.. مصوا دماء الدولة وجعلوها في اضعف حالاتها”

وبدوره، يرى الكاتب عادل كمال، أن إجراءات الحكومة العراقية، وإن”بدت أنها موجهة باتجاه المكون السني، لإظهاره على انه الاكثر فساداً في البلاد، إلا أنها خطوة كبيرة في اتجاه كبح جماح الفساد الذي فاق كل تصور”.

ويدعو إلى توجيه بوصلة مكافحة الفساد إلى مختلف القطاعات في البلاد والى الرؤوس الكبيرة ”ولاسيما في المحافظات حيث تتقاسم الاحزاب حكوماتها المحلية، وتستأثر لنفسها بحصص من أموال المشاريع عبر احالات العقود”، وأن لا يقتصر الأمر على مجرد ”شخصيات فاسدة تقدم للشعب على أنها الآفة التي تم القضاء عليها، فنحن نعرف، بأن هنالك مئات النسخ من الجميلي وغيره من الفاسدين، وبأحجام أكبر بكثير”.

كما يأمل، أن لاتكون الإجراءات هذه ”مجرد شو استعراضي، جاء في خلفية لقاء جمع الزيدي بالمبعوث الأمريكي توم باراك في 16 جزيران 2026، أو مغازلة للرئيس ترامب الذي سيقابله الزيدي بعد فترة في الولايات المتحدة الامريكية”.

ضغوط دولية..ورجل بمهمة محددة

الكاتب عماد حسن، يتساءل”من أين يستمد رئيس الوزراء قوته؟” ثم يصفه بأنه رجل غامض ”جاء من خلف السحاب بطريقة السوبرمان الأمريكية، بتاريخ سياسي غامض، بلا كتلة سياسية، بلا منصب سابق، بلا خبرة سياسية، غير منتخب، وربما هو نفسه لم ينتخب. صاحب مقولة: لا أريد تأسيس حزب أو المشاركة السياسية مستقبلاً. شيء وكأنه جاء في مهمة محددة، ينجزها ويرحل”.

ويبدي ملاحظة أخرى استنادا لعدم تلمس أي اعتراض من قوى الاطار التنسيقي الحاكمة في البلاد، حيث يرى أن رئيس الوزراء علي الزيدي :”قد أخذ الضوء الأخضر من قادة الإطار هذه المرة ليمضي بمشروع تطهير بعض المؤسسات، تماشيا مع الإرادة الأمريكية التي تلوّح بعصا الطاعة” ويستدرك:”صورته مع باراك توحي بالكثير”.

“ما يُصوَّر على أنه محاربة للفساد ليس سوى عملية تدوير للسلطة السياسية، بإزاحة جيل من السياسيين التقليديين وترسيخ جيل جديد يتماشى مع تغيّر موازين القوى”

ومع ذلك، يعتقد عماد حسن، أن “الأمريكان غير مهتمين بمحاربة الفساد الذي يضر المواطن العراقي بقدر اهتمامهم بمحاربة الفساد الذي يبني جسرًا لتهريب العملة إلى الجارة، ضمن مشروع الغضب الاقتصادي “

وأن ما يُصوَّر على أنه “محاربة للفساد ليس سوى عملية تدوير للسلطة السياسية، بإزاحة جيل من السياسيين التقليديين وترسيخ جيل جديد يتماشى مع تغيّر موازين القوى الإقليمية لصالح إيران استراتيجيًا، ولصالح أمريكا محليا”.

الكاتب محمد يونس قاسم، يرى أن الضغوط الدولية ”نجحت أخيراً في ايقاظ الغفوة العراقيةَ”. ويعبر عن استغرابه كيف أن “الجميع يقر بأن الحكومة العراقية تحارب الفساد بضغط أمريكي وهم مرتاحون لذلك، وفي ذات الوقت يرفعون شعار منع التدخل الأجنبي في الشأن العراقي؟”.

ثم يتساءل:”لماذا نحتاج الى اصبع أمريكي يشير لنا الى موطن الفساد؟ اليس علينا ان نجده بأنفسنا؟” ثم يؤكد بأن القضية تتعلق :”بنظام فاسد بالأكمل يحتاج إلى تشريع قوانين كاملة لكشط طبقته السميكة التي تغطي المؤسسة الحكومية في عموم البلاد”.

المزيد عن تقارير إخبارية

تقارير إخبارية","field":"name"}],"number":1,"meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":34567}" data-page="1" data-max-pages="1" data-start="1" data-end="1">