العالم يحمي أطفاله من مخاطر الـ”سوشيل ميديا”.. ماذا عن بلاد الرافدين؟
انضمت بريطانيا الى استراليا وفرنسا وتركيا والامارات في حظر استخدام وسائل التواصل على كل من هم دون سن 16 عاماً، بينما تفكّر دول مثل النمسا وكندا والهند وماليزيا وألمانيا في اتخاذ إجراءات مشابهة، في وقت مازال العراق غائباً عن مناقشة هذا الملف رغم وجود مسوحات تؤكد استخدام 78% من الأطفال في البلاد الانترنيت عبر الهواتف الذكية.
أعلن رئيس الوزراء البريطاني، في 15 حزيران يونيو، عن حظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي على من تقل أعمارهم عن 16 عاماً. القرار البريطاني مدعوم، كما تشير وزيرة التكنولوجيا ليز كيندال، من الآباء الذين شاركوا في المشاورات الحكومية، وأيد 90% منهم الإجراء.
القرار هو جزء من نقاش موسع يتخذ مسارات عديدة، منها الآثار الصحية والنفسية، والمحتوى الضار الذي يتعرض له الأطفال، ومن خلال تصريحات المعنيين والمهتمين، يظهر أن الحكومات الأوروبية تُحمّل الشركات جزءاً كبيراً من المسؤولية.
بينما يتوسع هذا النقاش ليشمل مراكز الابحاث، والمؤسسات الحقوقية، والبرلمانات، والشركات الكبرى، يُعد العراق من أوائل البلدان التي فتحت ملف إنتاج المحتوى على منصات التواصل، حيث قاد ما بات يعرف بحملة “المحتوى الهابط” في كانون الثاني 2023، حين أعلنت وزارة الداخلية تشكيل لجنة مختصة لمحاربة المحتوى الذي “يخالف الأخلاق والتقاليد”.
الحملة التي تعرّض خلالها الكثير من صانعي المحتوى للحبس، وباتت محلّ نقاش داخل البلاد منذ 2023 لما فيها من إشكالات تتعلق بحرية التعبير، فضلاً عن عدم وضوح المعايير المتبعة في تطبيقها. تركن إلى أحكام قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969، ولا سيما المادة 403، التي تجرّم كل فعل أو قول فاضح علني “يمس الحياء” أو “يخدش الحشمة العامة”. هذه الحملة التي باركها القضاء ودعمتها الحكومة، تضع اللوم على صناع المحتوى، بينما لم تلتفت للشركات الكبرى والخوارزميات التي تستهدف القاصرين.
“مسح اليونيسف لعام 2023: 78% من الأطفال في العراق بين 10 و14 عاما يستخدمون الإنترنت بشكل يومي عبر الهواتف الذكية”
سباق دولي لحظر التطبيقات على الأطفال
في 10 من كانون الثاني 2025، دخل قرار حظر مواقع التواصل الاجتماعي على الأطفال ممن هم دون سن 16 عاماً حيز التنفيذ في أستراليا، التي تعد أول دولة في العالم تتخذ هذا الإجراء. وخلال الأيام الأولى لتطبيق القرار، حذفت التطبيقات الكبيرة، مثل إنستغرام وفيسبوك وتيك توك، 550 ألف حساب في أستراليا التي انتقدت في السابق، من خلال لجنة تحقيق مكلفة من مجلس الشيوخ الأسترالي، شركاتَ غوغل وميتا وأمازون كونها “لم تكن صريحة” بشأن استخدام البيانات الأسترالية لتدريب منتجاتها في الذكاء الاصطناعي. وسيتم فرض غرامة قدرها 34.9 مليون دولار على الشركة التي لا تلتزم بالتقييد.
فيما أقر البرلمان الفرنسي في 27 من كانون الثاني 2026 مشروع قانون يحظر استخدام وسائل التواصل لمن هم دون سن 15 عاما، وصوّت 130 نائباً لصالح مشروع القانون مقابل 21، في جلسة مطوّلة استمرت حتى الفجر. كما أقرّ البرلمان التركي قانوناً مشابهاً في نيسان، بينما تفكّر دول مثل النمسا وكندا والهند وماليزيا وألمانيا في اتخاذ إجراءات مشابهة.
“منظمة العفو الدولي: الدواء يجب أن يكون تنظيم منصات التواصل لا استبعاد الأطفال منها”
الإجراءات التي اتخذتها بعض الدول الأوروبية مثار جدل على المستوى القانوني، فمنظمة العفو الدولي اعتبرت قرار بريطانيا من ناحية التشخيص صحيحاً، لكن الحلّ البريطاني غير صحيح. وحسب رأي المنظة فـ”الدواء يجب أن يكون تنظيم هذه المنصات لا استبعاد الأطفال منها”. وفي خضمّ ذلك، يرى البعض أنه من السهل الالتفاف على الحظر الذي قد يدفع القاصرين إلى منصات أقل أماناً.
كما أثارت قرارات الحظر العُمري أسئلةً تقنية تتعلّق بكيفية تعرّف المنصة على العمر الحقيقي لمستخدمها، وهذه الأسئلة، تشعّبت إلى أسئلة أخرى عن احتمالية تسرّب البيانات الشخصية أو الحكومية أو صور الأطفال لهذه المنصات.
كلّ هذه الاجراءات الوطنية، تسبق تطبيق قواعد أقرّها البرلمان الأوروبي، لم تدخل حيّز التنفيذ بعد. وجاءت ضمن سباق وطني قد يربك السوق الموحدة. لذلك تضغط الدول على بروكسل من اجل قانون اوربي موحد، بينما تخشى المفوضية من تصادم القوانين الوطنية مع الخدمات الرقمية في أوروبا ومن خلق التزامات متناقضة على الشركات.
“في العراق الذي يعرف كيف يحجب لعبة، أو يستند إلى مواد فضفاضة في قانون العقوبات لملاحقة صناع محتوى، لم يفتح حتى الآن نقاش حول الطفل داخل السوشيال ميديا بوصفه مستخدماً وضحية محتملة وموضوعاً للإعلانات”
عربياً، التحقت الإمارات بسباق حماية الأطفال وحظر مواقع التواصل الاجتماعي في 18 حزيران 2026، لتصبح بذلك أول دولة عربية تقر هذا الإجراء. لكن في العراق، تبدو الصورة مختلفة، الدولة تعرف كيف تحجب لعبة، أو تستند إلى مواد فضفاضة في قانون العقوبات لملاحقة صناع محتوى، لكنها لم تفتح حتى الآن نقاشاً حول الطفل داخل السوشيال ميديا بوصفه مستخدماً وضحية محتملة ومستهلكاً وموضوعاً للإعلانات، حيث بات العديد من الاطفال في العراق وجوها اعلانية، تروّج لمنتجات لا يعرفون عنها شيئا، بضمنها مواد تجميل.
يمتلك العراق قوانين تتعلق بالأطفال والقاصرين، لكنها وضعت قبل مواقع التواصل الاجتماعي. قانون رعاية الأحداث رقم 76 لسنة 1983 ينظر للأطفال من زاوية الرعاية والانحراف والإصلاح، اضافة لقانون رعاية القاصرين رقم 78 لسنة 1980، الذي يُعطي الطفل حقوقاً اجتماعية وثقافية ومالية. لكنّ هذه القوانين، لم تتنبّأ بعصرنا الذي صار فيه بعض الأطفال -أو آباؤهم- يحققون دخلاً اعلانيا. وما زالت القوانين خالية من حالة الإجبار المحتملة، والتي لا تختلف عن امتهان الطفل.
لا يمكن إنكار أن منصات التواصل الاجتماعي تستهدف الأطفال، بل هنالك اقتصاد كبير بات يأخذ مساحته، اقتصاد الـ “كيدز إنفلونسرز”، الأطفال يظهرون في مقاطع عائلية، يراجعون منتجات، يزورون مطاعم، يرتدون ملابس معينة، و يشاركون في محتوى مضحك ومؤثر يجلب المشاهدات. وهذا بالإضافة للإعلانات الموجهة للأطفال تحديداً.
وعلى الرغم من أن قائمة أكثر 100 طفل مؤثر في العالم لا تضم عراقيين، لكن هنالك أطفال في العراق صاروا وجوهاً اعلانية. دون أدنى حماية، في وقت تظهر بيانات مسح اليونيسف لعام 2023 أن 78% من الأطفال في العراق بين 10 و14 عامًا يستخدمون الإنترنت بشكل يومي عبر الهواتف الذكية.
هيمنة المعيار الأخلاقي في العراق
عام 2019 ، صوّت البرلمان العراقي على قرار حجب مجموعة ألعاب أشهرها “بوبجي”، لأنها تحرّض على العنف. وسط ارتباك أدى إلى خطأ حتى في اسماء الالعاب، وبعدها حظرت وزارة الاتصالات لعبة لودو لأسباب أخلاقية وعائلية، حيث قالت وزيرة الاتصالات السابقة إن قرار الحجب جاء بسبب “خلافات داخل العديد من الأسر بين الأزواج والزوجات”. الرقابة الأخلاقية تلك، نفسها تسبّبت في حجب المواقع الإباحية، غير أنّ كلَّ تلك القرارات، التي تبدو صارمة، لم تشمل ما بات ملفاً عالمياً؛ لم يفتح البرلمان العراقي حتى الآن ملف وجود الأطفال على مواقع التواصل الاجتماعي، فهُم على هامش القرارات، رغم أن الدراسات تؤكد أن استخدام المراهقين لمواقع التواصل الاجتماعي قد يكون إشكالياً وقهرياً، بحيث يؤثر على النوم، والدراسة، والعلاقات، والمزاج، والتركيز.
وبينما يستمر النقاش الأوروبي حول كيفية التحقق من العمر، وهل تمنح الهوية أم لا، وعن الخوارزميات الإدمانية المصممة بدقة، والمسؤولية القانونية التي تقع على عاتق الشركات المصممة، فضلاً عن مصير الاقتصاد الإعلاني الذي بُني على انتباه المراهقين، ودخلت أم إيطالية في مواجهة قانونية مع شركتَي Meta وTikTok بعد وفاة ابنتها عن عمر 12 عاماً، محمّلة التطبيقات المسؤولية. ما يزال العراق يحتاج إلى المزيد من الجهود من أجل إقرار قوانين مشابهة لحماية أطفاله، مرفقةً بإجابات واضحة عن إمكانية وكيفية إلزام الشركات الكبرى بتطبيق هذه القوانين.