

إن حصر العنف بيد الدولة في العراق، أو كما يحبّون التخفيف من وطأته على مسامعنا بعبارة “حصر السلاح بيد الدولة”، يرتطم بجدار اسمه حالة اللاسلم واللاحرب في المنطقة.
رفع درجة توم براك إلى منصب المبعوث الرئاسي للرئيس الأمريكي لا يحوّله إلى سوبرمان أو ساحر قادر على إنهاء سلطة الفصائل المسلحة – المليشيات، التي تعني في نهاية المطاف إنهاء النفوذ الإيراني في العراق. والنقطة الجوهرية في رفع درجة منصبه تكمن في السعي لتحقيق الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة، والمتمثلة بإنهاء النفوذ الإيراني عبر فك الارتباط السياسي والاقتصادي بين العراق وإيران.
في الحالة اللبنانية تبدو الصورة أكثر بساطة إذا ما نظرنا إلى حزب الله؛ فهو واضح المعالم، ويمكن تحديد أماكن وجوده وموقعه، سواء على الصعيد الجغرافي أو على صعيد نفوذه في مفاصل الحكومة والدولة اللبنانية.
أما في حالة العراق، فقد بيّنت الحرب الأخيرة التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل على إيران أن الفصائل المسلحة مرتبطة عضوياً بالدولة ومتغلغلة في جميع مفاصلها، ولذلك يمكن إطلاق وصف ماهية الدولة كجهاز قمعي ويحتكر العنف في العراق “دولة الفصائل وفصائل الدولة”.
وما يضيف المشهد الدرامي على شعار “حصر السلاح بيد الدولة” بان قادة الحرس الثوري الإيراني يتجولون بكل أريحية في الجغرافيا العراقية لضرب المصالح الأمريكية داخل العراق، أو استهداف كل من يعترض على سياسات إيران فيه. ولذلك شهدنا قصف المطارات والسفن الراسية في الموانئ العراقية، وما سُمّي بمعسكرات المعارضة الإيرانية ومقرات في إقليم كردستان. والأبعد من ذلك أن الجهاز الحكومي والطبقة الحاكمة بأكملها، بما فيها القضاء العراقي الذي يقال إنه يمسك بزمام اللعبة السياسية والتوازنات، لم يحرّكوا ساكناً سوى بإطلاق تصريحات إعلامية.
إن التوقع من رئيس الوزراء الجديد علي الزيدي بإنهاء حكم الفصائل في العراق هو ضرب من الأوهام. فالقضية أكبر من الزيدي، الذي يُعدّ مرشح الإطار التنسيقي، المظلة الرئيسية لأحزاب ومليشيات الإسلام السياسي الشيعي. أما حصوله على التزكية الأمريكية، وما رافقها من دق الطبول والدفوف، فليس أكثر من رسالة إلى إيران بأن الولايات المتحدة ما زالت صاحبة اليد الطولى في العراق، كما فعلت عندما أقصت نوري المالكي، وبعده محمد شياع السوداني.
وفي الوقت ذاته، هي محاولة لانتزاع الحكومة من أحضان إيران، سواء عبر الضغوط السياسية أو التهديد بفرض العقوبات أو إدراج أسماء من قادة الفصائل على قوائم العقوبات.
ولا بد من الإشارة إلى أن اختيار الزيدي، وقبله السوداني، وقبل السوداني الكاظمي، ثم عادل عبد المهدي، جاء لشخصيات لا تملك حولاً ولا قوة. وبعبارة أخرى، فإن هذه الشخصيات تم اختيارها لأنها لا تمتلك نفوذاً سياسياً أو اجتماعياً أو حتى مليشياتياً. ولذلك فإن قص أجنحتها يتم بسهولة، بل وأكثر من ذلك يتم نتف ريشها، فتصبح غير قادرة على الطيران. أي إن الزيدي لن يستطيع التحرك بأكثر مما استطاع السوداني التحرك به.
العراق ليس كلبنان، بالرغم من التصريحات الإعلامية لقادة إيران خلال هذه المرحلة، والساعية إلى ربط مصير حزب الله بالمفاوضات بين أمريكا وإيران. فالضربات الأخيرة التي شنتها إيران على إسرائيل رداً على قصف الأخيرة للضاحية الجنوبية في بيروت كانت محاولة لتقوية أوراقها التفاوضية مع أمريكا. إسرائيل تمتلك هامشاً واسعاً من حرية الحركة والتصرف في لبنان.
في حين أن العراق يمثل واحدة من ثلاث أوراق استراتيجية مهمة للنظام الإسلامي في إيران لحمايته من السقوط في الحرب التي لم تُغلق نهايتها بعد. فالورقة الأولى هي مضيق هرمز، الذي يضغط على مصادر الطاقة في العالم، والثانية هي أمن دول المنطقة، أي دول الخليج والأردن وسوريا، التي تشكل محطات للنفوذ العسكري الأمريكي، أما الثالثة فهي العراق.
والعراق بالنسبة للنظام الإيراني ليس مجرد محطة من محطات الطاقة، بل مصدر خطر استراتيجي على المنطقة. فتجربة غزو واحتلال العراق، وتحوله إلى قلعة لعصابات القاعدة ثم داعش، ومركزاً لانتشار وباء الطائفية والإسلام السياسي، ما زالت عالقة في الأذهان، وما زالت تداعياتها لم تُطوَ صفحتها بعد. وطالما بقي الإسلام السياسي بلونه الطائفي حاكماً في العراق، فإنه سيظل يشكل خطراً على المنطقة.
ومن هذه الزاوية يجب النظر إلى مسألة إنهاء سلطة الفصائل الموالية لإيران في العراق، والتي ترتبط عضوياً بالنظام في طهران. فطالما لم يحقق أي من الطرفين انتصاراً سياسياً حاسماً في المنطقة، ولم تُنهَ حالة اللاسلم واللاحرب، سواء عبر إذعان إيران للشروط الأمريكية وانسحابها من المنطقة، أو عبر انتصار أمريكا بفرض شروطها على إيران، فلا يمكن التنبؤ أو التفاؤل لا بنجاح توم براك في مهمته في العراق ولا بنجاح حكومة الزيدي في توحيد الفصائل تحت رايتها .
وبالرغم من وجود أجنحة داخل الإطار التنسيقي متململة من هذه الفصائل، وتخشى على امتيازاتها السياسية والمالية جراء الصراع الذي ما زالت نهاياته غير معلومة، فإن هذا الجناح نفسه هو الأضعف في المعادلة السياسية العراقية.
إن حكومة الزيدي، أسوة بغيرها، ومهما دقت لها الطبول الإعلامية، ومهما حاولت بعض الفصائل أن تظهر بأنها سلمت سلاحها وخرجت من مظلمة (الحشد الشعبي) تنفيذاً لأوامر الزيدي، فإن كل ذلك ليس إلا إجراءات شكلية، كما حدث مع قوات “بدر” التي أعلنت اندماجها في القوات الأمنية، لكنها عادت للظهور بكامل قوامها مع ظهور داعش عام ٢٠١٤.
هذا ناهيك عن أن المئات، إن لم نقل الآلاف، من عناصر الفصائل الموالية لإيران قد أُدمجوا في القوات الأمنية، ومُنحوا رتباً عسكرية عالية في وزارتي الداخلية والأمن الوطني وقوات الرد السريع، وقد بيّنت الانتخابات الأخيرة حجم نفوذها داخل الأجهزة الأمنية، والتي ساهمت في رفع رصيدها الانتخابي، فاستحوذت على نصيب الأسد في البرلمان.
وفق ذلك، يجب عدم التوهم بالخلاص الأمريكي في العراق، ولا بالزيدي الذي جاء من رحم هذه الفصائل، ولا بتوم براك، والاعتقاد بأنهم قادرون على إحلال السلم والأمن عبر استبدال النفوذ الإيراني بالنفوذ الأمريكي.
المزيد عن آراء
آراء
آراء","field":"name"}],"number":1,"meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":34539}" data-page="1" data-max-pages="1" data-start="1" data-end="1">






