“الموت على أعمدة الكهرباء”.. عمال يواجهون الموت صعقاً لضعف إجراءات السلامة
تظهر الإحصائيات الرسمية وقوع 385 حادث صعق كهربائي تعرض لها موظفو صيانة الكهرباء خلال اربع سنوات، بينها 292 إصابة و66 حالة وفاة موثقة، ما يثير أسئلة بشأن طبيعة بيئة العمل ومعايير السلامة، ومستوى الحماية الممنوحة للعاملين في قطاع الكهرباء التي تعاني من تدهور في التجهيز ومن مشاكل كثيرة في المحطات وخطوط النقل رغم صرف عشرات مليارات الدولارات عليها
خلال أدائه لعمله اليومي في مطعم بقضاء سوق الشيوخ في محافظة ذي قار، جنوبي العراق، تلقى الشاب مقتدى أحمد جعفر (22 سنة) اتصالاً هاتفياً من عمه، يطالبه بالذهاب فوراً إلى طوارئ المستشفى:”إنه أبوكّ”.
“لا اعرف كيف وصلت إلى المستشفى، ومن قادني الى قسم الطوارئ.. لا أتذكر شيئاً”، يقول “مقتدى” بصوت يغلبه الأنين “من نظرات الكادر الصحي، عرفت ان كل شيء انتهى.. هناك وجدت والدي ملقى على سرير جثة هامدة”.
صعقة كهربائية قتلت والد “مقتدى”، الموظف الفني بفرع توزيع كهرباء ذي قار، أثناء قيامه بصيانة أحد الأعمدة قرب مجمع “صلوات” التجاري وسط سوق الشيوخ. مر عام كامل على الحادث، لكن الحزن لا يفارق العائلة، كما يقول مقتدى “لا نتوقف عن التفكير فيه، وتذكر قصصه وكلماته.. يوجعني الشعور باللحظات الأخيرة في حياته”.
يضيف :”كان في الخامسة والأربعين فقط، معروف بكفاءته وحرصه على متطلبات الأمان. يرتدي بشكل دائم كافة معدات السلامة. لا نعلم كيف وقع الخطأ، ومن أعاد التيار إلى الخط الذي كان يعمل عليه”.
ما جرى لوالد مقتدى، واحد من سلسلة طويلة من حوادث العمل المتشابهة، التي تثير الكثير من الأسئلة بشان بيئة العمل في العراق، ومعايير السلامة، ومستوى الحماية الممنوحة للعاملين في قطاع صيانة الكهرباء الحكومية، التي تعاني من تدهور في التجهيز ومن مشاكل عديدة في المحطات وخطوط النقل رغم صرف عشرات مليارات الدولارات عليها.
وتظهر الإحصائيات الرسمية تسجيل الشركات العامة لإنتاج وتوزيع ونقل الطاقة الكهربائية في جميع محافظات العراق (باستثناء مدن إقليم كردستان) بين عامي 2020-2024 ما مجموعه 385 حادث صعق كهربائي تعرض لها موظفو الصيانة، بينها 292 إصابة، تراوحت بين الطفيفة والمسببة لعاهات مستديمة، و66 حالة وفاة موثقة في سجلات وزارة الكهرباء.
في هذا التحقيق، نفتح ملف الوفيات والإصابات المتكررة بين موظفي الكهرباء، ونتقصى الأسباب التي تجعل هذا النمط المشابه من الحوادث يتكرر، دون ايجاد حلول، أو اقرار إجراءات رادعة تضمن سلامة الأرواح أو تفعيل آليات المحاسبة.
اعتمد التحقيق على سلسلة من المقابلات الميدانية التي أجراها معد التحقيق، مع فنيين ومهندسي صيانة يعملون في دوائر الكهرباء في محافظات بغداد، البصرة، ديالى، واسط، وذي قار، للوقوف على حجم المخاطر اليومية
يرجع مسؤولون سبب حوادث الموت والاصابة الى عدم التزام العمال بإجراءات السلامة، بينما تكشف شهادات فنيين في مراكز الصيانة عن قصور في الإجراءات الوقائية ونقص في المعدات، ويرجع آخرون السبب الى أخطاء فنية جسيمة تُرتكب أثناء تنفيذ الأعمال
قصور في الإجراءات الوقائية
مع كل حادث موت او اصابة، لأحد عاملي محطات وخطوط صيانة الكهرباء، يبرز الجدل بشأن الأسباب الكامنة وراء حوادث العمل الخطيرة والمميتة في هذا القطاع، وبينما يرجع مسؤولون السبب الرئيسي، الى عدم التزام بعض العمال بإجراءات السلامة، تكشف شهادات فنيين ومهندسين في مراكز الصيانة عن قصور في الإجراءات الوقائية وأحيانا عن نقص في المعدات الأساسية، بينما يرى آخرون ان السبب يكمن في أخطاء فنية جسيمة تُرتكب أثناء تنفيذ الأعمال.
علي كاظم (اسم مستعار)، مهندس صيانة في مديرية كهرباء فرع الكرخ/ قطاع الشعلة، واحد من الذين تعرضوا لحادث عمل ترك في جسده ضرراً دائماً.
يستعيد تفاصيل ذلك اليوم الذي يقول بانه لن ينساه أبدا، ففي تموز/يوليو 2016، تلقى بلاغاً عن عارض فني في أحد خطوط نقل الطاقة، فتم استدعاؤه مع خمس من زملائه، جميعهم يعملون بصفة أجر يومي، للتوجه إلى موقع الخلل في منطقة الشعلة شمال غرب بغداد.
ويتابع: “ما أن وصلنا حتى بدا واضحاً أن معدات السلامة شبه معدومة، شعرت أن المخاطرة كبيرة، فقررت أن أتولى المهمة بنفسي لأحمي زملائي من التعرض للخطر، لكن المفاجأة كانت صادمة فشاحنة الرافعة التي يفترض أن توفر الأمان أثناء العمل على خطوط الطاقة لم تكن معزولة ضد الكهرباء”.
توخيه الحذر لم يكن كافيا، إذ تعرض إلى صعقة كهربائية اثناء استخدام الرافعة، ما أدى إلى بتر يده اليمنى، وتعرضه إلى إصابة في ظهره، استغرق علاجه وقتاً طويلاً تضمن سفرا إلى خارج البلاد على نفقته الخاصة.
اعاقة العمل، دفعته وزملاء آخرين له تعرضوا كذلك لإصابات عمل، إلى طرق أبواب المسؤولين بحثاً عن إنصافهم، فتوجهوا إلى مدير عام الدائرة الإدارية الأسبق في وزارة الكهرباء، فلاح جرمط، مطالبين بتشكيل لجنة تعويضية تنظر في أوضاعهم.
ضحايا عمليات الصعق، يضطرون لاجراء سلسلة عمليات جراحية على نفقتهم الخاصة للتمكن من استعادة حياتهم، في وقت لا يحصلون فيه الا على تعويضات رمزية
ويؤكد بانهم لم يحصلوا سوى على مكافأة مالية قدرها 500 ألف دينار عراقي (نحو 350 دولاراً) لكل واحد منهم. بالنسبة لعلي، كان هذا المبلغ أقرب إلى الإهانة منه إلى التعويض، إذ يقول بحدة: “إذا كان لي حق، فليعطوني إياه، وإذا لم يكن لي حق، فلا حاجة لأن يعطونني شيئاً”.
ويضيف بنبرة يختلط فيها الأسى بالغضب:”من المؤسف أن أي موظف في وزارة الكهرباء يتعرض لإصابة عمل، لا يتم الاعتراف له بحقوق واضحة، باستثناء منحه وظيفة إدارية لا تعوضه عما فقده”.
ويشير المهندس، إلى ان المعدات التي كانت توزع له ولزملائه، عادة ما تكون “قديمة أو منتهية الصلاحية” ويذكر أمثلة:”القفازات الخاصة بالضغط العالي كانت تستورد بعد أربع سنوات من تاريخ إنتاجها، ثم تخزن في المخازن حتى توزع علينا وهي منتهية الصلاحية”.
ويضيف:”المشكلة لا تقتصر على قدم المعدات، بل تمتد إلى ضعف الجودة وغياب الفحص الفني، كما ينفي وجود أي عملية تحقق من سلامة المعدات أو عزل العجلات الكهربائية:”وهو ما جعلنا نعمل بأدوات غير آمنة منذ البداية”.
ويعد المهندس علي، النقص في التدريب على السلامة المهنية أيضا من الأسباب الرئيسية وراء ارتفاع معدلات الحوادث: “العمال الجدد يصلون إلى مراكز الصيانة دون أن يتلقوا أي تدريب متخصص على كيفية استخدام معدات السلامة، ويعملون بلا معرفة بكيفية حماية أنفسهم، وهذا الجهل يقودهم في النهاية إلى حوادث خطيرة”.
وعلى الرغم من وجود أقسام للسلامة في كل قطاع من فروع الوزارة، إلا أن علياً، يشير إلى أن توزيع المعدات يتم بنحو غير عادل: “في بعض القطاعات، على سبيل المثال، يوجد أربعون عاملاً، لكن عشرة منهم فقط يحصلون على معدات السلامة، وغالباً ما تكون هذه المعدات غير مناسبة كأن تكون غير مطابقة لمعايير الأمان المطلوبة”.
ويلخص مسلم عباس، الفني في مركز صيانة المنصور غربي بغداد، طبيعة أوضاع العاملين في قطاع صيانة الكهرباء بشأن معدات السلامة، قائلا “منذ خمس سنوات وأنا أشتري معدات السلامة على نفقتي الخاصة، بسبب عدم توفرها أو تجهيزها من قبل الوزارة”.
مهندس: النقص في التدريب على السلامة المهنية سبب رئيسي .. العمال الجدد يصلون إلى مراكز الصيانة دون أن يتلقوا أي تدريب متخصص على كيفية استخدام معدات السلامة، ويعملون بلا معرفة بكيفية حماية أنفسهم
ضرر دائم وتعويضات رمزية
يكشف عدي فالح، الموظف الفني في قسم صيانة مديرية توزيع الجنوب، والبالغ من العمر 29 سنة، عن سبب آخر لا يقل خطورة عن نقص معدات السلامة أو ضعف الالتزام بها: “الأخطاء الفنية والإجرائية أثناء التنسيق بين فرق الصيانة ومراكز التشغيل، وهو أحد ضحاياها”.
ففي نيسان/أبريل 2014، بينما كان ينفذ مهمة ميدانية لربط مغذيات الضغط العالي في منطقة الجمعيات بمحافظة البصرة، أعيد التيار الكهربائي فجأة إلى الخط الذي كان يعمل عليه، نتيجة خطأ بشري ارتكبه أحد موظفي التشغيل.
فقد عدي، ذراعه اليمنى وأصيب في ظهره إصابات ما مازال يعاني منها لغاية اليوم. وقتها كان يعمل بصفة “أجر يومي”، ما حرمه من أي حقوق قانونية أو تعويض رسمي، إذ اكتفى مسؤولو الوزارة بمنحه مكافأة مقدارها مليون دينار عراقي فقط (950 دولاراً).
رحلته العلاجية كانت طويلة ومكلفة؛ اضطر إلى اقتراض عشرة ملايين دينار لإجراء ست عمليات جراحية في مستشفى المواساة بالبصرة، تجاوزت كلفتها الإجمالية 14 مليوناً (نحو 9333 دولار أمريكي).
يقول عدي بأسى: “حتى الطرف الصناعي الذي حصلت عليه من المستشفى الجمهوري لم يكن مناسباً تماماً، وأنا اليوم بحاجة إلى طرف جديد أكثر ملاءمة لحياتي اليومية.”
شكلت وزارة الكهرباء بعد الحاث لجنة تحقيق قانونية وأحيل الملف إلى القضاء. لكن المتسبب في إعادة التيار كان زميلا وصديقا مقربا الى عدي، ورب أسرة من خمس بنات، لهذا فضل سحب شكواه: “لم أستطع أن أكون سبباً في تدمير عائلته”.
وعلى الرغم مما تعرض له، لم يتخل عن مهنته، إذ يعمل اليوم في موقع إداري، ويحرص على تحويل ألمه إلى “وعي وقائي” كما يقول “عبر تقديم دورات في السلامة المهنية لزملائي”.
ويشير إلى أن تجهيز المعدات لم يكن بالمستوى المطلوب في السابق، لكنه يرى أن الوضع بات أفضل نسبياً في الوقت الحاضر، إذ يتم “تزويد العاملين بالمعدات كل شهرين أو أكثر بقليل”.
بالتوازي مع شهادة عدي، يؤكد عمر عبد العزيز، الموظف الفني في مركز العبارة بمحافظة ديالى، أن الأخطاء الفنية وسوء التنسيق بين فرق الصيانة ومحطات التشغيل تعد سبباً شائعاً لحوادث الصعق الكهربائي، إذ كثيراً ما يعاد تشغيل الخطوط أثناء وجود الفنيين عليها، ما يعرضهم مباشرة لخطر الموت صعقاً.
ويضيف بأن مديرية الكهرباء في ديالى، توفر معدات أساسية مثل الخوذة والبدلة والقفازات والحزام، لكنها تجهز مرتين فقط في السنة، وغالباً ما تكون “رديئة المنشأ وغير خاضعة للفحص دقيق”، الأمر الذي يدفع كثيرين من زملائه إلى شراء معداتهم على نفقتهم الخاصة.
ويشير عمر، إلى أن النظارات الواقية غير متوفرة، وأن الدورات التدريبية تقتصر على إرشادات عامة نظرية بشأن الطوارئ “دون تدريب فعلي على استخدام أدوات الوقاية الشخصية في مواقع العمل”.
وينبه إلى أن بعض العمال لا يلتزمون بارتداء معدات السلامة إلا حين تكون هناك لجان رقابية، خصوصاً من “يفتقرون إلى التأهيل الأكاديمي”.
ومن محافظة واسط، التي شهدت حادث صعق كهربائي أودى بحياة عاملين اثنين في الرابع من نيسان/أبريل 2025، يحذر نجم العتابي، مهندس صيانة في مديرية توزيع كهرباء واسط، من أن تلك الحادثة لن تكون الأخيرة ما لم يتم اعتماد خطة واقعية لتطبيق إجراءات السلامة ومتابعة الكوادر الميدانية.
ويؤكد، أن عامل الصيانة يواجه ضغوطاً متراكمة، خصوصاً خلال فصل الصيف، حيث تصل درجات الحرارة الى الخمسين مئوية، وتضطر الكوادر الفنية الى العمل في تلك الأجواء اللاهبة والتعامل مع أسلاك وأجهزة خطرة، في وقت تتزايد الأعطال وتتداخل خطوط الضغط العالي.
تظهر الحوادث المتكررة التي يتعرض لها العاملون في فرق الصيانة، ان متطلبات السلامة المهنية كما الخطوات الاجرائية لا تجد طريقها للتطبيق على الرغم من التأكيدات المتكررة للجهات المسؤولة بتطبيقها
توصيات تؤكد المخاطر
يوضح خبير السلامة المهنية أيمن الربيعي، أن جوهر السلامة يقوم على ثلاثة أهداف رئيسية:”حماية العنصر البشري من المخاطر، الحفاظ على سلامة المنشآت، وضمان توفير بيئة عمل تلتزم باشتراطات الصحة المهنية”.
ويشرح أن السلامة تنقسم إلى قسمين أساسيين:”الأول هو مستلزمات السلامة الشخصية، وتشمل الحذاء العازل، البدلة الواقية، الحزام، القفازات العازلة، النظارات الواقية، والخوذة”.
أما القسم الثاني فهو “معدات السلامة الفنية، مثل جهاز التأريض، عصا الفحص، عصا الفصل، طربوش السلامة، السلالم المخصصة للضغط العالي والمنخفض، بالإضافة إلى المصباح اليدوي”.
ويؤكد الربيعي، أن مجرد توفر هذه المستلزمات لا يكفي، بل يجب أن يتبعها تسلسل واضح من الخطوات الإجرائية التي يلتزم بها فريق الصيانة، وتبدأ هذه الخطوات بإطفاء المغذي الكهربائي المراد صيانته من المحطة الثانوية، ثم تفريغ الشحنات الكهربائية المتبقية، إضافة إلى التأكد من إطفاء المولدات الكهربائية في منطقة العمل، لضمان بيئة آمنة تحمي الأرواح والمعدات على حد سواء.
لكن كثيرا من متطلبات السلامة تلك وحتى الخطوات الاجرائية لا تجد طريقها للتطبيق، وهو ما تظهره الحوادث المتكررة، وتؤكده وثائق رسمية صادرة من جهات معنية يتم فيها المطالبة بتطبيق جملة متطلبات فنية واجرائية تعد أساسية لضمان سلامة الفرق العاملة.
وتكشف وثائق رسمية صادرة عن وزارة الكهرباء العراقية، عن حزمة من التوصيات الهادفة إلى تقليص الحوادث الناجمة عن الصعق الكهربائي، والتي غالباً ما يتعرض لها العاملون في فرق الصيانة الميدانية.
وبحسب الوثائق، شددت الوزارة على ضرورة تفعيل دور اللجان التفتيشية في الشركات العامة التابعة لها، مع منحها صلاحية تنفيذ زيارات مفاجئة لمواقع العمل ومحاسبة المقصرين عند رصد أي انتهاك لتعليمات السلامة المهنية.
كما دعت إلى الالتزام الكامل بتطبيق نظام (الأوشا) العالمي، ولاسيما الجزء المتعلق بإجراءات أوامر العمل والصيانة الدورية، وضرورة التأكد من الإطفاء التام للخطوط الكهربائية قبل المباشرة بأي عملية صيانة.
الوزارة في ذات الوثائق، أقرت بأن “الإطفاء الخاطئ” يعد السبب الرئيسي في غالبية حوادث الصعق، ما دفعها للتأكيد على وضع علامات تحذيرية على قواطع الدورة أثناء فتح أمر العمل، وعدم رفعها إلا بعد إكمال المهمة من قبل الشخص المخول بذلك، كما حصرت صلاحيات العمل على الشبكة الكهربائية بالأشخاص المؤهلين فقط، وبموجب تخاويل رسمية.
في جانب آخر، وجهت الوزارة بإصدار “شهادة فحص هندسي دوري” لكل الآليات والرافعات المستخدمة في أعمال الصيانة، ولا سيما تلك التي تستخدم لصيانة الشبكات الهوائية، على أن ترسل نسخة من نتائج الفحص إلى قسم السلامة للمتابعة.
وأكدت التوصيات ضرورة استخدام كامل معدات الوقاية الشخصية من قبل العاملين، مثل الأحزمة، القفازات، الخوذ العازلة، والأحذية المطاطية أو الجلدية، وعدم السماح لأي موظف بمباشرة العمل بدون هذه المستلزمات.
كما حملت التوصيات المسؤولين في الهرم الإداري، من رؤساء الفرق إلى مسؤولي الفروع، المسؤولية القانونية الكاملة في حال وقوع حادث بسبب التقصير أو الإهمال في تطبيق التعليمات.
الوزارة لم تغفل أيضاً أهمية تعزيز وسائل الاتصال، إذ شددت على ضرورة تجهيز فرق الصيانة بأجهزة اتصال لاسلكي، مع تسجيل كافة المحادثات لتوثيق التواصل أثناء العمل، محملة الشركات المتلكئة مسؤولية أي تقصير في هذا الجانب.
كما أوصت بإجراء فحوصات طبية دورية للعاملين للتأكد من قدرتهم الصحية على أداء مهامهم، ولا سيما في حالات الإصابة بأمراض مزمنة مثل الضغط، السكري أو أمراض القلب.
وفي إطار الفحوصات الطبية، تظهر وثائق رسمية صادرة عن المركز الوطني للصحة والسلامة المهنية في البصرة في 10 حزيران/يونيو 2024، وموجهة إلى الشركة العامة لتوزيع كهرباء الجنوب/قسم السلامة والفحص الهندسي، استعداد المركز لإجراء الفحوصات الطبية والمختبرية لمنتسبي الشركة مقابل أجور حكومية.
وبحسب الوثائق، شملت الفحوصات المقترحة: فحص السمع- فحص البصر- تحليل الادرار- نسبة السكر في الدم- فحوصات السموم- تخطيط القلب- قياس كفاءة الرئة، وتقدم هذه الفحوصات بأسعار رمزية تبدأ من 1000 دينار وتصل إلى 5000 دينار، مع تحمل الجهة الطالبة للفحص تكلفة المواد المختبرية والطبية المستخدمة، وكذلك أجور ومستلزمات الفحص.
كما بينت الوثائق أن للمركز صلاحية إصدار بطاقة صحية للعاملين برسم اتحادي مقداره 5000 دينار عراقي، على أن تتحمل الجهة الطالبة تكلفة الطباعة.
بناءً على ذلك وجه مدير الشركة العامة لتوزيع كهرباء الجنوب، كتاباً إلى معاونه، يطلب فيه تعميم الكتاب على فروع الشركة بهدف تنفيذ الفحوصات الدورية للعاملين، كونها جزءاً من استراتيجية السلامة المهنية المعتمدة.
لكن وعلى الرغم من وضوح هذه التعليمات، تكشف شهادات مهندسين وفنيين في بغداد، البصرة، ديالى، ذي قار، وواسط، أن غالبية هذه التوصيات لم تجد طريقها إلى التطبيق الفعلي، فما تزال فرق الصيانة تفتقر إلى معدات السلامة الكاملة، وأجهزة الاتصال اللاسلكي شبه معدومة، بينما تغيب الفحوص الطبية الدورية “المدعومة ماليا” عن العاملين.
تكشف شهادات مهندسين وفنيين ان التوصيات المتعلقة بسلامة العاملين، لا تجد طريقها للتطبيق، ففرق الصيانة تفتقر إلى معدات السلامة الكاملة، وأجهزة الاتصال اللاسلكي شبه معدومة، بينما تغيب الفحوص الطبية الدورية “المدعومة ماليا” عن العاملين
قلة وعي وتقليل من شأن المخاطر
في بيئة عمل معقدة بقطاع الكهرباء العراقي المتعثر، حيث يتم انتاج نحو 20 ألف ميغاواط مقارنة بحاجة فعلية تصل الى 62 ألف ميغاواط، والتي تضع ضغطاً مضاعفاً على محطات الانتاج وخطوط النقل، تؤدي الى أعطال متكررة، تتوالى حوادث العمل، حتى مع التوصيات الوزارية التي يفترض بالشركات تنفيذها.
وتعزو شيماء مظهر التميمي، مديرة الجودة والتطوير المؤسسي المركزي في وزارة الكهرباء، استمرار تسجيل الإصابات بين العاملين إلى ستة أسباب رئيسية، أبرزها: “التجاوزات على الشبكة الكهربائية، الربط العشوائي، ضعف الوعي بين بعض العاملين، الاندفاع والاستهتار أثناء العمل، ضعف التجهيز بالمعدات، وقلة الرقابة”.
وتلقي باللائمة في بعض حوادث العمل الى العاملين :”للأسف الشديد يعتقدون أن العمل بدون استخدام معدات السلامة، نوع من أنواع الشجاعة أو المهارة، الأمر الذي يزيد من مخاطر التعرض للصعق الكهربائي”، كما تشير إلى أن الأخطاء الفنية في مواقع العمل، خاصة أثناء تنفيذ المهام، تسهم هي الأخرى في وقوع الحوادث.
وتؤكد قيام أقسام السلامة، باعداد دراسات شهرية لحوادث العمل من أجل الوقوف عندها ومعالجتها، وهي ترسل إلى قسم “الجودة المركزي” في الوزارة بالتعاون مع الشركة العامة لفحص وتأهيل المنظومات الكهربائية، وبناءً على مخرجاتها تعقد اجتماعات دورية لبحث سبل المعالجة.
التميمي، قالت ان الوزارة تتخذ إجراءات للحد من الحوادث بما فيها نشر الوعي بالمخاطر ووسائل الأمان، وتدريب العاملين خصوصا عبر دورات خارج العراق “وتشديد المحاسبة ومعاقبة المقصرين، بما يشمل إدارات الشركات التي تسجل فيها وفيات نتيجة الحوادث”.
وبشأن “معدات الوقاية الشخصية والسلامة” تؤكد المسؤولة الحكومية قيام الوزارة بتوفيرها لكافة العاملين في أقسام الصيانة، مبينة انها تشمل: خوذة الرأس، النظارات الواقية، أغطية الأذن، القفازات العازلة، بدلات العمل، أحزمة الأمان أو أحزمة التعليق، وأحذية السلامة العازلة للكهرباء (Safety Shoes).
وتوضح أن تجهيز العاملين يتم مرة واحدة سنوياً، مع إمكانية التعويض عن الفقد أو التلف من الرصيد المخزني في حال توفره، وأن الاحتياج يحدد بناءً على “جرودات” تشترك في إعدادها أقسام السلامة والصيانة، مع اعتماد الشراء المباشر في حالات الطوارئ أو المشاريع غير المخطط لها مثل الحرائق والحوادث المفاجئة.
وعن كلف تجهيز عامل الصيانة بمعدات الوقاية الأساسية، تكشف التميمي، أن أسعار المعدات المستوردة تختلف، فالمعدات من ماركات عالمية رصينة وعالية الجودة تبلغ كلفتها نحو 1400 دولاراً، بينما تنخفض الكلفة إلى 900 أو 550 دولاراً بحسب مستوى الجودة، أما المعدات المتوفرة محلياً، فيبلغ متوسط كلفتها 350 دولاراً فقط، وهي في غالبها ذات جودة “مقبولة نوعاً ما”، على حد وصفها.
وتشير إلى أن الوزارة تعتمد بالدرجة الأولى على المناشئ الأمريكية والأوروبية، خصوصاً الألمانية، فيما برزت الصين كمصدر منافس مؤخراً، غير أن الوزارة لا تتعامل مع شركات بعينها، بل تعتمد على ما هو متوفر في السوق المحلي، وفق ضوابط الشراء الرسمية التي تلزم لجان المشتريات بالتقيد بأسعار التخمين، مع تفضيل العروض الأرخص.
وفي مجال المتابعة، تقول انها تتم عبر جولات ميدانية وتفتيشية، مع محاسبة المقصرين بعد إجراء تحقيقات رسمية في حال وقوع حوادث أو وفيات، وتكلف أقسام الجودة في الشركات بإجراء تدقيق فصلي على أقسام السلامة للتأكد من تطبيق المواصفات وفاعلية الإجراءات الوقائية.
نائب: تعاني مراكز الصيانة من نقص واضح في الكوادر، رغم وجود قوائم تظهر فائضاً كبيراً في الموظفين على مستوى الوزارة، وهو ما يعكس خللا في الإدارة وواسطات ومحسوبية
سوء الإدارة والمحسوبية
يعزو النائب كامل عنيد العكيلي، عضو لجنة الطاقة في مجلس النواب، تسجيل إصابات ووفيات في مراكز الصيانة إلى ضعف تطبيق القانون على العاملين بالوزارة، مع ضعف الزامهم باستخدام معدات السلامة.
ويشير الى وجود تخصيصات مالية لشراء معدات السلامة، دون تأكيد اذا ما كانت كافية لتغطية حاجة العاملين في هذا القطاع، مبينا أن أقسام السلامة في الشركات التابعة لوزارة الكهرباء هي المسؤولة عن متابعة تجهيز العمال بمعدات الوقاية وتطبيق معايير السلامة المهنية، ويجب ان يكون هناك مهندس مختص يشرف على فرق الصيانة ويتأكد من التزام العاملين بارتداء معدات السلامة. لكنه يعتقد بأن “محاسبة” الجهات المسؤولة عن أي تقصير بتجهيز فرق الصيانة، ماتزال غائبة.
ويرى العكيلي ان تعزيز ثقافة السلامة لدى العاملين في قطاع الصيانة الكهربائية يكون من خلال تكثيف دورات السلامة المهنية للموظفين والعالمين.
في تموز/يوليو 2024، وجه النائب محمد الخفاجي، انتقاداً حاداً لإدارة وزارة الكهرباء وبشكل خاص مراكز صيانة الكهرباء في البلاد، مؤكداً أن “سوء الإدارة والمحسوبية” يسيطران على عملها.
وقال: “تعاني مراكز الصيانة من نقص واضح في الكوادر، رغم وجود قوائم تظهر فائضاً كبيراً في الموظفين على مستوى الوزارة، وهو ما يعكس خللا في الإدارة وسوء توزيع للموارد البشرية، فضلاً عن تأثير الواسطات والمحسوبية.”
كما ينبه الى أن “الفساد والمحاباة” يحرمان الكثير من الكوادر من الامتيازات والمكافآت المستحقة، ويحذر من أن هذا الواقع “يتطلب معالجة عاجلة لضمان عدالة التوزيع وتحسين بيئة العمل”.
مسؤول قسم السلامة والإطفاء الأسبق في قطاع مدينة الصدر ورئيس اللجان النقابية لعمال الكهرباء، رحيم الفريجي، ينبه بدوره الى “غياب المحاسبة” لمن لا يرتدي معدات السلامة أثناء العمل، ويشير إلى ضعف المتابعة الى جانب عدم التزام العاملين.
ويشير الى أوجه أخرى من غياب المحاسبة والرقابة: “هنالك فساد مستشر في هذا الملف، إذ تُشترى بدلة العمل بسعر 10 آلاف دينار وتسجل بسعر 40 ألفاً، دون أن تخضع لأي فحص أو رقابة”.
ويوضح الفريجي، أن الكهرباء في العراق تقسم إلى محطات إنتاج ونقل وتوزيع، وأن دوائر الإنتاج هي التي توفر المعدات، بينما تقع حوادث الصعق غالباً في دوائر التوزيع، وتحديداً في أقسام الصيانة، حيث لا يلتزم العديد من العاملين بارتداء المعدات، إلى جانب أخطاء فنية مثل إعادة تشغيل الخطوط أثناء أعمال الصيانة، وفقا لما ذكر.
كما يلفت الموظف المتقاعد إلى أن المهندسين، وهم الكوادر المتقدمة ذات الخبرة:”لا يرافقون العاملين إلى الميدان لمراقبتهم أو الإشراف عليهم”، مشيراً إلى أن “عمال الصيانة غالباً ما يكونون من غير المتعلمين ويعملون دون إشراف أو متابعة”.
ويؤكد الفريجي، أن بعض العاملين الذين تعرضوا لإصابات أو فقدوا حياتهم نتيجة حوادث الصعق كانوا يعملون بعقود مؤقتة أو بأجور يومية، وبالتالي لم تكن لهم أي حقوق تضمن تعويضهم أو رعاية أسرهم.
حقوق العامل المصاب وعائلته
على الرغم من أن قانون العجز الصحي للموظفين رقم (11) لسنة 1999 رسم بصورة واضحة حقوق الموظفين المصابين أثناء العمل وآليات تعويضهم، إلا أن متخصصين في القانون يرون أن تطبيق هذه النصوص ما يزال يواجه عقبات إدارية وإجرائية تحرم بعض المتضررين من حقوقهم.
وتنص المادة (7) من القانون على منح الموظف الذي يتعرض لإصابة عمل تؤدي إلى عجز دائم تقل نسبته عن 65% مكافأة تعويضية، تحتسب وفق نسبة العجز وراتبه الشهري وقت الإصابة.
كما تلزم المادة (9/أولاً) الدائرة التي يعمل فيها الموظف المصاب باتخاذ سلسلة من الإجراءات فور وقوع الحادث، تشمل إبلاغ مركز الشرطة، وتشكيل لجنة تحقيق إدارية تضم موظفاً قانونياً لتحديد ما إذا كانت الإصابة إصابة عمل وتحديد المسؤولية عنها.
وتلزم المادة ذاتها بإرسال أوراق التحقيق والتقرير الطبي إلى دائرة التقاعد عند مطالبة المصاب أو ذويه بالتعويض أو الحقوق التقاعدية.
في المقابل، تحدد المادة (11/أولاً وثانياً) الحالات التي يفقد فيها الموظف حقه في التعويض، ومنها تعمد إلحاق الأذى بنفسه، أو مخالفة متعمدة لأنظمة السلامة المهنية، أو ارتكاب خطأ جسيم.
أما في حال وفاة الموظف نتيجة إصابة العمل، فتنص المادة (6/أولاً/د) على تخصيص راتب تقاعدي لعياله يُحتسب كما لو كانت نسبة العجز 100%، على ألا يقل عن 90% من آخر راتب كان يتقاضاه قبل وفاته، وفقاً لأحكام قانون التقاعد المدني الخاصة بتقاعد العائلة.
ورغم هذه الضمانات القانونية، فإن عائلة موظف الكهرباء أحمد جعفر، الذي توفي صعقاً بالكهرباء أثناء أداء واجبه الوظيفي، لم تحصل على أي تعويض حتى الآن، فيما لا تزال معاملته التقاعدية عالقة بين الدوائر الحكومية بعد مرور عام على الحادث.
يقول ابنه مقتدى: “انهارت حياتنا بعد وفاة والدي، وأصبحت مسؤولاً عن إعالة أسرة من خمسة أفراد لا تملك أي مصدر دخل ثابت”. ويطالب وزارة الكهرباء بتحمل مسؤولياتها القانونية والإدارية وتعويض العائلة عن الأضرار التي لحقت بها جراء الحادث.