

باتَ واضحاً أن غالبية المؤسسات الإعلامية في العراق اليوم، تسير في ركب السلطة والسياسيين، وتمثل آراءهم وتوجهاتهم، بدلاً من أن تكون رقيبةً عليهم وصوتاً للحقيقة وطريقا للتنبيه والتثقيف والاصلاح.
إلى جانب المؤسسات التابعة للسلطة والأحزاب مباشرةً، والتي تنطق باسمها رسمياً، والتي تشتهر بخطابها الإعلامي – الدعائي الموجه وبتحويل منصاتها من فضاء حر إلى منبر سياسي أو حزبي خالص، بكل ما يقتضيه ذلك في العادة من تحريف للوقائع والحقائق، ظهرت أنماط أخرى لا تقل دعائية عن سابقاتها وان تغلفت بالاستقلالية والمهنية وظهرت كغير خاضعة للقيود وناقلة لمختلف الآراء.
بعض هذه المؤسسات ترفع شعارات المهنية والموضوعية، وهي في حقيقتها لسان حال طرف سياسي بعينه، توظفها لأهدافها لكن بلغة ونمطية عرض أخرى، وبعضها ترفع عناوين الحياد والاستقلالية بينما تتلقى تمويلاً من أطراف متنفذة، وبعضها الآخر تتقنّع بقناع المعارضة الحرة الراعية لتعدد الرؤى، لتقع في نهاية المطاف في الفخ ذاته، فخ الاصطفاف الحزبي.
القاسم المشترك بين هذه الأنماط جميعاً أن أسلوب صياغة أخبارها يسير دائماً في اتجاه “متطلبات خطاب الممول” فتمضي الى الهجوم او الدفاع، المباشر أو غير المباشر، وحتى المدح أو الذم، شاءت أم أبت، لا لشيء إلا لخدمة مصالح الجهة الراعية.
بهذا يخرج عملها عن إطار قواعد الإعلام كمهنة والصحافة كأسس وقيم وأخلاق، ليتحول إلى امتداد مباشر لمشروع سياسي أو اجتماعي بعينه. فهي لا تُدار من داخل غرف التحرير، بل تُوجَّه من منصات بعيدة كل البعد عن العمل الإعلامي الحقيقي، ولأغراض لا صلة لها بأهداف الصحافة الحقيقية. هي تُستخدم كبوابة أو أداة للتأثير على الرأي العام وتشكيله على حساب قيم الإعلام الأصيل ومصالح المحكومين.
فهي تنتقي أخبارها، وتصيغها وتحررها وفق أولويات ومصالح ممولِيها، وتتحاشى كل ما من شأنه الإضرار بهم، وإن بدت أحياناً ناقدةً لهم فلا يعدو ذلك كونه مناورةً مقصودة لإيقاع الجمهور في وهم الموضوعية والتضليل عن سابق علم وإصرار.
الخطير في الأمر أن هذا النوع من الإعلام لم يعد ظاهرةً هامشية، بل بات يترسّخ في المجتمع ويوسّع دائرة تأثيره يوماً بعد يوم، في ظل سعي حثيث لتقديمه للناس باعتباره إعلاماً حقيقياً ومهنياً رصيناً. ولا مبالغة في القول إن هذا التزييف يُمثّل واحداً من أشد التهديدات خطورةً التي تواجهها مهنة الصحافة في عصرنا.
لفهم هذه الظاهرة، ينبغي أن نفرق بين أمرين: فالنظرة السياسية إلى الإعلام تختلف جذرياً عن ماهية الإعلام في حد ذاته. السلطة والسياسيون لا يريدون من الإعلام إلا أن يكون مرآةً جميلة لصورتهم، وبريداً خدوماً لإيصال رسائلهم إلى الناس بأجمل صياغة ممكنة.
في المقابل، فإن الرسالة الأبرز للإعلام الحقيقي، تكمن في التنبيه للعيوب والأخطاء، وكشف الفساد ومساءلة السلطة عبر التقارير الصحفية والتحقيقات الاستقصائية الجادة، بما يُفضي إلى محاسبة المقصِّرين وإقالة الفاسدين، كما هو معهود في المجتمعات الديمقراطية الراسخة.
والمقلق أن هذا النمط من الإعلام بات يهيمن بصورة أو أخرى على المشهد الإعلامي في إقليم كردستان وسائر أنحاء العراق، بل يمتد تأثيره ليشمل بلدان العالم، لولا وجود بعض المصدات الاعلامية الحرة الى جانب المؤسسات الديمقراطية التي تمنع الانحراف الكامل.
وتكمن خطورة هيمنة وسائل الاعلام هذه، خاصة على شعوب المجتمعات النامية، في قدرتها على التأثير السلبي العميق في الجمهور، ونجاحه في تمرير الرسائل السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي أُسِّس أصلاً من أجل ترويجها.
هذا “الإعلام السائد” أو Mainstream Mediaبما يملكه من إمكانات مادية ضخمة تمكنه من الاستحواذ على الساحة والهيمنة على الخطاب العام، يستدعي من الصحفيين الحقيقيين، بذل جهود جادة ووضع رؤى منهجية لتوعية المتلقين وتعزيز وعيهم النقدي، حتى لا يجدوا أنفسهم رهينة خطاب إعلامي ممول بمال سياسي سخي، يسوق لرؤى تهدد فرص بناء مجتمع صحي وبلد متقدم.
في خضم هذا المشهد، تقع على عاتق الصحفيين المهنيين مسؤولية مضاعفة؛ إذ إن تخليهم عن الساحة أو غيابهم عن أداء دورهم الرقابي يعني عملياً أنهم يتركون الميدان لمن ينتسبون دون استحقاق إلى هذه المهنة النبيلة، ويواصلون مسيرة الإعلام الموجَّه تحت غطاء من الاحترافية المزيفة.
المزيد عن آراء
آراء
آراء","field":"name"}],"number":1,"meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":34478}" data-page="1" data-max-pages="1" data-start="1" data-end="1">






