قصص: “عمل ورزق وأمل”.. الموسم المطري الاستثنائي ينعش تجارة الأعشاب البرية في سوق النساء بدهوك

“عمل ورزق وأمل”.. الموسم المطري الاستثنائي ينعش تجارة الأعشاب البرية في سوق النساء بدهوك

عادت الحياة الى سوق النساء في مدينة دهوك، بعد سنوات من الجفاف القت بتداعياتها على السوق الذي تباع فيه الأعشاب والحشائش البرية التي تأتي من الجبال والسهول القريبة، وحيث اعتادت نساء بملابسهن الكردية افتراش الأرض وهن يعرضن بضاعتهن.

السوق الصغير الذي لا يعد عن كونه ممراً ضيقاً بعرض ثلاثة امتار يؤدي الى السوق القديم في المدينة، وتحديدا الى جوار جامعها الكبير، ينشط في المواسم المطيرة خاصة خلال أشهر الربيع وأوائل الصيف، بعرض أصناف مختلفة من الأعشاب التي يقبل على شرائها محبوا النباتات البرية.

في السنوات الخمس المنصرمة، عانت النساء اللواتي ينشطن في السوق ويعرضن بضاعتهن القادمة من قرى كردستان، من صعوبات في تأمين الأعشاب التي اعتدن على بيعها، بسبب الجفاف الذي أثر بنحو كبير على نمو النباتات الطبيعية. لكن العام الحالي كان مثاليا بعد موجات متوالية من الأمطار الغزيرة التي شهدتها كل مناطق الإقليم، معيدة الحياة إلى مساحات واسعة من الأراضي السهلية والجبلية، التي شكلت لسكان القرى مصدر فرح وفرصة ربح.

Image

“كل شيء متوفر هذه السنة” تقول (خ.ا) بينما تعدل جلستها وهي تشير الى خمسة اصناف من الأعشاب والحشائش تعرضها للبيع، وهو أمر استثنائي في شهر حزيران يونيو من كل عام، حيث تقل الأصناف المعروضة في السوق.

تضيف السيدة:”السهول وسفوح الجبال كلها كانت مكسية بغطاء كثيف من النباتات البرية. حتى منتصف الشهر الماضي كانت الاجواء ربيعية ومناسبة لنمو بعض الأعشاب التي يحرص الكثيرون على تناولها في وجباتهم المختلفة”.

لا يقبل رواد السوق على تلك الأعشاب من اجل التلذذ بمذاقها المميز، ولا بسبب ما تحويه من فوائد طبية فقط، بل أيضا كونها تشكل جزءاً من الموروث الغذائي والطبي لسكان الإقليم، وتدخل ضمن محتويات بعض أشهر الاكلات الشعبية الكردية.

وهذه الأسباب وفرت لمجموعات من النساء فرص عمل موسمية، بعضهن في جمعها من الجبال والسهول الخضراء وتنظيفها وبيعها لأخريات يقمن بعرضها في الأسواق، ما يساهم في تحسين دخل الكثير من الأسر، خاصة تلك التي تعيلها نساء.

تقول حسيبة صالح (72 عاماً)، التي ورثت تلك المهنة عن والدتها، إن الموسم الحالي كان مميزاً بأمطاره التي زادت من كميات الأعشاب ومن سهولة الحصول عليها مقارنة بالسنوات الماضية، ومعه “زادت أرزاقنا بحمد الله”.

حسيبة التي تحرص، في هكذا مواسم، على التواجد منذ ساعات الصباح الأولى والى المساء في السوق، الذي تعده مصدر “رزق وفرح”، تقول انها تفتقده كثيرا حين لا تستطيع القدوم وأخذ مكانها، مشيرة الى ان ما يسعدها ليس الربح فقط بل الأحدايث التي تتبادلها مع رفيقاتها.

تضيف السيدة، وهي تنظر الى السماء الغائمة: “ننتظر المطر يوما بعد آخر، لأنه يعني الحياة للأرض وللناس. عندما يكون المطر غزيرا تتنفس الأرض وتنمو الأعشاب في كل مكان، ويسهُل علينا جنيها، فتتحسن أحوالنا، أما في سنوات الجفاف فنقضي ساعات طويلة بحثاً عنها في الوديان ولا نجد الا القليل منها”.

22222

أمطار 2026 تسجل أرقام قياسية

وشهد موسما الشتاء والربيع لعام 2026 معدلات هطول عالية، انعكست على نمو الغطاء النباتي وانتشار الأعشاب البرية. ووفقاً لبيانات وزارة الزراعة والموارد المائية في إقليم كردستان، سجلت محافظة حلبجة 1053 ملم من الأمطار، تلتها السليمانية بـ1038 ملم، ثم دهوك بـ861 ملم وأربيل بـ 674 ملم.

وبمقارنة تلك الأرقام مع معدلات التساقط السنوية يظهر تضاعفها لعدة مرات في الموسم الحالي، إذ ارتفعت كمية الأمطار في دهوك من 176.3 ملم عام 2024 إلى 303.1 ملم عام 2025، ثم إلى 861 ملم خلال الموسم الحالي، ما ساهم في اتساع المساحات الخضراء وزيادة الأعشاب والحشائش التي يعتمد عليها سكان القرى، ولا سيما النساء العاملات في جمعها وبيعها.

Image

خبرة متوارثة في معرفة الأعشاب

وتملك العاملات في السوق خبرة واسعة عن مختلف الأعشاب والحشائش التي يعرضنها، وفترات نموها، وخصائصها الغذائية والصحية، واستخداماتها المختلفة في الأكلات الكردية والشرقية عموما.

تقول نجاة عمر (69 عاماً) إنها تعلمت منذ صغرها التمييز بين النباتات من خلال شكل الأوراق والرائحة، ومعرفة الأنواع المطلوبة للطهي أو المستخدمة في الوصفات الشعبية المتوارثة، والأنواع الأخرى التي يتم تجفيفها وبيعها من قبل العطارين.

وتضيف أن كثيراً من الناس ما زالوا يقبلون على هذه النباتات، لما يارتبط بها من فوائد صحية وعادات غذائية متجذرة في المجتمع، وهو ما حافظ على حضورها في البيوت جيلاً بعد جيل “البعض يرغب بها في مواسم نموها، وآخرون يحرصون على تجميدها لتناولها في المواسم اللاحقة”.

وتشكل المعرفة الدقيقة بأنواع تلك الأعشاب، وطرق تناولها أو استخدامها، جزءاً من التراث غير المادي لسكان المنطقة، إذ تنتقل من جيل إلى آخر عبر الممارسة اليومية والخبرة الميدانية، وفق ما تقوله المهندسة الزراعية زهرة فتحي.

وتضيف المهندسة التي تحرص على زيارة السوق بشكل متكرر خاصة في أشهر الربيع، ان النساء العاملات في السوق يساهمن في الحفاظ على هذا الإرث من خلال “تعليم الأبناء والأحفاد أسماء النباتات وطرق استخدامها ومواسم جمعها، الأمر الذي يساعد على استمرار العلاقة التقليدية بين الإنسان والبيئة الطبيعية في المناطق الريفية”.

3333333

صعوبات رغم وفرة الموسم

رغم وفرة الأعشاب هذا العام، تواجه النساء صعوبات في الوصول إلى بعض مناطق نموها بسبب تحول الطرق الترابية إلى مسارات طينية بعد الأمطار. تقول حسيبة صالح، إن بعض الأيام حيث ترتفع مياه الجداول التي تقطع الطرق وتصعب الحركة في الأودية والمنحدرات، يتطلب الوصول إلى مواقع الجمع وقتا أطول من الوقت الذي يستغرقه جمع النباتات نفسها.

كما تواجه بعض النساء تحديات في تسويق منتجاتهن، إذ لا توجد محال متخصصة لبيع الأعشاب، بل يتم البيع في أماكن مكشوفة على الطرق أو في أسواق بلا أسقف وتفتقر إلى المظلات، ما يجعل الأجواء الماطرة عائقاً أمام عملية البيع رغم دورها الأساسي في زيادة الإنتاج.

ومع صعوبة الوصول إلى بعض المواقع خاصة الجبلية حتى تكثر الاعشاب، تصبح عملية الجمع أكثر صعوبة وهنا تعتمد على التعاون الأسري. تقول خزال عيسى (70 عاماً) إن أبناءها وأحفادها يساعدونها في جمع الأعشاب ونقلها بسبب وعورة الطرق وبعد المسافات، وهي بشكل خاص تتولى تنظيفها وبيعها.

ولا تقتصر حلقات العمل في مجال الحشائش البرية والأعشاب الطبيعية، على بيعها طازجة في فترة نموها القصيرة التي لا تمتد لأكثر من ثلاثة أشهر، بل تعمل نساء أخريات داخل المنازل على تنظيفها وتجفيفها وتجهيزها للبيع للعطارين، ما يوفر دخلاً إضافياً يمتد إلى ما بعد انتهاء موسم الربيع.

ورغم التحديات المرتبطة بالجمع والنقل في بيئة جبلية وعرة، والتسويق بما يتطلبه من جلوس لساعات في انتظار المشترين، ترى العاملات في هذا المجال أنه يوفر لهن دخلاً جيداً خلال أشهر الربيع، خاصة للأسر ذات الدخل المحدود.

ويعد هذا النشاط التجاري الصغير، بالغ الأهمية للأسر التي لا تملك معينا، إذ لا يحتاج إلى رأس مال، ويعتمد بصورة أساسية على الجهد والخبرة والمعرفة بالمناطق الطبيعية التي تنمو فيها تلك النباتات البرية.

Image

مورد مهم للأسواق المحلية

وتشكل الأعشاب التي يجمعها سكان المناطق الريفية مصدراً مهماً لتزويد محال التوابل والأعشاب في دهوك ببعض حاجاتها. يؤكد ذلك محمد حسن، صاحب محل لبيع التوابل، قائلا ان المنتجات المحلية تحظى بإقبال واسع لجودتها ونكهتها المميزة.

ويوضح، حسن الذي يحرص على التعامل بشكل خاص مع النساء اللواتي يبعن تلك المنتجات، أن هناك اقبالا جيدا عليها، لكنهم يواجهون مشكلة تذبذب الكميات من موسم الى آخر حسب نسب الأمطار التي تهطل وظروف الموسم.

ويقول سكان القرى الحدودية مع تركيا، ان الظروف الامنية كانتشار الجيش التركي في مناطقهم واتخاذها مواقع عسكرية، يؤثر على الكميات التي يمكنهم جمعها، كون الجيش يمنع القرويين من الاقتراب من مساحات جبلية واسعة.

الوفرة تحدد الأسعار

تختلف أسعار الأعشاب بحسب ندرتها وسهولة أو صعوبة الوصول إليها. توضح “خزال” ذلك بالقول ان اعشاب محلية مثل «سيبسك» و«ليش» و«سورياز» و«هه كه دان» قد يصل سعر الكيلوغرام الواحد منها إلى 14 ألف دينار في بداية الموسم، ثم تنخفض في ذروة نموها إلى نحو 8 آلاف دينار مع زيادة المعروض.

أما نبات “الكعوب”، الذي تحرص الكثير من العوائل على تناوله في الربيع وخزنه مجمدا لاستخدامه في الأشهر اللاحقة، فيبدأ سعره بنحو 10 آلاف دينار للكيلوغرام ثم يتراجع إلى ما 3 أو 4 آلاف دينار مع ذروة الانتاج والتسويق. وتشير إلى أن وفرة الامطار هذا العام ساهمت في استقرار الأسعار مع حصول انخفاض معقول في العديد من الأعشاب.

وغالبا ما لا تؤثر استيراد بعض الأعشاب مثل نبات “الكعوب” على اسعار المحلية منها، كما يقول محمد صالح جميل، صاحب محل لبيع الخضروات “نعم بعض الأصناف يتم استيرادها من تركيا وإيران لسد حاجة السوق المحلية، خصوصاً الأنواع التي لا تكفي الكميات المنتجة محلياً لتغطية الطلب عليها، لكن يظل الطلب على المحلية أكبر لأنها تتميز بطعمها”.

Image

موسم استثنائي يوسع مشاركة النساء

مع موسم مطري استثنائي شهده اقليم كردستان، ازدادت أعداد النساء العاملات في مجال جمع الأعشاب وبيعها. تقول “نجاة عمر” بينما تنظف باقة عشب بخفة وتضعها في كيس، إن بائعات الأعشاب قرب الجامع الكبير في دهوك، لم يكن يتجاوزن خمس نساء يتواجدن بشكل دائم في السوق خلال المواسم السابقة، بينما تضاعف العدد هذا العام، وهناك نساء يفضلن البيع خارج السوق بسبب الزحام فيه.

وتشير الى ان هناك نساء كثر يبعن مايجمعنه من أعشاب لأصحاب محلات الخضروات بأسعار أقل، ولا يقمن بأنفسن بالبيع بسبب التزاماتهن العائلية، وهناك من يقمن بالبيع قرب مناطق تواجدهن في القرى ويتجنبن التوجه الى السوق.

يعكس تزايد النساء المنخرطات في هذا الحقل من العمل، أهمية جمع الأعشاب كمصدر دخل للأسر ضعيفة الدخل في ظل التحديات الاقتصادية، حيث شجعت وفرة الأمطار وكثرة كميات النباتات البرية مزيداً من النساء على دخول هذا النشاط الموسمي وتحقيق دخل يساعد في تلبية بعض احتياجات عائلاتهن.

Image

ويقول أصحاب محال تجارية، أن الإقبال على الأعشاب المحلية يزداد خلال المواسم المطرية الجيدة، ليس بسبب انخفاض أسعارها نتيجة وفرة كمياتها فقط، بل أيضاً نتيجة نوعيتها المفضلة للمستهلكين، فهم يرغبون في شراء المنتجات الطبيعية الطازجة التي يتم جمعها من البيئة المحلية النظيفة، مقارنة بالمستوردة التي تستخدم في انتاجها الأسمدة الكيمياوية.

كما تساهم هذه الحركة التجارية الموسمية في تنشيط الأسواق الشعبية وخلق فرص عمل غير مباشرة مرتبطة بالنقل والتجفيف والتخزين والتسويق. وذلك ما يجعل الأعشاب البرية أكثر من مجرد مورد طبيعي موسمي، فهي تمثل فرصة اقتصادية مهمة للعديد من الأسر، خاصة النساء اللواتي يجدن في هذا النشاط وسيلة للمساهمة في تأمين بعض متطلبات معيشتهن.

الأمطار التي أعادت الحياة إلى جبال وسهول كردستان، ودعمت الغطاء النباتي، وساهمت في فيضان الجداول وملء السدود بالمياه وتعزيز الفرص السياحية، أعادت أيضاً الأمل للكثير من العاملات في هذا المجال بأن تستمر المواسم الممطرة في السنوات المقبلة، لما تحمله من فوائد بيئية واقتصادية واجتماعية ممتدة.

المزيد عن قصص

Stories

قصص","field":"name"}],"number":1,"meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":34465}" data-page="1" data-max-pages="1" data-start="1" data-end="1">