آراء: توم براك في بغداد بصفة رسمية… قصة أمريكية جديدة تثير الشارع العراقي

توم براك في بغداد بصفة رسمية… قصة أمريكية جديدة تثير الشارع العراقي

مع كل حديث عن توم براك المبعوث الرئاسي الأمريكي الى العراق، تبرز الحالة التي قاد بنفسه صناعتها تجاه الكُرد، حيث تجاهل براك أكراد سوريا، حين أعلن أن دور قوات سورية الديمقراطية (قسد) انتهى مع انتهاء تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، في كانون الثاني/يناير من هذا العام، بعد شراكة دامت سنوات، ركّز خلالها سلفُه جويل ريبورن على الشراكة مع قسد على الرغم من المعارضة التركية الشديدة، بينما صبّ باراك تركيزه على تعزيز حكومة المركز في دمشق.

في 31 من أيار/ مايو 2026 أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تعيين السفير الأمريكي لدى تركيا، مبعوثا رئاسيا خاصا للعراق وسوريا، بجانب منصبه في أنقرة. رجل الأعمال الأمريكي ذو الأصول اللبنانية، توماس برّاك، الذي يعرف اختصاراً بتوم براك، هو أحد كبار الأثرياء وأقرب أصدقاء الرئيس ترامب، وله علاقات قديمة في الشرق الأوسط، إذ عمل لسنوات في السعودية، وله علاقات بالعديد من دول الخليج.

لماذا براك؟

لا يُعد براك مجرد مبعوث آخر إلى سوريا أو العراق، بل يبدو أنه يمثل نظرية مختلفة حول كيفية تنظيم المنطقة وادارة الصراعات فيها وبناء العلاقات وفرض المطالب.

يعكس صعود براك تحولاً في السياسة الإقليمية في عهد ترامب، من التركيز على الجهات الفاعلة المستقلة أو الصغيرة، حجما او قدرة، إلى التركيز على الدول المركزية القوية والأطراف الفاعلة صانعة القرار، من خلال التعاون بشكل مباشر معها، كما قال في تغريدته على منصة اكس، في وقت رسخ براك نفسه سياسة “إهمال جهات أو كيانات أخرى أقل تأثيراً وثراءً ومركزية”، إذ تعطي سياسة ترامب التي ينفذها المبعوث براك أهمية كبيرة للتعاون الوثيق مع حكومة الشرع في سوريا، و الحكومة العراقية الجديدة بقيادة رجل الأعمال علي الزيدي، بينما يتجاهل الفواعل السياسية الأصغر.

لا يمكن، بأيّ حال، الحديث عن توم براك دون المرور على الحالة التي قاد بنفسه صناعتها تجاه الكُرد، حيث تجاهل براك أكراد سوريا، حين أعلن أن دور قوات سورية الديمقراطية (قسد) انتهى مع انتهاء تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، في كانون الثاني/يناير من هذا العام، بعد شراكة دامت سنوات، ركّز خلالها سلفُه جويل ريبورن على الشراكة مع قسد على الرغم من المعارضة التركية الشديدة، بينما صبّ براك تركيزه على تعزيز المركز في دمشق.

وعلى غرار سوريا، يبدو أن المبعوث الأميركي يسلك المسار نفسه مع العراق، خصوصاً في ملفَي الفصائل المسلحة المقرّبة من إيران، وإقليم كردستان العراق.

في الأشهر الأخيرة، حثت واشنطن العراق على نزع سلاح الفصائل المقرّبة من إيران والتي نفذت عمليات عسكرية دعما لطهران خلال الحرب الأخيرة، ويندرج أغلب عناصرها ضمن هيئة الحشد الشعبي. كما ربطت استمرار الدعم الأمريكي باستبعاد هذه الفصائل وأجنحتها السياسية من الحكومة الجديدة.

وبخصوص الكرد في العراق، أدلى براك بتصريحات ناقدة مفادها أن الإقليم لا يريد أن يكون جزءًا من العراق الاتحادي، في إشارة إلى حلم الاستقلال، وكيف أنه كان يخلق عقبات باستمرار أمام المركز في بغداد، ولم يكن متعاونا معه.

اعادة تجربة سوريا في العراق

وعلى غرار سوريا، يبدو أن براك يسلك المسار نفسه في العراق، ولكن بأدوات مختلفة. ففي الوقت الذي يدفع فيه باتجاه دمج قوات سوريا الديمقراطية ضمن مؤسسات الدولة السورية ورفض أي صيغة للحكم الذاتي أو الفيدرالية، يبدو أن مقاربته للعراق تنطلق من فكرة مشابهة تقوم على تعزيز سلطة الدولة المركزية وتقليص نفوذ الجهات المسلحة أو السياسية التي تمتلك مصادر قوة مستقلة عن بغداد. ومن هذا المنطلق، يصبح ملف الفصائل المسلحة الموالية لإيران، وكذلك العلاقة بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان، جزءاً من رؤية أوسع لإعادة ترسيخ سلطة الدولة المركزية.

وتنسجم تصريحات براك الأخيرة مع هذا التوجه. ففي تعليقه على قرار الفصائل المسلحة إعادة أسلحتها إلى الدولة العراقية، وصف الخطوة بأنها تمثل “حجر الأساس” لسيادة عراقية متجددة واستقرار دائم. ولم يقتصر الأمر على الترحيب بالإجراء الأمني، بل قدمه باعتباره بداية لعملية إعادة بناء الدولة العراقية نفسها.

ويكشف هذا الموقف عن رؤية تمنح الأولوية لاحتكار الدولة للسلاح وتعزيز سلطة المؤسسات المركزية، باعتبارهما المدخل الرئيسي لتحقيق الاستقرار وتقليص نفوذ القوى المسلحة المرتبطة بإيران.

قد لا يكون السؤال المطروح هو هل براك مؤيد أم معارض للكرد؟ بل هل ستترك الرؤية التي يحملها للمنطقة، مساحة كافية لاستمرار نماذج الحكم الذاتي والفيدرالية التي نشأت خلال العقدين الماضيين؟

وفيما يتعلق بإقليم كردستان، فقد أثارت تصريحات براك بشأن الفيدرالية والعلاقة بين أربيل وبغداد جدلاً واسعاً. ففي إحدى مقابلاته، اعتبر أن المركزية واللامركزية والفيدرالية كلها “أوهام” تصنعها الحكومات، كما أشار إلى أن إقليم كردستان لا يبدو راغباً في أن يكون جزءاً من عراق اتحادي بالشكل الذي ينص عليه الدستور. ورغم أن هذه التصريحات لا تعني بالضرورة معارضة مباشرة لوجود الإقليم أو الدعوة إلى تقليص صلاحياته، إلّا أنها تعكس نظرة سياسية تمنح الأولوية للدول المركزية القوية على حساب ترتيبات الحكم اللامركزي أو المشاريع السياسية التي تستند إلى قدر كبير من الاستقلالية.

وتوحي تصريحات براك بأنه ينظر إلى العلاقة بين أربيل وبغداد من زاوية ترى أن الإقليم لم يكن شريكاً متعاوناً بشكل كافٍ مع الحكومة الاتحادية، وأن النزعة الاستقلالية الكردية ظلت عائقاً أمام بناء دولة عراقية أكثر مركزية.

ومن هذا المنظور، قد لا يكون السؤال المطروح هو هل براك مؤيد أم معارض للكرد، بل هل ستترك الرؤية التي يحملها للمنطقة، مساحة كافية لاستمرار نماذج الحكم الذاتي والفيدرالية التي نشأت خلال العقدين الماضيين؟

فبينما تنظر واشنطن اليوم إلى تقوية بغداد بوصفها أداة للحد من النفوذ الإيراني، يظل من غير الواضح كيف يمكن تحقيق ذلك من دون إعادة طرح أسئلة قديمة بشأن التوازن بين سلطة المركز وصلاحيات إقليم كردستان.

حزمة واحدة

ومن النقاط الحاسمة الأخرى أن براك ينظر إلى منطقة الشرق الأوسط كحزمة متكاملة يجب التعامل معها بشكل جماعي بغض النظر عن الدول أو الجماعات المختلفة المعنية، وذلك من خلال تكليفه بإدارة السفارة الأمريكية في تركيا، ومهمته الجديدة القديمة، كمبعوث رئاسي أمريكي خاص إلى سوريا والعراق، ومن خلال هذه الأدوار يسعى أيضاً إلى تقويض الهيمنة الإيرانية وتلاعبها في المنطقة، وذلك عبر خطة واحدة متكاملة.

ينظر براك إلى الشرق الأوسط على أنها “مجموعة من القبائل والقرى التي جرى تقسيمها إلى دول قومية بصورة مصطنعة بعد اتفاقية سايكس-بيكو” عام 1916.. وان ادارة ذلك التنوع يحتاج الى سلطة مركزية قوية

وتنعكس هذه الرؤية أيضاً في الطريقة التي ينظر بها براك إلى الشرق الأوسط نفسه؛ ففي أحد تصريحاته وصف براك منطقة الشرق الأوسط بأنها “ليست سوى مجموعة من القبائل والقرى التي جرى تقسيمها إلى دول قومية بصورة مصطنعة بعد اتفاقية سايكس-بيكو” عام 1916. وهذه الرؤية الاختزالية تقترب من القراءة الاستشراقية التقليدية للمنطقة، والتي تميل إلى تفسير الصراعات السياسية من خلال الانقسامات العشائرية والإثنية أكثر من تركيزها على تطور مؤسسات الدولة والحركات الوطنية الحديثة.

ومن هذا المنطلق، يمكن فهم تفضيل براك المتكرر للسلطات المركزية القوية باعتبارها الأداة الوحيدة القادرة على إدارة هذا التنوع ومنع تفكك الدول، وتشكيكه في النظام الفيدرالي/الحكم الذاتي تنبع من هذه الفكر.

وستذهب بنا آراء توم براك، الذي قد يصفه البعض بلورنس العرب الجديد، المثيرة للاهتمام وشخصيته العملية والصريحة للغاية إلى تطورات جديدة سريعة في الشرق الأوسط، لا سيما مع نظرته الاستشراقية، حيث يرى أنه من الأسهل التعامل مع الملوك أو الأمراء أو الحكام الأقوياء بدلاً من التعامل مع مجموعات مجتمعية مستقلة ومتعددة ومتنوعة وفريدة من نوعها.

بالمحصلة، لن يكون براك سوى مسؤول أميركي آخر عن الملف العراقي، لكنه هذه المرة، مسؤول يختلف عن سابقيه “بشدة صراحته”، وبانتقاده طروحات عملت بلاده على تسويقها إلى شعوب المنطقة لعقود ماضية، وبوقوف رئيس مختلف هو الآخر خلفه، إذ لا يمكن بأي حال، مقفارنة ترامب الذي ينتقد الحروب ويشنها، ويطلق تصريحاً ونقيضه، بأيٍّ من أسلافه.

المزيد عن آراء

آراء

آراء","field":"name"}],"number":1,"meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":34421}" data-page="1" data-max-pages="1" data-start="1" data-end="1">