تقارير إخبارية: الفساد الذي عجزت عنه مجالس عليا لخمس حكومات.. هل يفلح المجلس السادس في تخفيفه؟

الفساد الذي عجزت عنه مجالس عليا لخمس حكومات.. هل يفلح المجلس السادس في تخفيفه؟

خلال عشرين عاما من حكم النظام السياسي الجديد في العراق، وفي ظل ست حكومات متعاقبة، تشكلت ستة "مجالس ولجان عليا" لمكافحة الفساد، لم تنجح أي منها في معالجة الفساد في ظل بنية سياسية مبنية على محاصصة الامتيازات والحماية المتبادلة لصفقات الفساد، من قبل القوى والأحزاب المتحكمة، الاسلامية منها والقومية والعلمانية، ليتعرض البلد الى نهب منظم من نتائجه خدمات سيئة وبنية تحتية منهكة واقتصاد مدمر مع هدر بمئات مليارات الدولارات.

يؤكد باحثون في الشأن الاقتصادي ومحللون سياسيون، في تصريحات يومية، كما يقر نواب وسياسيون، أن نظام المحاصصة الطائفية في توزيع الوزارات والمناصب العليا المعمول به في العراق، سمح بتشكيل منظومات فساد متجذرة في الدولة، وأعطى لرؤسها الكبيرة حماية من “الملاحقات القانونية”، وتم تعزيز ذلك لاحقا عبر “الاقتصاديات الحزبية” التي احتكرت العقود الوزارية وسيطرت على الكثير من مصادر “التمويل الحكومي”.

ذلك حصل تحت أنظار ممثلي الأحزاب في البرلمان العراقي، الذين تخلوا عن واجباتهم في المراقبة والمساءلة، وفي ظل عجز شبه تام لمؤسسات الرقابة المالية وهيئة النزاهة عن ايقاف عمليات الفساد وملاحقة المتورطين ومن يقف خلفهم كونهم محميين من النظام.

وتعد قصة نور زهير، صاحب الشركات العديدة والنفوذ الاقتصادي والسياسي الواسع، والمعروفة بسرقة القرن، واحدة من القصص العديدة للسرقات الكبرى، حيث تمكن من نهب نحو 3.7 ترليون دينار (2.5 مليار دولار) من اموال ما تعرف بالأمانات الضريبية، وسجن على أثرها قبل ان يتم اطلاق سراحه بقرار من الحكومة.

وتعد تلك السرقة، أكبر عملية اختلاس لأموال الدولة في تأريخ العراق، نُفذت بين أيلول/سبتمبر 2021 وآب/أغسطس 2022 عبر مصارف حكومية ومن خلال 247  صكاً مزوراً لصالح شركات محددة تمكنت من سحب الأموال. والقي القبض على نور زهير، أثناء محاولة فراره في تشرين الأول/أكتوبر 2022، لكن السلطات اطلقت سراحه لاحقاً بكفالة، بدعوى تمكينه من استرجاع الاموال المسروقة. لكن الاموال لم تسترجع وغاب “زهير” عن حضور جلسات محاكمته اللاحقة، ليصدر القضاء العراقي عدة أحكام بحقه، بينها الحكم بالسجن 10 سنوات غيابياً، بينما هو بقي فارا يتمتع بما نهبه من أموال العراقيين.

ستة مجالس عليا لمكافحة الفساد

تلك الوقائع، التي لا تغادر ذاكرة العراقيين، جعلت من اعلان رئيس الوزراء الجديد علي الزيدي، في 30 أيار/مايو عن تشكيل “المجلس السيادي الأعلى للنزاهة والرقابة واسترداد المال العام”، تقابل بالكثير من الشكوك بشأن حقيقة وفرصة “مكافحة الفساد”، وهو شعار رفعه كل رؤساء الحكومات السابقين، في ظل استمرار عمل النظام السياسي القائم على “محاصصة الامتيازات” حتى لو تغيرت بعض وجوهه بحكم الزمن.

يقول الباحث د. يحيى الكبيسي، معلقا على اعلان تشكيل “المجلس السيادي” ومشككا بامكانية تحقيق الاصلاحات الموعودة في الحكومة الجديدة، والتي تكررت في المناهج الوزارية للحكومات السابقة:

في أيار 2007 شكل نوري المالكي “المجلس الاستشاري لمكافحة الفساد”!!

فأصبح الفساد عنوانا للدولة العراقية!!

وفي مطلع 2016 شكل حيدر العبادي “المجلس الأعلى للفساد”!!

وظل الفساد على حاله!!

وفي نهاية العام 2018 أسس عادل عبد المهدي “المجلس الأعلى لمكافحة الفساد”!!

فترسخ الفساد!!

وفي العام 2020 شكل مصطفى الكاظمي “اللجنة العليا للتحقيق في قضايا الفساد الكبرى والجرائم الجنائية”!!

فغمرنا فيضان الفساد!!

وفي تشرين الثاني 2022 أسس محمد شياع السوداني “الهيئة العليا لمكافحة الفساد”!!

فغرقنا في الفساد!!

في 30 أيار 2026 شكل علي الزيدي تأسيس “المجلس السيادي الأعلى للنزاهة والرقابة واسترداد المال العام”!!

وعلينا بكل سذاجة أن نصدق انها ستكافح الفساد!!

ويضيف الكبيسي، ان “الفساد في العراق فساد بنيوي، وهو مكون اساسي للنظام السياسي والدولة معا، والحديث عن مكافحته مجرد خرافة يتم تسويقها للخداع!”.

سر فشل المكافحة.. الفساد محمي من الظام

خلال عقدين من الزمن، كان باحثون ومراقبون، يجتهدون في الاجابة عن سر فشل الحكومات المتعاقبة في انهاء الفساد او التقليل منه، بوجود عدة مؤسسات كبرى في الدولة تعني بمكافحته، تتمثل في ديوان الرقابة المالية، هيئة النزاهة العامة، لجنة النزاهة البرلمانية، مكاتب المفتش العام (الملغاة).

يجيب الكاتب والصحفي حسين اسكندر، عن السر، قائلا ان الكل يعرف الجواب، لكن الكثيرين يحاولون القفز عليه لاعتبارات مصلحية، وهو ان “الفساد ممنهج ومحمي من النظام وأطرافه الحاكمة، وبالتالي يستحيل معالجته ما لم يتم تفكيك النظام واعادة تشكيله وفق أسس جديدة”.

الكاتب، عزيز الدفاعي، كتب مشككا بجدوى المحاولة الحكومية السادسة المعلنة لمحاربة الفساد:”منذ سنوات تتكرر الوعود وتتبدل المسميات، بينما يبقى الفساد حاضرًا بوصفه أحد أخطر التحديات التي تواجه الدولة العراقية”.

الدفاعي، ذكر في منشور حمل عنوان (بانتظار معجزة لقلع باب الفساد) على صفحته في موقع “فيسبوك” انه ليست هذه المرة الأولى التي يعلن فيها رئيس وزراء عراقي، فور تسلمه السلطة، تشكيل مجلس أو لجنة عليا لمكافحة الفساد، أو تكليف شخصيات وقضاة جدد بإدارة هذا الملف.

واضاف: ما زال العراقيون يتذكرون المشهد الذي ظهر فيه مصطفى الكاظمي وهو يخاطب شقيقه عماد  أمام الكاميرات محذرا من استغلال اسمه للحصول على امتيازات، كما يتذكرون تصريحات محمد شياع السوداني المتكررة بشأن ملاحقة الفاسدين واستعادة الأموال المنهوبة، وقضية “سرقة القرن” وكيف ظهر وسط تل من الدنانير متعهدا باستعادة كل ما سرقه نور زهير وما رافقها من تعهدات باسترداد الاموال  العامة ومحاسبة المتورطين.!

يتابع الدفاعي:”إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم: ما حجم النتائج التي تحققت فعليًا مقارنة بحجم الوعود التي أُطلقت؟ وهل تكمن المشكلة في الأشخاص الذين يتولون إدارة ملف مكافحة الفساد، أم في طبيعة المنظومة التي يعملون داخلها؟”.

الكاتب عرض رؤية طيف واسع من العراقيين من أن الفساد لم يعد مجرد حالات فردية معزولة، بل أصبح شبكة معقدة من المصالح السياسية والاقتصادية المتداخلة.  ووفق ذلك يرى الدفاعي إن تغيير أسماء الهيئات واللجان لا يغير الواقع “ما دامت البنية التي تنتج الفساد وتوفر له الحماية ما زالت قائمة”.

شروط أساسية غير متوفرة

وينقل الدفاعي عن خبراء الحوكمة والإدارة العامة، تأكيدهم من أن نجاح أي مشروع لمكافحة الفساد لا يرتبط بإنشاء هيئة جديدة أو تغيير مسمى مؤسسة قائمة، بل يتطلب مجموعة من الشروط الأساسية، في مقدمتها: قضاء مستقل قادر على محاسبة الجميع دون استثناء، وأجهزة رقابية فعالة تتمتع بالصلاحيات والموارد اللازمة، وشفافية حقيقية في العقود والإنفاق العام، وحماية قانونية للمبلغين والصحفيين والجهات الرقابية، فضلا عن إرادة سياسية مستمرة لا تخضع للحسابات الحزبية أو الضغوط الآنية.

ويوضح ان الحكم على أي مشروع جديد لمكافحة الفساد لا يكون من خلال الشعارات أو المؤتمرات الصحفية أو القبض على “حوت صغير” مثل عدنان الجميلي (مسؤول كبير في وزارة النفط متهم بسرقات كبرى ومحاولة رشوة رئيس الوزراء) بل من خلال النتائج الملموسة: عدد القضايا الكبرى التي تم حسمها، حجم الأموال المستردة، مستوى الشفافية في مؤسسات الدولة، وقدرة القانون على الوصول إلى أصحاب النفوذ قبل الموظفين الصغار والوسطاء.

الفساد ” كرّه” العراقيين ببلدهم

الباحث والصحفي حيدر زوير، تساءل في منشور حمل عنوان (ثلاثية ضد الفساد) عن المغزى من التشبث بتشكيل “مجلس، او لجنة لمكافحة الفساد” رغم ضرورته، في وقت تفرض الحاجة الى “ثلاثية” قانون مكافحة الفساد، محكمة مختصة بقضايا الفساد، جهاز مكافحة الفساد، وقبل كل هذا “إرادة”.

ويضيف:”تقديري أن السيد الزيدي بإمكانه القيام بهذا الدور نظراً لعوامل شخصية وعلاقاتية” أبرزها انه ليس معنيا بإرضاء وعدم إزعاج أحد لاعتبارات سياسية، وكذلك الظهير القوي الذي يملكه، سواء قانونيا او رمزيا او اجتماعيا.

ويتابع زوير، ان الفساد في العراق “نموذج فريد”، لذا يتطلب مواجهة “فريدة وإستثنائية” وهذا يفرض أن يحصل تشريع لقانون “مكافحة الفساد.. قانون قاس” ضد جرائم الفساد.

وينبه الى تداعيات الفساد، المرتبطة برد الفعل المجتمعي على النظام السياسي القائم بل والبلد برمته، قائلا ان النهب في العراق ليس مجرد سرقة للأموال العامة بكل ما يحمله من أضرار بالصالح العام، وليس إضرارا بالعدالة الاجتماعية فقط، وهدرا بالأموال بعيدا عن مساراتها المفترضة في التنمية والإعمار، النهب “كرّه” العراقيين ببلدهم وبنظامهم السياسي ودمر أخلاقهم وهشم أرواحهم بسبب الشعور بالظلم.

وسط موجة التشكيك الواسع، بامكانية تحقيق اختراق يقلل من الفساد، يطالب مراقبون بتشريع “قانون الكسب غير المشروع” ووضع كبار وصغار المسؤولين أمام تطبيق صارم لذلك القانون، بطرح سؤال بسيط “من اين لك، ولعائلتك، كل هذا؟.. كيف راكمت كل هذه الثروات؟”.

باحثون في السياسة والاقتصاد، يؤكدون ان مشكلة مكافحة الفساد، لا تتعلق بعدم وجود مجالس أو هيئات عليا أو قوانين أو محاكم، فهناك قانون العقوبات العراقي وقانون “هيئة النزاهة”، فضلا عن وجود محاكم مختصة، وأجهزة معنية بمكافحة الفساد، لكن المشكلة تكمن في غياب الارادة السياسية الحقيقية لمكافحة الفساد بوجود نظام يساهم في انتشاره ويمنع من معالجته ومحاسبة المتورطين فيه.

المزيد عن تقارير إخبارية

تقارير إخبارية","field":"name"}],"number":1,"meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":34401}" data-page="1" data-max-pages="1" data-start="1" data-end="1">