جماعات ترفض وأخرى تماطل .. “حصر السلاح” ضرورة براغماتية لم تتحول الى “عقيدة سياسية” لبناء الدولة
تتحرك القوى الشيعية من رؤى مختلفة في ملف "حصر السلاح بيد الدولة" البعض ترفضه لمصالح خاصة متحججة باستمرار الاحتلال، وأخرى تماطل بحثاً عن "امتيازات وتعويضات" داخل الدولة، وثالثة تستثمر في الملف للعودة الى الواجهة السياسية، لكن كل تلك القوى، بما فيها المؤيدة "للحصر" تبني موقفها على وفق مصالح "براغماتية" وليس لكونه "عقيدة سياسية" جديدة لبناء الدولة.
تتحرك الحكومة العراقية الجديدة برئاسة علي الزيدي، وبمساعدة فواعل سياسية ودينية ومسلحة، نحو الملف القديم المتجدد “حصر السلاح بيد الدولة” تحت ضغط الشروط الأمريكية التي تعد احتفاظ الفصائل بأسلحتها خطاً أحمر لا يمكن القبول به، في ظل قناعة واشنطن بخضوع غالبية تلك القوى للرؤى الايرانية في ادارة المنطقة.
وعلى الرغم من الاعلانات المتوالية لأغلبية القوى الشيعية التي تملك السلاح، باستعدادها للتخلي عنه، لكن مستوى الحماس تجاه تطبيق الملف لا تتماشى مع أهميته، ومع النتائج والتداعيات الخطيرة لعدم تطبيقه سواء ما أرتبط منها بالتهديدات الامريكية، او بكيان الدولة العراقية وتمكين الحكومة من احتكار القوة وضمان سيادة البلاد.
ويأتي التشكيك بامكانية تنفيذ الوعود المرتبطة بحل المليشيات ونزع أسلحتها، من تجارب عديدة سابقة لم تفض إلى شيء طوال العقدين الماضيين، في ظل رؤية تكاد تجمع عليها كل القوى بأهمية احتفاظها بسلاحها، وعدم النظر الى “التخلي عن السلاح” من منظور وطني و”كعقيدة سياسية جديدة” لبناء الدولة.
ويرى مراقبون ان، الحماسة الفاترة، لغالبية القوى الشيعية من نزع السلاح، تشبه حماسة مريض بمرض مزمن تجاه الدواء الذي يجب عليه ان يأخذه طوال عمره لإدارة مرضه، وليس للشفاء منه.
لا يفارق المنهاج الوزاري منذ عقدين
تحول ملف “سلاح الفصائل” الى مرض مزمن في جسد الدولة العراقية، وشكل في بعض المراحل عاملا مهددا لاستقرار الدولة وقانونها وسيادتها، وهو ما فرض الاعلان المتكرر عن معالجته في جميع البرامج الحكومية منذ تأسيس النظام الجديد بعد 2003، فعقب الحكومتين المؤقتة والانتقالية برئاسة اياد علاوي وابراهيم الجعفري، حمل البرنامج الحكومي في أول حكومة رسمية تشكلت في منتصف العام 2026 برئاسة نوري المالكي محورا رئيسا نص على “تطبيق قانون 91 المتعلق بالمليشيات”.
هذا القانون هو أمر صادر عن سلطة الائتلاف المؤقتة عام 2004، للتعامل مع 100 الف مقاتل من احزاب كردية وشيعية اسلامية كانت معارضة لنظام حزب البعث، من بينها كتائب حزب الله.
وكان القانون يهدف الى تنظيم تلك الفصائل التي حاربت نظام صدام حسين، من خلال اعادة دمجها بالقوات العسكرية تحت سلطة الدولة او دمجها بالاعمال المدنية، لكن منذ ذلك الحين، لم يتحقق الدمج الحقيقي بل ازدادت أرقام من يملكون السلاح خارج الدولة، ومعه بات محور حصر السلاح وانفاذ سلطة القانون، يتكرر في جميع البرامج الحكومية للحكومات المتعاقبة.
وظهر محور حصر السلاح في البرامج الحكومية لأسباب مختلفة تارة داخلية واخرى خارجية، ففي حكومة مصطفى الكاظمي جاء حصر السلاح في النقطة الثالثة من المحور الأول للمنهاج الحكومي وبصيغة “فرض هيبة الدولة من خلال حصـر السلاح بيد المؤسسات الحكومية والعسكرية، وفرض التزام الجميع بالقانون والخضوع لأحكامه”، وكان السبب الذي فرض هذه الأولوية، هو تظاهرات تشرين 2019-2020، والاتهامات التي وجهت الى فصائل مسلحة بالمشاركة في قمع المحتجين ومقتل المئات منهم.
أما في حكومة السوداني التي كانت أولويتها معالجة أسباب تشرين من خلال توفير الوظائف وتقديم الخدمات، جاء حصر السلاح بيد الدولة في النقطة التاسعة والأخيرة من المحور 21 للمنهاج الحكومي المكون من 23 محورا، وجاء في نصه “انهاء ظاهرة السلاح المنفلت خارج نطاق المؤسسات الرسمية والشرعية للدولة”، وهي جملة خالية من عبارة “انفاذ القانون والخضوع له” التي جاءت في برنامج الكاظمي، وهو ما فسر أن برنامج السوداني عن “ظاهرة السلاح المنفلت” كان يتركز على السلاح المنفلت بيد العشائر او المدنيين، وليس لدى جهات “متمردة على القانون”.
واليوم، في حكومة الزيدي، قفز ملف السلاح في قائمة الاولويات لأول مرة ليأتي في النقطة الأولى من المحور الأول، اي على رأس المنهاج الوزاري خلافا لجميع الحكومات السابقة، وجاء بالنص: “حصر السلاح بيد الدولة وإنفاذ سلطة القانون” وهي جملة مشابهة للواردة بمنهاج الكاظمي خلافا لمنهاج السوداني، لكن هذه المرة فإن العامل الضاغط لهذه الاولوية، هو عامل خارجي وليس داخلي فقط، بعد توالي الرسائل الأمريكية المطالبة بحسم الملف، والتي جاءت بعضها بلغة تهديد، منذ اندلاع حرب طوفان الاقصى في اكتوبر 2023 وحتى الان.
البرنامج الوزاري لحكومة علي الزيدي
ولم يأت تحرك الزيدي بشكل منفرد، بل جاء ضمن جو سياسي عام يدعو الى الموافقة على المطالب الأمريكية، جاء من خلال مواقف أطراف عديدة تملك فصائل مسلحة أعلنت استعدادها للتخلي عن سلاحها، قبل أن يستكمل ذلك بقرار سياسي تبناه الإطار التنسيقي الجامع للقوى الشيعية بما فيها التي تملك أجنحة مسلحة، حيث اعلن الاطار في بيان رسمي خلال اجتماعه (2 حزيران/يوليو) عن “تأييد مشروع حصر السلاح بيد الدولة وفك ارتباط هيئة الحشد الشعبي عن كافة الأطر السياسية والحزبية والاجتماعية”.
وذكر بيان الاطار ان موقفه جاء “انطلاقا من الدستور وتنفيذاً لتوجيهات المرجعية الدينية العليا، وتطبيقا لقانون الهيئة رقم 40 لسنة 2016 المادة(1) ثانيا الفقرة خامسا، وحرصاً على استمرار التعاون بين الحكومة العراقية والمجتمع الدولي”.
مبادرة فصائلية على أبواب شرق اوسط جديد
على الرغم من الاعلانات المتكررة “لحصر السلاح بيد الدولة” من قبل العديد من القوى السياسية، وحضورها الدائم في المنهاج الوزاري، لكن المسار الحقيقي انطلق من مبادرة اطلقتها أربعة فصائل مسلحة “حصر السلاح” بشكل متزامن في كانون الاول/ديسمبر 2025، اي بعد شهر من اجراء الانتخابات البرلمانية، وجاءت بالتزامن مع الضغوط الامريكية والتقارير والرسائل التي استبقت تشكيل الحكومة بمنع الفصائل من المشاركة بالحكومة، وهو ما حصل فعليا حيث لم تمنح وزارات للجهات التي تملك أجنحة مسلحة.
في حينها قال الامين العام لعصائب اهل الحق قيس الخزعلي: “نحن نؤمن بحصر السلاح بيد الدولة، وسنعمل على تحقيقه بخطوات واقعية”، وذات الموقف أعلن عنه زعيم “كتائب الامام علي” شبل الزيدي، وزعيم حركة “انصار الله الاوفياء” حيدر الغراوي، كما نُقل عن كتائب سيد الشهداء “اندماجها بهذا الموقف” على الرغم من عدم صدور موقف معلن على لسان الأمين العام للكتائب أبو الاء الولائي.
ولاحقا تراجعت كتائب سيد الشهداء، عن هذه الرؤية مع اندلاع الحرب على ايران أواخر شباط/فبراير الماضي. وبعدها بشهرين (24 نيسان/ ابريل) رصدت الولايات المتحدة مكافأة مالية تصل إلى 10 ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات تؤدي إلى تحديد مكان أو هوية قائد “كتائب سيد الشهداء” في العراق، وأعلنت الخارجية الأميركية أن هذه الخطوة تأتي ضمن جهود ملاحقة “الولائي” بسبب تورط جماعته في استهداف منشآت دبلوماسية، وقواعد عسكرية تضم أفراداً أميركيين في العراق وسوريا.
يقول الباحث السياسي اسامة نبيل إنه “بعد اندلاع الحرب على ايران، تجمد كل شيء متعلق بحصر السلاح، لكن محركات تلك الخطوة فعليا تصاعدت مع انخراط الفصائل العراقية بالحرب، ففي السابق كان حصر السلاح وخطورته ومبررات تواجده، مرتبطة بالكامل بالتواجد الامريكي في العراق، هذا على الأقل ما كان يردده زعماء تلك الفصائل، ويقولون ان خروج القوات الأمريكية سيعني انتفاء الحاجة لوجود “سلاح المقاومة”. لكن الجديد أن “سلاح بعض القوى المقاومة” وطائراتها المسيرة ضربت دول الخليج في السعودية والامارات والكويت وقطر، وما عادت السردية السياسية الشيعية السابقة قابلة للتسويق، وأصبح واضحا ان الأمر مرتبط بايران”.
ويضيف:”مع استهداف دول الخليج، باتت فواعل نزع السلاح أقوى من ذي قبل، فلم تعد فواعل داخلية، ولا فواعل خارجية أمريكية فحسب، بل فواعل اقليمية مؤثرة جدًا مثل دول الخليج التي لم تعد تتقبل وجود فصائل في دولة مجاورة تهدد امنها ومصالحها الاقتصادية في اي لحظة”.
الصدر يمنح الزيدي هدية
مع تشكيل الحكومة حظي رئيس الوزراء الجديد بتأييد واضح من زعيم التيار الوطني الشيعي مقتدى الصدر، وصل الى حد اعلانه عن حل “سرايا السلام” التابعة للتيار، وهو ما لم يحظ به السوداني الذي جاءت حكومته على انقاض انهيار التحالف الثلاثي وانسحاب الصدر من العملية السياسية واستقالة نوابه بل وعلى دماء أحداث “عاشوراء” التي قتل فيها 30 شخصا واصيب المئات خلال اشتباكات اندلعت بين الصدريين المتظاهرين في المنطقة الخضراء وبين قوات امن وفصائل مسلحة داخل المنطقة الخضراء في اب 2022.
يقول محللون سياسيون مقربون من التيار الصدري، ان الصدر لديه علاقة صداقة مسبقة مع علي الزيدي، لذلك كانت خطوته باعلان انفكاك التشكيلات العسكرية لسرايا السلام عن التيار الوطني الشيعي كتيار سياسي اجتماعي، وجعل السرايا تحت امرة القائد العام للقوات المسلحة، بمثابة هدية لتسهيل تنفيذ البرنامج الحكومي لرئيس الوزراء الجديد. وهي خطوة تضع ضغوط اضافية على الفصائل الأخرى لتسريع حلها.
ذهبت خطوة “التيار” الى مساحة التفعيل على الارض باجتماع اللجنة المخولة من الصدر مع رئيس الوزراء علي الزيدي في بغداد لوضع الاليات لتنفيذ مبادرة انضمام “سرايا” الى القوات الامنية العراقية وتسليم السلاح الى الدولة، بحسب تعبير بيان المكتب الاعلامي لرئيس الوزراء.
لكن تم لاحقا تعديل البيان وحذف الجزء المتمثل بتسليم السلاح الى الدولة، وعلى ما يبدو هي محاولة للتمييز بين سرايا السلام وباقي الفصائل، على اعتبار ان سرايا السلام لاتمتلك السلاح خارج اطار الدولة وان السرايا منضوية في الحشد الشعبي اساسا.
تعديل بيان الزيدي عن “حصر السلاح”
سباق على “الفضيلة” بين الغرماء
لكن من نفس هذا المنطلق، يصبح اعلان انضمام سرايا السلام الى القوات الأمنية محل استفهام، فهل الحشد الشعبي لا يعتبر من “القوات الامنية العراقية؟”
تلك الاشارة، فضلا عن حضور نائب قائد العمليات المشتركة في الجيش والسكرتير العسكري لرئيس الوزراء، وهو احد قيادات الجيش، تعطي دلالات ان انضمام السرايا الى القوات الامنية يعني خروجها من الحشد الشعبي أو فك ارتباطها بقيادات الحشد، كما فعلت الوية الحشد المرتبطة بالعتبات المقدسة في وقت سابق.
وبينما يعتبر اعلان الصدر بمثابة “هدية” للزيدي لتسهيل تنفيذ برنامجه الحكومي، وهي خطوة تحرج الفصائل الاخرى وتدفعها للانفكاك، فإنها بذات الوقت قد تكون محاولة “سباق” على “الفضيلة” وتنفيذ وعد قديم، فالصدر كان دائما يعلن انه سيكون “اول من يفكك سرايا السلام ويسلم السلاح” اذا ذهبت الفصائل الاخرى لذلك، ومع اقتراب حلول هذا الامر، فإن الصدر لن يقبل ان يسبقه غريمه الدائم، قيس الخزعلي، الى هذه “الفضيلة”.
وبالفعل، تحدث علي الزيدي خلال استضافته مجموعة من الاعلاميين والصحفيين، ان سرايا السلام قاموا بتسليم سلاحهم، وان عصائب اهل الحق سيكونون الفصيل التالي، قبل أن تعلن “قيادة عصائب اهل الحق” تشكيل لجنة لتنفيذ توجه فك ارتباط تشكيلات الحشد الشعبي وحصر السلاح بيد الدولة، عبر جرد الأفراد والأسلحة والآليات والمعدات اللوجستية والارتباط بالقائد العام للقوات المسلحة.
والملفت في اعلان العصائب أيضا، هو الحديث عن “تشكيلات الحشد وجرد أسمائهم وسلاحهم وربطهم بالقائد العام للقوات المسلحة”، وهذا اعتراف بان هذه التشكيلات لم تكن مرتبطة بالقائد العام للقوات المسلحة سابقا، خلافا للتصريحات التي كانت العصائب وغيرها من الفصائل تكررها، وتتحدث عن ان الحشد لا علاقة له بالفصائل وهو مؤسسة رسمية.
بينما تعلن “صادقون” كجناح سياسي، عن فك ارتباطها بـ”عصائب اهل الحق” كجناح عسكري، وان الأخيرة باتت مجرد ألوية تحمل أرقاماً مختلفة، فان الخزعلي مايزال يحمل صفة الأمين العام لحركة العصائب، وهو ما يثير تساؤل عن موقع العصائب كحركة، وما هو توصيفها؟
جديد قديم غير منفذ
هذه ليست المرة الأولى التي يعلن فيها الصدر انفكاك سرايا السلام عن التيار الصدري، فسبق ان طرح ذات المبادرة في عامي 2017 و2019، لكن الامر لا يقتصر على الصدر وحده، بل أن عصائب اهل الحق بزعامة قيس الخزعلي، اعلنت هذا الامر ايضا منذ عام 2017، حيث تحدث عن “انهاء عسكرة المجتمع وفك ارتباط حركة صادقون السياسية بعصائب اهل الحق وحصر سلاحها تحت امرة الحشد”.
وتكرر حركة صادقون هذا الأمر دائما، وبينما من المفترض ان حركة صادقون هي الجناح السياسي، وان عصائب اهل الحق لم يعودوا “عصائب” بل اصبحوا يحملون اسم اللواء 41 و42 و43، لكن قيس الخزعلي لايزال يحمل صفة الأمين العام لحركة عصائب اهل الحق، ولا يزال هذا الاسم مستخدما ويمتلك مقرات في بغداد والمحافظات، فما موقع العصائب كحركة وما هو توصيفها بالضبط؟، يتساءل المحلل السياسي اسامة نبيل.
ثلاثة مواقف وستة فصائل
بينما يعد موقف “عصائب اهل الحق” و”انصار الله الاوفياء” و”كتائب الامام علي” واضحا ومؤيدا لحصر السلاح، يبقى موقف “كتائب سيد الشهداء” بزعامة ابو الاء الولائي احد اعضاء الاطار التنسيقي والذي بات يغيب عن حضور اجتماعاته الأخيرة، موقفا غامضا. في المقابل، تصرّح كتائب حزب الله والنجباء بوضوح بموقفها المعارض لحصر السلاح.
كان ابرز موقف لكتائب حزب الله هو ما اعلنه المسؤول الأمني للكتائب ابو مجاهد العساف، الذي أبدى فيه استعداده “لمساعدة الفصائل الراغبة بنزع سلاحها”، من خلال تقديم التسهيلات والارشادات بين الجهات التي تريد التخلي عن سلاحها وبين الحشد. وفي هذا اشارة الى تسليم السلاح الى الحشد وليس الجيش.
أما السلاح الثقيل من المسيرات والصواريخ فعرض العساف، شراءها ونقلها الى كتائب حزب الله، ولم تخلو تغريدته من استهزاء بالفصائل التي تنوي نزع سلاحها، من خلال وصمهم بأنهم “تركوا الجهاد وستقوم الكتائب بالجهاد نيابة عنهم”، فضلا عن رعاية “المجاهدين وعوائل الشهداء الذين سيتم الاستغناء عنهم”.
وفي ما بين السطور اتهام مبطن لدور سلبي لهذه الفصائل في تهديد الاستقرار والسلم الأهلي ومقدرات الشعب العراقي، بحيث اعتبر “العساف” ان حصر السلاح بيد الدولة سيؤدي الى “تعزيز الامن والاستقرار والسلم الاهلي ويحفظ مقدرات الشعب العراقي”.
يصف الصحفي العراقي “اميل ناجي” موقف كتائب حزب الله، بأنه “يعكس توجهاً نحو إبراز “السيادة الموازية” وتقديم السلاح ضمن إطار وظيفي جديد يتصل بالضغوط الإقليمية والدولية”.
وعد ناجي، أن خطاب الكتائب مارس نوعاً من “الفرز البنيوي” داخل المشهد الشيعي، فترحيبه بالخطوات التي تتخذها قوى أخرى للتخلي عن السلاح لصالح الدولة لا يهدف إلى تجريدها من القوة فحسب، بل يمثل أيضاً مناورة لإعادة التموضع واحتكار “الشرعية الجهادية”، مشيرا الى ان “الخطاب يحاول هنا تحويل السلاح غير المنخرط في مشروع المقاومة إلى عبء يُستحسن التخلص منه”.
ويشير الى مفارقة تتمثل بأن “هذه الفصائل الرافضة لنزع السلاح، تقدم نفسها بوصفها “مؤسسة حاضنة” و”ذراعاً فنية” تدعي سد فجوات الكفاءة لدى أجهزة الدولة الرسمية، بالتعامل مع الأسلحة التقنية مثل المسيرات”.
السلاح والسيادة.. معضلة الدجاجة والبيضة
أبرز مبرر تكرره الجهات الرافضة لنزع السلاح، هو استمرار الاحتلال الامريكي وفقدان العراق لسيادة أجوائه وأرضه واقتصاده من خلال ايداع اموال العراق في الفيدرالي الأمريكي. لكن السؤال هو “هل منع السلاح كل هذا؟
اذا لم يمنع السلاح اختراق السيادة العراقية ولا سيطرة واشنطن على الدولار، وعلى القرار السياسي العراقي والذي تجسد قبل أشهر بعجز الاطار التنسيقي عن تنصيب رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي رئيسا، فما فائدة السلاح اذن؟”، يقول المحلل السياسي اسامة نبيل، ويصف ثنائية السلاح والسيادة مثل معضلة “الدجاجة والبيضة”، فالفصائل تقول نسلم السلاح اذا تحققت السيادة. لكن وجود السلاح لم يحقق السيادة اساسا، فما مبرر ربطه بالسيادة؟”.
ويضيف، إن المبررات المكررة المطروحة في هذا الملف مليئة بالثغرات والأسئلة غير المجابة، من بينها تكرار القوى السياسية لمبرر عدم لجوء الحكومة الى نزع السلاح بالقوة من قبل القوى الرافضة لنزع سلاحها وذلك خوفا من “حرب أهلية”.
ويتساءل نبيل: “لكن لماذا على الدولة، صاحبة شرعية احتكار القوة، هي من تخاف من الحرب الأهلية وتحرص على الدم العراقي فتتراجع عن مواجهة السلاح؟.. لماذا لا تخاف الفصائل هي على الدم العراقي ومن الحرب الأهلية فتنزع سلاحها؟ خاصة ان تلك الفصائل تصف نفسها بالقوى المقاومة التي حافظت على الدم العراقي، اذن فمن الأولى ان تحفظ الدم ولا تجبر الدولة على نزع سلاحها بالقوة”.
المركز العربي الاسترالي للدراسات: الزيدي لا يملك خياراً عسكرياً ضد الفصائل الرافضة لتسليم أسلحتها، وخياراته معهم هو عزل سياسي، وتجفيف تمويل، أو تأجيل الملف
نزع السلاح: ضرورة براغماتية.. لا عقيدة
واحدة من أكثر مبررات تحركات الحكومة “لحصر السلاح” حاليا، تأتي من كونه “ضرورة براغماتية”، وليس لكونه “عقيدة سياسية” جديدة لبناء الدولة، بحسبما يرى مختصون.
يقول رئيس المركز العربي الاسترالي للدراسات الاستراتيجية احمد الياسري، إن “الزيدي يتعامل مع ملف السلاح المنفلت كملف سيادة دولة، وليس ملفا إيديولوجيا، نتيجة الضغط دولي من أمريكا الى جانب الضغط الداخلي”.
ويشير الى انقسام الاطار التنسيقي حول الموضوع “فريق يراه ورقة تفاوض وفريق يعتبره مهدداً استثمارياً، لذلك رغبة الحكومة أو جديتها مسألة ادارية وليست عقيدة سياسية”.
ويؤكد أن “اختيار الزيدي رئيسا للوزراء جاء من فريق التهديد الاستثماري والسيادي داخل الاطار، وسيقوم الفريقان بدفع الزيدي إلى إدارة هذه الأزمة وليس حلها بشكل جذري، من خلال اليات تعويمية بطيئة محسوبة كما فعل السوداني”.
وحول الآلية الناجحة لحصر السلاح او تفكيك الفصائل، يرى الياسري أن “الزيدي يطرح حصر السلاح بيد الدولة عبر هيئة الحشد، مع دمج تدريجي وحوافز اقتصادية، وهو بهذا يقلد نموذج “التصالح والتكامل” وليس النزع بالقوة، وهو اشبه بالنموذج الفاشل في لبنان 2006″.
ويرى ان الآلية التي يمكن ان تنجح تتمثل نظرياً في ثلاثة مسارات، دمج الكوادر بالدولة، وتمويل بديل للمشاريع، وضمان سياسي للقيادات. لكن فعلياً هذه الآلية تنجح مع الفصائل الضعيفة مالياً فقط، فحكومة الزيدي تمشي بسياسة “الجزرة الثقيلة”، عبر رواتب وتقديم عقود ومناصب، مقابل تسليم قرار السلاح وليس نزع السلاح، لأن الحكومة لا تملك “عصا” عسكرية، فالعصا قد تكسر الحكومة نفسها وتقوي الفصائل.
أما الخيارات مع الفصائل الرافضة، فيرى الياسري ان الفصائل انقسمت الى فصائل “الخط الصلب” العابرة للقطرية وترى السلاح هوية وجود، وفصائل “عراقية براغماتية” تراه استثماراً سياسياً مؤقتاً، مؤكدا ان الزيدي لا يملك خياراً عسكرياً ضد الرافضين، وخياراته معهم هو عزل سياسي، وتجفيف تمويل، أو تأجيل الملف.
ويرى الياسري ان الاختلاف جذره براغماتي، فالذي يملك استثمارات وعقوداً حكومية قد يقتنع بحصرالسلاح، والذي يعتمد 100% على التمويل الخارجي والولاء العابر للحدود والقطرية يرفض حصر السلاح، فالملف اذن ليس عقائدياً بالمعنى المنهجي ولكنه تبعية “مال لممول”.
ويصف خيار الحكومة الأرجح، بأنه يتمثل بعملية “تقطيع الفصائل”، من خلال تفاوض مع المقتنعين، وتهميش الرافضين إعلامياً، وتركهم يستهلكون نفسهم بدون مواجهة مباشرة وهذه اقرب خيارات الزيدي.
حصر السلاح.. طلاق مع النفقة
حتى مع امكانية تحقيق حصر السلاح بالفعل بالنسبة للجهات المنفتحة على هذا الملف، فان علاقة هذه الجهات مع السلاح عميقة، ولا يمكن ان تعد خطوة كهذه “طلاقا نهائيا”.
وهنا يقول الياسري ان “الزيدي يبيع فكرة إن التخلي عن السلاح يعني دخول نادي الدولة والامتيازات، والفصائل التي أعلنت تسليم سلاحها بعهد السوداني عادت اليه بعد الحرب على ايران الى حمل السلاح، يعني “طلاق مع النفقة”، وليس الطلاق البائن”.
ويشير الى ان “قسماً من الفصائل يراهن بأن النفوذ السياسي والاقتصادي داخل الدولة يعوض عن السلاح، وإذا فشل ذلك الرهان السياسي، فالسلاح سيرجع كخطة بديلة جاهزة”.
ويؤكد أن “حكومة الزيدي تعرف هذا، لذلك لا تدعو بشكل مباشر لـ”تسليم السلاح” وتطالب بـ”تجميد القرار”، والهدف هو منع العودة وقت الأزمة، وليس محو السلاح من الذاكرة كما يتصور البعض”.
وينظر الياسري لخطوة الصدر بتجميد السرايا هي “الرافعة” التي سيحاول الزيدي تعليق كل اثقال هذا الملف عليها لكنها ليست حساباً مفتوحاً بل عقد مشروط، فالصدر سيربط في النهاية “دمج السلاح” بانفكاك السلاح الآخر، وهذا قد يعقد المشهد إذا تعثر ملف الانفكاك.