آراء: “أنت مُقال! لأنك لا تستطيع أن تعض اليد التي تكرمك”

“أنت مُقال! لأنك لا تستطيع أن تعض اليد التي تكرمك”

أن قبول الصحفي للمكرمة يعني أن تقاريره أصبحت ترضي السلطة، وهذا بحد ذاته "شهادة وفاة" لصحفيي الاستقصاء. في عام ١٩٩٢، وأمام إبداعات المفكر والصحفي بيير بيفو، قررت الحكومة الفرنسية، منح وسام "جوقة الشرف" له، فاعلن رفضه وكتب:"طالما اعتقدت بأن الصحفي الذي يقبل التكريم سيكون أقل حرية من غيره".

في عام ١٩١٥، وسط عاصفة السلاح ودخان الحرب العالمية الأولى، ولدت في العاصمة الفرنسية باريس صحفية استثنائية حملت اسم “لو كانار أنشينيه” (Le Canard enchaîné) أو “البطة المقيدة”. ولدت وسارت في طريقها، ساخرة ومتمردة على الرقابة الحكومية وكاشفة لتزييف الحقائق وكل مساوئ السياسة. ومع مرور السنوات، تحولت هذه الصحيفة إلى مدرسة في الاستقلالية الصارمة والشرف المهني.

وتروي بعض المصادر المتخصصة في تاريخ هذه الصحيفة أن أحد كتابها، دخل إلى مكتب رئيس تحرير الصحيفة، موريس مارشال، حاملاً معه خبرا ظنّ أنه سيرفع من شأن الجريدة؛

“سيدي، لقد قررت الحكومة الفرنسية منحي وسام جوقة الشرف!”.

لكن رئيسه لم يشاركه الحماسة ذاتها، وجاء رده سريعاً:”أنت مقال!” (مطرود من العمل).

سادت حالة من الذهول، وتساءل الصحفي مستنكرا: “لكنني لم أفعل شيئاً مسيئاً! هم سيكرمونني لأنني حسب رؤيتهم أستحق ذلك، ولأن كتاباتي متميزة…!”

 جاء الرد من رئيس التحرير: أنت مقال لأنك تستحق مكرمة من الحكومة!

لم يكن هذا الموقف مجرد رد فعل عصبي أو دكتاتورية من رئيس التحرير، بل كان تطبيقا حرفيا وعمليا لشعار الصحافة الحقيقية. ففي ثقافة “لو كانار أنشينيه”، يُنظر إلى مكارم الحكومات وأوسمتها “كأصفاد” تُوضع في أيدي الصحفيين لتحويلهم من “رقيب على السلطة” إلى “شاكر لفضلها”.

مثلت هذه الحادثة، السند الأساسي لقاعدة اخلاقية داخلية طبقت خلال مسيرة الصحيفة التي تجاوزت القرن والتي تضمنت: الحظر التام على أي صحفي يعمل فيها قبول أي وسام أو جائزة أو مكرمة أو عطاء من أي جهة حكومية أو سياسية.

كما تم توثيق هذا العرف في ميثاق الشرف المهني للجريدة الذي يُنشر دوريا في المناسبات المئوية للصحيفة، وجاء فيه ما معناه: أن قبول الصحفي للمكرمة يعني أن تقاريره أصبحت ترضي السلطة، وهذا بحد ذاته “شهادة وفاة” لصحفيي الاستقصاء.

ولم يكن (شرف القلم) أمرا محصورا في هذه الجريدة او في الديمقراطية الفرنسية بل توسع ليشمل الكثير من دول أوروبا واصبح له ارث متراكم وذاكرة مهنية راسخة تشمل اعدادا من صحفيين وكتاب وفلاسفة وفنانين.

في عام ١٩٩٢، وأمام إبداعات المفكر والصحفي بيير بيفو، وترأسه لأكاديمية “غونكور”، قررت الحكومة الفرنسية، منح وسام “جوقة الشرف” له، فاعلن رفضه وكتب:

“لا ارغب في لبس الوشاح الأحمر أمام زملاء يكون البعض منهم أفضل مني… لقد سبق وان منحني هذا الوسام، اليسار الفرنسي وبعد ذلك اليمين، ليعود اليسار الى منحه لي..  وطالما اعتقدت بأن الصحفي الذي يقبل التكريم سيكون أقل حرية من غيره”.

وبين موقف رئيس الصحيفة قبل قرن، وموقف بيير بيفو عام (١٩٩٢) وغيره، يبقى السؤال مطروحاً: هل يستطيع الصحفي عض يد “الحكومة الكريمة” بالنقد؟

المزيد عن آراء

آراء

آراء","field":"name"}],"number":1,"meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":34338}" data-page="1" data-max-pages="1" data-start="1" data-end="1">