يمثل النظام السياسي العراقي بعد العام 2003 تجربة معقدة ومتشابكة، إذ انتقل البلد من حكم مركزي استبدادي إلى نظام برلماني اتحادي يقوم على دستور 2005، وهذا الدستور وضع أسس الديمقراطية التعددية، لكنه في الوقت نفسه فتح الباب أمام تحديات كبيرة تتعلق بالمحاصصة الطائفية، ضعف المؤسسات، وتدخلات خارجية أثرت بشكل مباشر على مسار العملية السياسية واعادة بناء الدولة طوال عقدين من الزمن.
يقوم النظام وفق الدستور الذي أقره العراقيون، مبدأ الفصل بين السلطات، حيث يتولى رئيس الوزراء السلطة التنفيذية الفعلية، بينما يقتصر دور رئيس الجمهورية على الجانب الرمزي والتمثيلي، وهناك السلطة التشريعية المتمثلة بمجلس النواب الذي يضم ممثلين عن مختلف القوى السياسية، والتي تواجه اشكالات مع تكرر تغيير قانون الانتخابات، إضافة إلى مجلس الاتحاد الذي لم يُفعّل الى الآن، الى جانب السلطة القضائية التي بدورها يفترض أن تكون مستقلة، لكن الواقع يشير إلى تعرضها لضغوط سياسية متكررة.
من أبرز سمات النظام السياسي العراقي التعددية الحزبية، غير أن هذه التعددية لم تُترجم إلى منافسة برامجية حقيقية، بل ارتبطت غالباً بالانتماءات الطائفية والقومية، وان هذا الأمر أدى إلى ترسيخ مبدأ المحاصصة في توزيع المناصب العليا، وهو ما انعكس سلباً على الأداء الحكومي وأضعف ثقة المواطن بالدولة.
كما أن التدخلات الخارجية، سواء من الولايات المتحدة أو إيران أو غيرهما، جعلت القرار السياسي العراقي رهينة لتلك الدول أو للتوازنات الإقليمية والدولية، وهو ما أثر على السيادة الوطنية.
دوامة أزمات متكررة
أبرزت الأزمات الداخلية المتكررة في البلاد منذ العام 2005، هشاشة النظام السياسي القائم، فغالباً ما تشهد البلاد انسداداً سياسياً عند تشكيل الحكومات أو انتخاب رؤساء الوزراء والجمهورية والبرلمان، نتيجة الانقسامات بين الكتل المتصارعة على تلك المواقع، وهو ما كان يخلق حالات متكررة من انتهاك التوقيتات الدستورية.
إضافة إلى ذلك يعاني العراق من تفشي الفساد، وهو مصنف من أكثر الدول فسادا في العالم، مع ضعف مؤسسات الرقابة والمساءلة. وتعد مشكلة الفساد من أخطر ما تواجهه البلاد، ما جعل الإصلاحات صعبة التحقيق.
أما على الصعيد الاقتصادي، فمازال العراق يعتمد بشكل شبه كامل على النفط كمورد مالي لادارة الدولة، ما يجعله عرضة لمخاطر كبيرة اثر كل تقلب في أسعار النفط، وهو ما يحد من قدرته على بناء اقتصاد متنوع ومستدام.
وكشفت الحركات الاحتجاجية التي شهدتها البلاد منذ العام 2011 وصولاً إلى احتجاجات تشرين 2019، عن عمق الأزمة بين الشعب والنظام السياسي. فتظاهرات تشرين التي يصفها الكثيرون بأنها “انتفاضة شعبية” استمرت لأشهر طويلة بمشاركة ملايين العراقيين وجاءت رفضا لاستمرار الأزمات السياسية والادارية والاقتصادية نتيجة السياسات المنتهجة في البلاد.
ولم تقتصر المطالب الشعبية، على تحسين الخدمات أو توفير فرص العمل في دولة تعاني من معدلات بطالة مرتفعة، بل شملت أيضاً إنهاء المحاصصة السياسية، ومكافحة الفساد، وضمان استقلالية القرار الوطني. تلك الاحتجاجات مثلت ضغطاً كبيراً على الطبقة السياسية، لكنها لم تؤدِ إلى تغييرات جذرية حتى الآن.
تجربة متعثرة .. عقد اجتماعي جديد
رغم كل هذه التحديات التي أعاقت بناء الدولة الجديدة وفق ما تطلع اليها العراقيون، يبقى النظام السياسي العراقي تجربة فريدة في المنطقة، إذ يجمع بين الفيدرالية والتعددية الحزبية والانتخابات الدورية، لكن ترسيخ كل ذلك وتحقيق النجاح من خلالها مرهون بقدرة الحكومات والقوى الفاعلة فيها على تجاوز الانقسامات الداخلية، وتعزيز مؤسسات الدولة، وتحصين القرار الوطني من التدخلات الخارجية.
وبعد 20 سنة من التجارب المتعثرة ومن الأزمات والمعارك الداخلية، بات المستقبل السياسي للعراق متوقفا على مدى قدرة القوى الفاعلة على بناء عقد اجتماعي جديد يعيد الثقة بين المواطن والدولة -التي اهتزت في السنوات الأخيرة- ويضع أسساً لحكم رشيد يحقق الاستقرار والتنمية.
مفترق طرق حاسم
يمكن القول إن النظام السياسي العراقي يقف عند مفترق طرق، إما أن يستمر في الدوران داخل حلقة الأزمات والانقسامات التي تهدد استقرار الدولة، أو أن ينجح في إعادة صياغة نفسه بما ينسجم مع تطلعات الشعب نحو دولة قوية، عادلة، وذات سيادة حقيقية. كما انه يقف أمام تحديات مصيرية تتطلب إعادة نظر جذرية في بنيته وآلياته.
فالمحاصصة الطائفية التي شكلت أساس التوازن السياسي بعد 2003 أثبتت أنها عائق أمام بناء دولة مؤسسات حديثة قادرة على خلق التنمية وضمان الاستقرار، لأنها كرست الانقسام بدل التوحد، وأضعفت الكفاءة والاستحقاق. كما أن التدخلات الخارجية جعلت القرار الوطني هشاً، وأفقدت المواطن الثقة بقدرة الدولة على حماية مصالحه.
وهنا لا يمكن أن يقتصر الإصلاح السياسي، على تعديلات شكلية أو تغييرات في الوجوه، بل يحتاج إلى مشروع وطني شامل يعيد صياغة العقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع. وهذا المشروع يجب أن يقوم على إنهاء المحاصصة وتعزيز استقلالية القضاء ومكافحة الفساد بشكل جاد، وتطوير الاقتصاد بعيداً عن الاعتماد الأحادي على النفط.
وفق ذلك المستقبل السياسي للعراق مرهون بمدى قدرة القوى السياسية على تجاوز مصالحها الضيقة والاتفاق على رؤية وطنية جامعة، فإذا استمر الوضع على ما هو عليه، سيظل العراق يدور في حلقة الأزمات المتكررة كدولة شعيفة هشة، أما إذا نجح في بناء نظام سياسي رشيد قائم على المواطنة والعدالة، فسيكون قادراً على استعادة مكانته الإقليمية والدولية وتحقيق الاستقرار والتنمية لشعبه.
بهذه الرؤية، فإن الإصلاح السياسي ليس خياراً ثانوياً بل ضرورة وجودية، لأنه وحده الكفيل بإنقاذ العراق من أزماته المزمنة ووضعه على طريق الدولة الحديثة ذات السيادة الحقيقية.