الضمانات الدستورية غير كافية لحماية الصحافي والخياراتُ محددة: الموت، السجن، المنفى، أو الصمت!
يواجه الصحافيون والناشطون وأصحاب الرأي في العراق، سيلا من التحديات، الأمنية والقانونية والاجتماعية، بدءا بالتضييق والملاحقات القضائية وهي بالعشرات، ومرورا برسائل التهديد والخطف كما حصل مع الصحافية الأمريكية شيلي كتلسون، وانتهاءً بعمليات القتل التي كانت آخر ضحاياها الناشطة المدنية البارزة ورئيس تحرير شبكة "مساواة" ينار محمد.
أقدم مسلحان يستقلان دراجتين ناريتين، صباح يوم الأثنين، الثاني من آذار/مارس 2026 على اطلاق النار من مسدسيهما على الصحافية والناشطة المدنية ينار محمد، في منطقة البنوك بالقرب من مقر سكنها في العاصمة العراقية بغداد، ولاذا بالفرار في حين لفظت هي أنفاسها الأخيرة قبل إيصالها إلى المستشفى.
كانت ينار محمّد، فضلاً عن كونها رئيسة لتحرير شبكة “مساواة”، ناشطة نسوية ومدافعة بارزة عن حقوق الإنسان على مدى عقدين من الزمن، فهي المؤسِّسة المشاركة ومديرة منظّمة “حريّة المرأة” في العراق (OWFI). عملت منذ العام 2003 على حماية النّساء اللّواتي يواجهن العنف القائم على النّوع الاجتماعيّ، بما في ذلك العنف الأسريّ، والاتّجار بالبشر، وما يُسمّى بجرائم الشّرف.
قبل اغتيالها كانت “ينار” في كندا للمشاركة في مؤتمر دولي يناقش قضايا النساء في العراق وسوريا، وهو مؤتمر اعتُبر خطوة مهمة لتسليط الضوء على معاناة النساء في المنطقة. في ذات الفترة تعرّضت لحملةٍ واسعة على وسائل التواصل الاجتماعي، اتهمتها بالعمالة للصهيونية والارتباط بالولايات المتحدة، ويبدو أن ذلك كان سبب استهدافها، كما يقول مقربون منها.
ومع أن رئيس الوزراء العراقي السابق محمد شياع السوداني، وجه وزارة الداخلية وفقاً لمستشاره لشؤون منظمات المجتمع المدني، قحطان الكعبي، باجراء تحقيق عاجل بحادث اغتيالها “لكشف ملابسات الجريمة، وتحديد هوية الجناة، وملاحقتهم، وتقديمهم إلى العدالة”، إلا ان التحقيق لم يفض الى الآن عن اعلان اعتقال المتورطين وتحديد الجهة المسؤولة.
يقول صحافيون وناشطون كثر، ان الاجراءات المعلنة من قبل الحكومة، “إعلامية” ولن ينتهي التحقيق إلى أية نتائج ملموسة، كما حدث في قضايا أخرى سقط فيها صحافيون وناشطون مدنيون ضحايا استهدافات جماعات مسلحة، وبعضها “موثقة بالصوت والصورة والجناة معروفون” على حد زعم البعض منهم.
وهم يرون بأن اغتيال “ينار” ليس استثناءً، بل جزءاً من نمطٍ متكرر في استهداف الصحافيين والناشطين المدنيين وأصحاب الرأي، العراقيين وحتى غير العراقيين كما حدث يوم الثلاثاء 31 آذار/مارس 2026، عندما أقدم مسلحون مجهولون على اختطافالصحافيةالامريكيةشيليكتلسون، وسط العاصمة بغداد، وتم أُطلاق سراحها لاحقاً ضمن صفقة “تبادل شملت إطلاق سراح عناصر من فصيل مسلح” وفقاً لتقارير اعلامية عالمية منها الواشنطن بوست، ووكالة الانباء الايطالية، في حين لم يشر الى ذلك اي مصدر رسمي عراقي.
ولا يقتصر الأمر على الاغتيالات والخطف، بل يمتد إلى حملات تشويه منظمة بحق ناشطين، واختراق الحسابات الشخصية، وفتح صفحات بأسمائهم لنشر محتوى يسيء إليهم أو يعرّضهم للخطر. وهذا لا تواكبه إجراءات حكومية رادعة، بل يذهب بعض الصحافيين إلى اتهام وزارة الداخلية والسلطة القضائية بمساندة مستهدفي صناع الرأي، بالملاحقات القضائية او عبر هيئة الاتصالات، التي تصدر قرارات بحجب الظهور الاعلامي بحق كتاب وباحثين وصحافيين، أو عبر حملة (مكافحة المحتوى الهابط).
وحملة مكافحة المحتوى الهابط، بدأت في أوائل 2023، مع اطلاق وزارة الداخلية منصة (بلّغ)، تبعها إطلاق مجلس القضاء الأعلى حملة أوسع في 8 شباط/فبراير 2023، لملاحقة المواد التي “تسيء للذوق العام والآداب”.
وقد أسفرت الحملة عن اعتقال العشرات من المدونين وصناع الرأي بينهم صحافيون وإعلاميون وصدرت أحكام بالسجن ضد العديد منهم، فضلاً إجبار آخرين على توقيع تعهدات بعدم التطرق لمواضيع بعينها، فيما اضطر قسم الى التوقف نهائيا عن النشر والظهور الإعلامي، وقسم آخر غير محل اقامته داخل البلاد، أو غادرها بنحو كامل.
صحافيون اجبروا على الهجرة
اضطر العديد من الصحافيين العراقيين خلال السنوات القليلة المنقضية، إلى الابتعاد عن بيئة عملهم وترك عائلاتهم وأعمالهم خلفهم، خوفاً من التهديدات التي تطالهم بسبب نشاطهم الإعلامي ومواقفهم العلنية.
أحد هؤلاء هو مهدي المهنا، وهو صحافي ومدافع عن حقوق الإنسان عمل في المجال الإعلامي لأكثر من عشر سنوات. خلال هذه الفترة شارك في إعداد تقارير وبرامج إعلامية، كما تعاون مع منظمات المجتمع المدني في ملفات تتعلق بالحريات العامة وحقوق الإنسان في العراق.
يقول المهنا إنه كان حاضراً منذ العام 2011 في معظم الاحتجاجات الكبرى التي شهدها العراق، وصولاً إلى احتجاجات تشرين 2019، حيث كان جزءاً من مجموعة من النشطاء الذين عملوا على تنظيم الحراك والدفاع عن مطالب المحتجين.
لكن نشاطه الصحافي ومواقفه العلنية، بحسب قوله، عرضاه لسلسلة من التهديدات المتكررة من جماعات مسلحة، ما اضطره في إحدى المراحل إلى مغادرة بغداد لفترة من الزمن. وبعد عودته لاحقا، عاد لعمله الصحافي لكن بأسماء مستعارة خوفاً من الملاحقة.
يضيف المهنا أن التهديدات تصاعدت مجدداً في العام 2024 من جهات مسلحة، ما جعل بقاءه في العراق يشكل خطراً حقيقياً على حياته. فلم يجد المهنا خياراً سوى مغادرة البلاد والتوجه الى تركيا بحثاً عن الأمان وهرباً من بيئة وصفها بشديدة الخطورة.
معدة التقرير، تواصلت مع صحافي آخر، غادر البلاد مطلع 2026، بسبب تهديدات يقول بأنه تلقاها من فصائل مسلحة، وذكر أنه انجز تحقيقا استقصائيا كشف فيه فساداً حكومياً، فتعرض لسلسلة من التهديدات بالتصفية، قرر على أثرها مغادرة البلاد.
هو يعيش اليوم في قلق دائم على افراد عائلته، ويخشى أن تتم ملاحقتهم او استهدافهم بسببه، يقول:”غادرت حفاظا على حياتي، لست متزوجا، لكن لدي عائلة، وصحيح انهم بعيدون عن الإعلام والصحافة، لكن الجهات الخارجة عن القانون المرتبطة بالسياسيين لايعرفون غير لغة القتل والتهديد”.
تصاعد الانتهاكات ضد الصحافيين
تراجع العراق الى المرتبة 162، من أصل 180 دولة، في مؤشر حرية الصحافة العالمي لعام 2026، الصادر عن منظمة مراسلون بلا حدود، بعد أن كان في المرتبة 155، وذلك بسبب استمرار الانتهاكات ضد العاملين في الصحافة والاعلام.
قائمة الاغتيالات والاعتداءات على الصحافيين وصناع الرأي في العراق فضلاً عن الملاحقات القضائية طويلة جداً. ففي حديقة الحرية بمدينة السليمانية في اقليم كردستان، يخلد نصب يحمل اسم “حراس الحقيقة” افتتح في أيلول سبتمبر 2024 أسماء وتواريخ 551 صحافيا قتلوا بعد العام 2003. لكن عدد الضحايا أكبر بحسب، مؤسسات صحفية، كون بعض الضحايا لم يتم توثيقهم.
تظهر السجلات الرسمية أن أكبر عدد من الصحافيين قتلوا في سنوات الحرب الطائفية، حيث وثق مقل 114 صحافيا في العام 2006 تلاه عام 2007 بمقتل 95 صحفيا. كما شهدت السنوات بين 2014 و2016 توثيق عدد كبير من القتلى نتيجة الحرب على تنظيم داعش.
اعتقد كثيرون أن ذلك سيتوقف بعد انتهاء سنوات الحرب والعنف، إلا أن ذلك لم يعدو عن كونه أمنية وفقا للصحافي عادل كمال، الذي يقول بأن فصائل مسلحة تابعة للحشد الشعبي الشيعي الذي شكل سنة 2014 لمقاتلة تنظيم داعش، أصبحت بديلة للتنظيمات المسلحة في استهداف الصحافيين “قتلا، وخطفاً، وتهديداً”، وأن ذلك دفع عشرات الصحافيين الى التخلي عن عملهم أو تغيير مناطق سكناهم، أو مغادرة البلاد، فيما توقف آخرون عن متابعة القضايا الحساسة”.
ويضيف:”المسؤولون العراقيون، بمن فيهم رؤساء الوزراء، ووزراء ونواب، ومدراء عامين، ومسؤولين أصغر وسياسيين، أقاموا دعاوى ضد صحافيين. وقامت هيئة الاتصالات بإصدار أوامر عدة لمنع ظهور صحافيين واعلاميين في قنوات فضائية”.
كأمثلة للملاحقات الحاصلة، في 17 نيسان/أبريل 2026 اعتقلت استخبارات نينوى، الاعلامي بلال الحسيني، المعروف بتقديمة برنامج (خط أحمر) الذي يتناول فيه قضايا فساد في مؤسسات حكومية.
مصادر أمنية اكدت أن الاعتقال جاء بناءً على أوامر قضائية، وأنه مطلوب في أكثر من عشرين قضية تتعلق بابتزاز مسؤولين وضباط وتجار مقابل مبالغ مالية. وعن طريقة اعتقاله، ذكر المصدر أنه تم استدراجه إلى الموصل والقي القبض عليه، وان التحقيقات الأولية تظهر تورط ضباط ومسؤولين معه في القضايا المتهم بها.
بذات السيناريو تقريبا، تم اعتقال الاعلامي زياد السنجري، في تشرين الأول/اكتوبر2024، وصدر حكم قضائية بحبسه لسنتين بتهمة انتحال صفة قاضي، فضلاً عن تهم اخرى تتعلق بالابتزاز. مع ان السنجري، كان في الاصل مقيما بالنمسا، وكان في زيارة للموصل عندما تم اعتقاله.
وعرف عن السنجري خلال سنوات ما قبل اعتقاله، كشفه الكثير من ملفات الفساد، عبر وثائق كان ينشرها في وسائل التواصل الاجتماعي أو القنوات الفضائية التي كانت تستضيفه.
كما طالت ملاحقات قضائية العديد من الصحافيين والاعلاميين والباحثين، مثل الصحافي قصي شفيق، والباحث والمحلل السياسي الدكتور محمد نعناع، والإعلامي راسم كريم السعيدي، والإعلامي علي الخيال.
المرصد العراقي لحقوق الإنسان اكد في تقرير أصدره، في نيسان/أبريل 2026، تصاعداً وصفه بالخطير في وتيرة الانتهاكات ضد الصحافيين والعاملين في وسائل الإعلام، في سياق يتسم بتداخل العوامل الأمنية والسياسية، وتراجع الضمانات القانونية لحرية التعبير والعمل الصحافي.
يأتي هذا التصاعد في ظل بيئة إعلامية مضطربة، تتزايد فيها القيود الرسمية وغير الرسمية، وتتراجع فيها مساحة العمل الحر والمستقل.
وأشار التقرير، إلى اعتقال الصحافي محمد امين، من قناة (الرابعة) في السادس من نيسان/أبريل 2026، أثناء محاولته تغطية “أزمة الغاز” في محافظة كربلاء، وتم اقتياده إلى مركز شرطة حي الحسين، حيث جرى سحب معداته وهاتفه الشخصي، وإجباره على توقيع تعهد بعدم التطرق للأزمة، قبل الإفراج عنه.
اعتداءات ورسائل تهديد
ويذكر تقرير “مرصد حقوق الإنسان” أن مراسل قناة الشرقية في بغداد، ميناس السهيل، تعرض إلى الاعتداء بالضرب على يد عناصر أمن في (مول بغداد) خلال تغطيته الاحتفال بالمنتخب الوطني العراقي المتأهل لكأس العالم. ويظهر مقطع فيديو نشره المرصد العراقي لحقوق الإنسان، لحظة الاعتداء.
كما يشير التقرير كذلك إلى تعرض الصحافيين مصطفى الشمري، مراسل قناة التغيير، ونور التميمي، مراسلة قناة الشرقية، في الثامن من نيسان/أبريل 2026، “لاعتداء جسدي وإهانات لفظية” في مدينة البصرة، أثناء تغطيتهما تظاهرات شعبية.
كما يسجل تقرير المرصد تعرض كادر قناة روداو، في كركوك، في 12 آذار/مارس 2026، لاعتداء بالضرب من قبل عناصر في الحشد الشعبي، أثناء تغطيتهم حادثة قصف. وجرى اقتحام موقع التصوير وإسقاط الكاميرا أرضاً لمنع توثيق عمليات الإسعاف، بحسب التقرير.
ويصف رئيس المرصد العراقي لحقوق الإنسان، مصطفى سعدون المشهد الصحافي في العراق بأنه يشهد تآكلاً تدريجياً وخطيراً لحرية الصحافة. ويقول:”الانتهاكات لم تعد استثناءً، بل أصبحت جزءاً من واقع يومي يواجهه الصحافيون، في ظل غياب المساءلة وضعف الحماية القانونية”.
ويضيف:”الاختطاف، والاعتقال، والضرب، والمنع الإداري، كلها أدوات تُستخدم لتقييد العمل الصحافي. وإذا لم يتم التعامل مع هذه الظواهر بشكل جدي، فإن العراق مهدد بفقدان أحد أهم أعمدة النظام الديمقراطي”.
في سنة 2025، تعرّض منزل الصحافي والإعلامي علي الخيال، مقدم برنامج (السلطان) في قناة البغدادية، لمداهمة من قبل قوة تابعة لجهاز الأمن الوطني، واعتقل امام أفراد عائلته.
بحسب ما ذكره الخيال، فإن السبب يعود إلى جملة قالها خلال برنامجه، وهي أن حكومة محمد شياع السوداني، رئيس الوزراء العراقي السابق، قد “فشلت في تقديم الخدمات”، ويتساءل:”ما قيمة الإعلام إذا لم أطرح رأياً؟ وما جدوى العمل الصحفي إن لم يكن قادراً على نقد أداء الحكومة أو الإشارة إلى مواطن الفشل في إدارة الدولة؟”.
ويؤكد الخيال، أن “القضايا المرفوعة ضده استمرت وتوسعت لتشمل اتهامات متعددة”. وانه يعيش جراءها حالة من الضيق والضغط النفسي وعدم الشعور بالأمان، إضافة إلى تلقيه تهديدات مستمرة منذ بدء القضية.
وعلي الخيال، كان قد أحيل الى القضاء في مناسبات سابقة، لانتقاده الأداء الحكومي، وتُظهر إحدى الوثائق القضائية الصادرة عن مجلس القضاء الأعلى – محكمة استئناف بغداد/الكرخ بصفتها التمييزية حكماً يتعلق بإحدى هذه القضايا. إذ أدانته محكمةجنح الكرخ وفقاً المادة 433 من قانون العقوبات العراقي الخاصة بالتشهير، في 9/2/2026 وقضت بحبسه لمدة أربعة أشهر غيابياً. وقد جاء الحكم بعد شكوى قدمها أحد المشتركين في برنامج الخيال.
كما يبين القرار أن المحكمة اعتمدت في حكمها على تفريغ تسجيلات البرنامج وتقرير الخبراء وأقوال المشتكي، قبل أن يتم الطعن بالقرار أمام الهيئة التمييزية التي رأت بدورها أن الحكم الصادر من محكمة الجنح يتفق مع أحكام القانون.
بيئة حساسة
ممثل لجنة دعم الصحافيين- مكتب العراق، صلاح الزبيدي، يؤكد بأن واقع حرية الصحافة في العراق يمر بمرحلة “حساسة وخطيرة” في ظل تصاعد الانتهاكات والضغوط التي تستهدف الصحافيين والعاملين في المجال الإعلامي.
ويقول الزبيدي، ان حرية الصحافة في العراق مكفولة دستورياً، إلا أن التطبيق على أرض الواقع يكشف عن “فجوة واضحة بين النصوص القانونية والممارسة الفعلية”، حيث يتعرض الصحافيون لبيئة ضاغطة تشمل التهديدات المباشرة، والتضييق القانوني، إضافة إلى حملات التشهير المنظمة.
وبحسب ما رصدته لجنة دعم الصحافيين فإن الانتهاكات الأخيرة تتخذ أشكالاً متعددة من بينها التهديدات المباشرة بالقتل أو الأذى، والاستدعاءات الأمنية دون مذكرات قانونية واضحة، والملاحقات القضائية عبر دعاوى تتعلق بالتشهير أو إساءة استخدام وسائل الاتصال.
ويذكر الزبيدي، أن اللجنة وثقت حملات تشهير إلكترونية منظمة تستهدف صحافيين مستقلين، فضلاً عن اعتداءات جسدية تعرض لها إعلاميون أثناء التغطيات الميدانية، إضافة إلى حالات استهداف مقار مؤسسات إعلامية في مناطق النزاع.
ويرى الزبيدي، أن تصاعد هذه الانتهاكات لا يأتي بنحو عشوائي، بل يعكس أنماطاً متكررة من الضغوط التي تهدف إلى تقييد العمل الصحافي، من بينها “استخدام القضاء كأداة ضغط عبر دعاوى كيدية، إضافة إلى التهديدات التي يتعرض لها الصحفيون بعد نشر ملفات أو تقارير حساسة”.
ويحذر من أن استمرار هذه الممارسات دون محاسبة يعزز ثقافة الإفلات من العقاب، ويقوض البيئة الآمنة للعمل الإعلامي، مشدداً على أن حماية الصحافيين تقع ضمن المسؤولية الدستورية والقانونية للحكومة والجهات الأمنية.
كما يدعو إلى اتخاذ إجراءات عملية لتعزيز حماية الصحفيين، من بينها تشريع قوانين أكثر وضوحاً لحماية الإعلاميين ومنع ملاحقتهم باستخدام قوانين قديمة، وتوفير دعم قانوني وأمني، إضافة إلى تطوير برامج التدريب على السلامة المهنية والأمن الرقمي.
ملاحقة وترويع الاعلاميات !
(هيفاء) اسم مستعار، لإعلامية عراقية من بغداد في عقدها الرابع، تقول بانها اخضعت سنة 2025 لاستجواب استمر ساعتين بعد أن نشرت في حسابها الخاص على فيسبوك مقالاً صحافياً يتعلق بالحرب في غزة، بفلسطين.
قامت إثر ذلك، قوة مسلحة تابعة لفصيل في الحشد الشعبي بمداهمة منزلها في منطقة العرصات بالعاصمة بغداد، وحققت معها بشأن ما كتبته، وتقول:”أمروني بعدم نشر اي محتوى مشابه، وان التزم بخطاب محدد”.
وتشير إلى أن السلطات فرضت عليها قيوداً على السفر، وأن المحققين اتهموها “بمحاولة نقل معلومات والتعامل مع جهات أجنبية” وهو ما تنفيه بنحو قاطع، وتؤكد بأنها “مجرد إعلامية تعبّر عن رأيها لا غير”.
كما تشير إلى أنها تعرضت أيضاً إلى تهديدات تمس عائلتها، إذ تم إبلاغها، حسب قولها – بأن الجهات التي حققت معها تعرف مكان عائلتها وأطفالها في حال حاولت السفر أو استمرت في نشاط إعلامي يتعارض مع توجهاتهم.
وتضيف بأنها أُجبرت على تقديم كفالة من أحد معارفها مقابل إنهاء التحقيق، مع تحذيرها من العودة إلى نشاطها الإعلامي بنشر آراء مشابهة، وذكرت بانها خسرت عملاً كانت قد حصلت عليه في أربيل بسبب القيود المفروضة على سفرها.
صحافية أخرى من بغداد، في عقدها الثالث، طلبت أيضاً من معدة التقرير عدم الكشف عن اسمها لأسباب أمنية، تحدثت عن تجربة مشابهة مرت بها مع جهات مسلحة استدعتها للتحقيق مطلع 2026 في بغداد. وقالت ان المحققين طلبوا منها الامتناع عن استخدام بعض المصطلحات في تقاريرها الإعلامية.
وتروي كيف أنهم قاموا بسحب هاتفها الجوال الشخصي وتدقيق محتوياته، على الرغم من أنها ابلغتهم أنه يحوي صورا عائلية خاصة، لكنهم اصروا على ابقائه في حيازتهم خلال التحقيق معها، حسب قولها.
وقد تم تحذيرها من ذكر مفردات معينة فيما تنشره، منها:”ميليشيات أو جهات خارجة عن القانون أو فصائل مسلحة”، وانهم هددوها بتعريض نفسها للمساءلة القانونية إن هي خالفت التعليمات الموجهة إليها، كما انهم وجهوا اليها السلاح في محاولة لترهيبها، وألمحوا الى نشر صورها الخاصة في حال خالفت التعليمات وفرت الى جهة خارج سلطتهم، حسب روايتها.
ومن بين الاتهامات الموجهة إليها حسبما تقول، ارتباطها “بمنظمات مجتمع مدني مدعومة من جهات أجنبية”. وهذه من التهم الشائعة التي تطلق بكثرة ضد الناشطين المدنيين والصحافيين والاعلاميين من قبل جهات مقربة من السلطة او الفصائل المسلحة.
استخدام ورقة الشرف!
(س، ب) صحافية ذات خبرة طويلة في العمل بمجال الصحافة المكتوبة، تشير الى ان “اتهامات الشرف” تشكل إحدى الأدوات المستخدمة لإسكات الاصوات النسوية وأصحاب الرأي في العراق.
وتقول ان جهات ذات سلطة، تستهدف النساء تحديدا باتهامات تتعلق بشرفهن “لأن تأثيره الاجتماعي يكون أكبر بكثير مقارنة بالرجال، كما أنها تثير تفاعلاً واسعاً داخل المجتمع، وأحياناً اهتماماً دولياً”.
وتوضح:”الحملات غالباً ما تبدأ بمحاولات اختراق الهواتف الشخصية أو الحصول على صور خاصة، ثم يتم استخدامها في حملات تشويه السمعة”. وفي بعض الحالات، يتم استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لتوليد صور مفبركة أو محتوى مزيفاً بهدف الإساءة إلى سمعة الصحفيات وإضعاف مصداقيتهن.
وترى (س، ب) أن هذه الأساليب تشكل نوعاً من الضغط الاجتماعي والنفسي الشديد:”إذ قد تجد الصحافية نفسها أمام مخاطر لا تتعلق بعملها فقط، بل أيضاً بمكانتها داخل عائلتها ومحيطها الاجتماعي”.
وتضيف:”بعض النساء اللواتي يتعرضن لمثل هذه الحملات يضطررن إلى الاختفاء أو التوقف عن العمل الإعلامي، خوفاً من تداعيات اجتماعية خطيرة أو من تصاعد حملات التشهير”.
وفقا لهذه الصحافية وأخريات قابلتهن معدة التقرير، فإن ذلك قد ادى الى توقف الكثير من الصحافيات عن العمل بنحو نهائي، خشية أن يتعرضن لتشوية سمعتهن والتحريض اجتماعيا ضدهن، والبعض منهن اجبرن من قبل عائلاتهن على ترك العمل.
معدة التقرير تواصلت كذلك مع صحافيين واعلاميين توقفوا عن الظهور، ولاسيما اثر اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة الأمريكية واسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى في 28 شباط/فبراير2026، بعد تهديدات تلقوها من فصائل عراقية شيعية مسلحة موالية لإيران في العراق.
بعض المستهدفين، رفضوا التعليق، بينما أكد آخرون انهم اضطروا لنشر مقالات وأخبار بأسماء مستعارة، والادلاء بتعليقات لوسائل اعلام بوجه مخف وأسم مستعار، ولجأ قسم الى تناول شؤون عامة غير سياسية خشية الاستهداف.
سطوة المليشيات على المؤسسات الإعلامية
اعلامي شاب في قناة فضائية عراقية، طلب عدم ذكر أسمه، يقول بان برنامجه تعرض للتوقيف مرات عدة بسبب الموضوعات التي تناولها، وهو يرى بأن المشهد الإعلامي في العراق يواجه ضغوطاً كبيرة من جهات سياسية ومسلحة، على حد تعبيره.
ويقول:”بعض المؤسسات الإعلامية الرئيسية في البلاد تقع تحت تأثير جهات مسلحة أو أحزاب مرتبطة بها”، ويذكر أن كتل برلمانية كبيرة لديها فصائل مسلحة مرتبطة بها، وهي تؤثر بنحو كبير، وفقا لزعمه، على بيئة العمل الإعلامي.
ويضيف:”بعض الأصوات يتم شراؤها بالمال السياسي، والأخرى يتم اسكاتها بالقوة”، ويتساءل: “في ظل هذه الظروف، كيف يمكن أن يكون هناك مجال حقيقي للرأي والكلمة الحرة؟.
ويؤكد بدوره، أن العديد من زملائه يعيشون ضغوطاً مستمرة، البعض ترك العمل وآخرون غادروا البلاد، بينما تتكرر حالات “فصل الاعلامي بسب الضغوطات على القنوات”.
ويشير الى ان المخاطر لا تقتصر على الصحفيين أنفسهم، بل قد تمتد إلى عائلاتهم ما يجعل كثيراً منهم غير قادرين على ممارسة حياتهم اليومية بنحو طبيعي.
كما ينبه الى أن بعض القضايا التي يواجهها الصحافيون، تتعقد بشكل كبير حين يتعرض المحامون الذين يتولون الدفاع عنهم لضغوط، الأمر الذي يزيد من صعوبة الحصول على حماية قانونية فعالة.
اعتداءات متكررة بسبب المحتوى
لوسائل الاعلام العراقية كذلك، نصيبها من الاعتداءات والتهديدات، ففي عام 2019 اقتحم مسلحون مكاتب عدد من القنوات في بغداد واعتدوا على موظفيها بسبب تغطية الاحتجاجات الشعبية ضد السياسات الحكومية، والتي عرفت لاحقا بـ(احتجاجات تشرين)
كما تعرضت مكاتب قناة “دجلة” للحرق في العام نفسه، بسب تغطيتها للمظاهرات، وأصدرت السلطات قراراً بإغلاق مكاتب قناتي العربية والحدث وتعليق عملهما في البلاد بسبب تغطيتهما للأحداث. وفي حادثة أخرى، اقتحم مسلحون مكتب قناة NRT في بغداد وقاموا بالاعتداء على الموظفين وتحطيم معدات البث.
بينما شهد عام 2023 هجوماً بقنبلة يدوية على مكتب قناة UTV في العاصمة. وفي حادثة أخرى عام 2024 اقتحم محتجون مؤيدون لفصيل مسلح مكتب قناة MBC وقاموا بتخريبه بعد بث تقرير أثار غضبهم، ما أدى إلى إغلاق المكتب مؤقتاً.
هذه الحوادث تعكس بيئة عمل محفوفة بالمخاطر للصحفيين والمؤسسات الإعلامية
وعلى المستوى الرسمي، فان هيئة الاعلام والاتصالات، فرضت العديد من الإجراءات التي وصفتها بالتأديبية ضد قنوات تلفزيونية ومقدمي برامج ومحللين سياسيين، وذلك في خلفية ما عدته “انتهاكاً لقواعد اللياقة والسلوك العام” المنصوص عليها في لائحة تنظيم البث الإعلامي.
فعلى سبيل المثال وبحسب وثائق رسمية صادرة عن الهيئة، تقرر منع كل من الناشط أحمد الوشاح والسياسي فتاح الشيخ من الظهور الإعلامي لمدة تسعين يوماً، وذلك لمشاركتهما في برنامج(بوضوح)الذي بث عبر قناة زاغروس، الفضائية، إذ عدت تصريحاتهما مخالفة للآداب العامة، كما فرضت الهيئة غرامة مالية على القناة بلغت 40 مليون دينار عراقي، بسبب البث دون ترخيص نافذ.
وأشارت الوثائق إلى أن الوشاح وجّه انتقادات للحكومة العراقية واصفاً إياها بأنها “حكومة فصائل موالية لإيران”، في حين استخدم الشيخ عبارات وصفتها الهيئة بأنها غير لائقة ومخالفة للضوابط الإعلامية.
وفي سياق متصل، أصدرت الهيئة في 25 كانون الثاني/يناير2026 قراراً بتعليق برنامج (قضية البلد) الذي يُبث عبر قناة (البلد نيوز) لمدة ثلاثة أشهر، مع فرض حظر إعلامي على مقدم البرنامج ماجد سليم للفترة ذاتها، وذلك بسبب استضافته شخصية كانت خاضعة مسبقاً لقرار منع من الظهور الإعلامي، وهو بشير الحجيّمي.
كما فرضت غرامة مالية على القناة ذاتها بقيمة 40 مليون دينار عراقي، لعدم امتلاكها ترخيص بث ساري المفعول.
ووجهت الهيئة إنذارات رسمية إلى قناتي الجزيرة الإنجليزية والعربية الحدث في أواخر آذار/مارس 2026، وألزمتهما بحذف تقارير عدتها مخالفة للتوجه الحكومي. كما أصدرت قرارات بمنع عدد من الإعلاميين والمعلقين السياسيين من الظهور الإعلامي، من بينهم غيث التميمي (لمدة عام)، حسام الطائي (90 يوماً)، نزار حيدر (30 يوماً)، نجاح محمد علي (45 يوماً)، وعبد الله الجغيفي (45 يوماً)، إضافة إلى توجيه تحذير لمقدمة البرامج سحر عباس جميل.
رصد دولي
في مؤشر حرية الصحافة لعام 2025 الصادر عنمنظمةمراسلونبلاحدود، يحتل العراق المرتبة 155 عالمياً من أصل 180 دولة، وهو ما يعكس بيئة عمل صعبة للصحفيين، وقد ورد في التقرير بأن الصحافيين:”يكافحون للدفاع عن حقوقهم، ويتعرض معظمهم لتهديدات مستمرة منذ العام 2019″.
وأشار التقرير إلى ارتباط وسائل الإعلام العراقية بشكل وثيق بأحزاب سياسية تتحكم في سياساتها التحريرية. فعلى سبيل المثال، ترتبط قناة الفرات التلفزيونية بتيار الحكمة (المجلس الإسلامي الأعلى في العراق سابقا) (أحد الأحزاب الشيعية الرئيسية). ولدى الطوائف الدينية وسائل إعلام خاصة بها.
وتقول منظمة Committee to Protect Journalists إن العراق يعد من أخطر الدول على الصحافيين في العالم، حيث قُتل ما لا يقل عن 282 صحفياً منذ عام 2003 أثناء عملهم أو بسبب عملهم الصحفي. كما تشير تقاريرأخرى إلى أن العراق كان من أكثر الدول تسجيلاً لقتل الصحفيين خلال العقدين الماضيين.
ووفقاً لرصد منظمات محلية معنية بحرية الصحافة في العراق، تم تسجيل أكثر من 330 انتهاكاً ضد الصحافيين خلال عام واحد فقط. وشملت هذه الانتهاكات حالات اعتقال واستدعاءات أمنية، واعتداءات جسدية على الصحافيين أثناء عملهم، إضافة إلى ملاحقات قضائية وتهديدات مسلحة، فضلاً عن منع بعض الصحافيين من التغطية الإعلامية أو التضييق عليهم أثناء أداء مهامهم الصحفية.
وبحسب احصائية لجمعية الدفاع عن حرية الصحافة، فأن 128 انتهاكاً تعرض لها صحافيون خلال العام 2025، توزعت بين الاعتقال والاحتجاز والمنع من التغطية والاعتداءات الجسدية، إضافة إلى الدعاوى القضائية والإجراءات التقييدية الصادرة عن هيئة الإعلام والاتصالات، فضلاً عن حالات الترهيب ومحاولات إسكات العمل الصحفي.
وبحسب ما وثقته الجمعية، فإن الانتهاكات شملت 34 حالة اعتقال واحتجاز، و53 حالة منع من التغطية الصحافية، إضافة إلى 22 حالة اعتداء وعرقلة للعمل الصحفي. كما تم تسجيل 28 دعوى قضائية رفعت على خلفية العمل الصحافي، إلى جانب 7 حالات تهديد وترهيب.
وتضمنت الاحصائية ايضاً حالتي قتل أو محاولة اغتيال، و4 حالات إيقاف عن العمل، فضلًا عن 21 حالة إجراءات أو قرارات صادرة عن هيئة الإعلام والاتصالات، إضافة إلى 10 انتهاكات أخرى متفرقة.
قوانين تكفل حرية التعبير.. وواقع يمنع
ينص الدستور العراقي على حماية حرية التعبير والصحافة، إذ تؤكد المادة 38 من الدستور أن الدولة تكفل حرية التعبير عن الرأي بكل الوسائل، وحرية الصحافة والطباعة والإعلام والنشر، بما لا يخل بالنظام العام والآداب.
كما يؤكد قانون حماية الصحافيين رقم 21 لسنة 2011 على ضمان حقوق الصحفيين أثناء أداء عملهم، ويوجب على الدولة توفير الحماية لهم ومنع التعرض لهم بسبب عملهم الصحفي.
إلا أن عدداً كبيرا من الصحافيين والحقوقيين يرون أن الواقع مختلف، وان النصوص القانونية مازالت بعيدة عن التطبيق. وتشير شهادات إعلاميين ومنظمات مهنية إلى استمرار حالات التضييق والملاحقات القانونية ضد الصحافيين بسبب آرائهم أو تقاريرهم.
وتؤكد مصادر صحافية، أن بعض المؤسسات المهنية، بما فيها نقابات واتحادات معنية بالعمل الإعلامي والقانوني، غالباً ما تجد نفسها أمام واقع معقد تتداخل فيه الضغوط السياسية والأمنية، ما يجعل الدفاع العلني عن بعض القضايا الصحافية أمراً حساساً.
ومن بين تلك القضايا، الفساد في المؤسسات الحكومية أو ملفات تتعلق بأحزاب سياسية ذات نفوذ في السلطة أو مجموعات مسلحة. يقول كاروان احمد، وهو محام وعضو في شبكة تدافع عن الصحافيين، عن ذلك إن “مجرد الحديث عن مثل هذه القضايا أو توثيقها في تقارير إعلامية قد يعرض الصحافي إلى مخاطر قانونية أو ضغوط أمنية او أدارية”.
ويضيف:”كما تستخدم بعض القوانين المتعلقة بالتشهير أو إساءة استخدام وسائل الاتصال لملاحقة الصحفيين بسبب آرائهم أو ما ينشرونه من مواد إعلامية”.
أنجز التقرير بإشراف شبكة نيريج للتحقيقات الاستقصائية لصالح منحة ميدان.