انتقد الكاتب عزيز الدفاعي، اختيار رئيس للحكومة من خارج الحلقة السياسية وحتى ساحة التنافس الانتخابي الطبيعية، فالمرشح رجل اعمال شاب بلا خبرة سياسية او ادارية حكومية، لم يشارك في انتخابات ولم ينتمي الى حزب، ولا تعرف له ايديولوجية أو رؤية سياسية. اختير من قبل قوى الاطار التنسيقي الشيعي بعد خلافات امتدت لأشهر تبادلت خلالها قوى الاطار رفض مرشحي بعضها البعض، حيث كان يتنافس تسعة مرشحين معروفين.
يقول الدفاعي، في مقال، عن ذلك التوجه الغريب، ان العراقيين يعيشون مشهدا سياسيا هو الأكثر عبثية في تاريخ العراق الحديث، فالبلاد تدخل مرحلة جديدة “تُدار فيها الدولة بمنطق السوق لا بمنطق السياسة، حيث لم تعد الشرعية تُصنع عبر التاريخ السياسي أو الكفاءة أو المشروع الوطني، أو صناديق الانتخابات بل عبر المال والصفقات والقبول الخارجي”.
ويوضح:”البلاد أمام رئيس وزراء لم يُعرف عنه أي نشاط سياسي أو برلماني أو فكري سابق، وكأن الدولة التي تضم عشرات الأحزاب وآلاف السياسيين انتهت فجأة إلى مرشح مجهول لا يعرفه الشعب العراقي”.
ويُذكر الكاتب، بالنتائج الكارثية لبيع بعض الناخبين اصواتهم الانتخابية، قائلا ان العراقي الذي باع بالأمس صوته الانتخابي بأقل من خمسين دولارا، لا يملك حق الاعتراض اليوم على صعود شخصيات مجهولة أو مرتبطة بمصالح مالية ضخمة إلى قمة السلطة.
مصالح تجارية تهدد القرار الحكومي
لم يتوقف انتقادات الدفاعي عنذ ذلك، حيث نبه الى ان بعض الوجوه التي صوت لها لإدارة الوزارات السيادية “ترتبط بإمبراطوريات مالية وتجارية ضخمة، في وقت يفترض فيه المنصب التنفيذي التخلي الكامل عن أي نشاط تجاري أو منفعة مالية مباشرة أو غير مباشرة”، متسائلا كيف سيتم الفصل بين القرار الحكومي والمصلحة التجارية الخاصة للساده الوزراء ومن اوصلهم خلف الستار؟
ويرى الكاتب ان ما جرى لم يكن عملية اختيار وطنية قائمة على الخبرة، بل “أشبه بمزاد سياسي ومالي مفتوح، لم تشهد له حتى أكثر الأنظمة فساداً مثيلاً، حيث أُزيحت تدريجيا أسماء وقوى سياسية مخضرمة لصالح جيل جديد من المقاولين ومدراء المكاتب وشبكات المصالح المرتبطة بزعماء بلغ كثير منهم من العمر عتيا، ولم يعودوا قادرين على إدارة المشهد إلا عبر واجهات شابة تدير المال والنفوذ بدل السياسة والدولة”.
ويلفت الى ما يصفه بالتحول المثير للسخرية السياسية، المتمثل بانتقال جزء كبير من الجمهور الشيعي، من خطاب “حاكمية المذهب والمرجعية” والتبعية السياسية لإيران، إلى القبول بأي سلطة تحظى برضا واشنطن.
انهيار فكرة الدولة لصالح النفوذ والمال
ويخلص الى القول، إن ما يجري لا يشبه تداولا طبيعيا للسلطة، بل يكشف عن “انهيار تدريجي لفكرة الدولة نفسها، وتحول النظام السياسي إلى مساحة مفتوحة لتجارب النفوذ والمال والتسويات الدولية، وسط شعب أُنهك بالفقر والدعاية والطائفية حتى فقد القدرة على التمييز بين رجل الدولة ورجل الصفقة في جمهورية المقاولين: انها نهاية السياسة وبداية المزاد الكبير”.
بدوره يصف الباحث الأكاديمي الدكتور علي اغوان، ما حصل بأنه غير منطقي وغير عقلاني متسائلاً: “كيف يصبح شخص رئيساً للوزراء دون ان يتحدث ولو لدقيقة واحدة مع شعبه”.
ويضيف، في مقال نشره على صفحته في موقع فيسبوك:”هو لا يمتلك 10 ثواني سياسية في يوتيوب! ولم يمارس السياسة في حياته رسمياً ومؤسساتياً وبرلمانياً وحكومياً وحزبياً ولو لثانية واحدة! هو لم يكتب حتى مقالاً في السياسة وليس لديه رأي سياسي منشور لنفهم من هو وما هي عقيدته السياسية؟. هذه هي سيرته الذاتية السياسية!”.
ويتابع:”تصوروا ان رئيساً للوزراء تَعرفه الدول وتبارك له، ولا يعرفه شعبه الذي سيقوده ويحكمه، ولم يسمع صوته السياسي، وهو لم ينتخبه اصلاً! وهذا غير مهم بحسب (فهم قوى الاطار) الدستور!. بصراحة عجز العقل والمنطق والمنهج وعجزت النظرية ان تفهم ماذا حدث وماذا سيحدث!”.
وينبه :”نحن نناقش مستقبل الدولة المخطوفة والتي تحتاج لصحوة واستفاقة قبل فوات الأوان بمنهجية واضحة لا بجعل الدولة حقل تجارب !”.
ورغم كل تلك الملاحظات، يتمنى اغوان، ان يأتي اليوم الذي “نتحدث ونصفق فيه للزيدي بوصفه منقذاً للعراق ومبحراً به الى بر الأمان” كما كنا نتمنى في كل مرة حين تتشكيل الحكومات ونحاول التفاؤل ويخيب ظننا دائماً!.
فرصة ذهبية لاعادة بناء الدولة
ويعود الباحث للقول، ان الدعم الذي حظي به الزيدي داخلياً ودولياً لامثيل له، متمنياً ان يستثمره في اتخاذ خطوات جريئة وشجاعة خارج المنطقة الرماية، من خلال المواجهة الحازمة لبناء الدولة المنشودة، قائلا ان “لديه فرصة ذهبية، لتحويل العراق من دولة تتأثر بسياسات ايران وتتماهى معها الى دولة شريكة لايران بحكم الجغرافية والتاريخ والمجتمع المتداخل، فضلا عن المصالح!”.
ويشرح اغوان ذلك: ايران تعاني الان من ضغط مرتفع شتت تركيزها في الملف العراقي، هذه فرصة ذهبية لتحويل العراق الى شريك حقيقي لايران وليس الى طرف يتأثر بمشروعها. ويوضح أن شروط الشراكة الناجحة في العلاقات الدولية تفرض ان تكون هناك ندية وقدرة على الحركة بمعزل عن رغبات الشريك مع شركاء آخرين ووفق المصلحة الوطنية. أي خلل في هذه الندية ستعود القصة من جديد لفكرة التابع والمتبوع والمؤثر والمتأثر .
لتحقيق ذلك النجاح وبدء مشروع بناء الدولة، يدعو الباحث، رئيس الوزراء الجديد الى أن يَضرِب قبل ان يُضرب: “إضرب بتقوية مؤسسات الدولة، وتقوية قانونها وتقوية الهوية الوطنية للشعب والا فسيضربك الفاسدون والمتنفذون والطائفيون” .
وكتب السياسي عبد الرحمن الجبوري، عن البرنامج الوزاري الذي قدمه علي الزيدي للبرلمان دون ان يتضمن توقيتات محددة ولا آليات عمل أو مخارج واضحة، قائلا:”قدم برنامجا حكوميا انشائيا، ترك كل النهايات هلامية غير واضحة، ربما لكي يسمح للمشروع الأمريكي ان يضع شكل هذه النهايات لتلائم خطتهم الجديدة للعراق”.
خطة انقاذ برؤية أمريكية
ويدعو الجبوري، المعروف بطروحاته الداعية للابتعاد عن المحور الايراني، الى تبني خطة انقاذ وطني “تعتمد هيكلة واعادة تشكيل القوة العسكرية العراقية، ومحاصرة اصدقاء ايران سياسيا و حكوميا والرقابة الصارمة على موارد العراق المالية”.
ويرى ان الأمريكيين سيقومون بالاشراف والرقابة المباشرة على عمل وأداء الكابينة الجديدة، وسيكون الإطار التنسيقي “مضطرا ان يقبل حكم الإقامة الجبرية والوصاية عليه امريكياً”،وفق تعبيره.
ويقترح الجبوري، سلسلة أولويات لحكومة الزيدي “بدل البرنامج الحكومي الانشائي”، تشمل التخلص من هيمنة الاحزاب على مؤسسات الدولة ومواردها، وشن حرب حقيقية على الفساد والفاسدين، واعادة النظر في كل منافع الدرجات الخاصة، وهيكلة القوات الأمنية العراقية كافة، وبناء نظام مصرفي ومالي مرن يخدم نهضة اقتصادية محلية، واعادة تقييم أسعار عقارات الدولة وعقود البيع السابقة، الى جانب خطوات في المجال الاقتصادي والبيئي والسياحي والتعليمي، فضلا عن تقديم حلول لمشكلة السكن.