

بمناسبة يوم اللغة الكردية، نشر المصدر السوري لحقوق الانسان تقريرا عن واقع اللغة الكردية في سوريا اليوم في ظل الحكومة المؤقتة، تذكر فيه التحديات المستمرة التي يواجهها الكرد لحماية لغتهم بالإضافة الى التجاهل الذي تتلقاه من الحكومة السورية.
المنظمة الحقوقية ذكرت في التقرير المنشور في يوم اللغة الكوردية، ١٥ آيار/مايو، بأنه يعيش الكرد في سوريا منذ عقود صراعاً مستمراً من أجل إثبات وجودهم وهويتهم القومية، في ظل سنوات طويلة من التهميش والإقصاء، سواء على مستوى اللغة أو الجنسية أو الاعتراف بهم كمكوّن أصيل من مكونات المجتمع السوري.
“خيرة شبابنا استشهدوا كي نعيش هذا اليوم ونكتب بلغتنا الأم، ونحن بحاجة إلى اعتراف رسمي ودولي باللغة الكردية.”
نص التقرير :
مع التحولات التي شهدتها البلاد عقب الثورة السورية، عاد ملف الحقوق الثقافية واللغوية للكرد إلى الواجهة، بوصفه أحد أبرز القضايا المرتبطة بمستقبل سوريا الجديدة، وبمدى احترامها للتعدد القومي والثقافي وحقوق المكونات المختلفة.
ومنذ تأسيس “الإدارة الذاتية” في شمال وشرق سوريا عام 2014، وسيطرة قوات سوريا الديمقراطية “قسد” على مناطق واسعة، دخلت اللغة الكردية مرحلة جديدة، بعدما أُدرجت مناهج تعليمية باللغة الكردية في المدارس، وأصبحت اللغة الأم تُدرّس للمرة الأولى بشكل رسمي في المناطق ذات الغالبية الكردية، بعد عقود من حظر استخدامها في المؤسسات التعليمية خلال حكم حزب البعث.
وخلال تلك المرحلة، تم تأهيل مئات المعلمين عبر دورات تدريبية، وانتشرت المدارس والمعاهد التي تعتمد اللغة الكردية، في خطوة اعتبرها كثير من الكرد تحولاً تاريخياً بعد سنوات من منع استخدام لغتهم الأم في الحياة التعليمية الرسمية.
إلا أن هذا التحول لم يكن خالياً من التحديات، إذ بقيت اللغة الكردية خارج إطار الاعتراف الرسمي الكامل في الدستور السوري، ما دفع أعداداً كبيرة من الأهالي إلى الاستمرار في تسجيل أبنائهم ضمن مدارس النظام السابق، باعتبار أن شهاداتها معترف بها وتمتلك فرصاً أوسع على المستوى المهني والأكاديمي داخل سوريا وخارجها.
وبين الرغبة في الحفاظ على الهوية القومية والخوف من مستقبل مجهول للشهادات الصادرة عن مؤسسات الإدارة الذاتية، وجد كثير من الطلبة أنفسهم أمام خيارات معقدة تتعلق بمستقبلهم التعليمي والمهني.
ورغم ذلك، واصلت الإدارة الذاتية تأسيس جامعات ومؤسسات أكاديمية تعتمد اللغة الكردية، وتخرج فيها آلاف الطلبة، في تجربة تُعد غير مسبوقة في تاريخ سوريا الحديث.
وفي خطوة اعتبرها البعض تطوراً مهماً، أصدر الرئيس المؤقت أحمد الشرع المرسوم رقم /13/ في كانون الثاني الماضي، والذي نص في مادته الثالثة على أن: “تُعد اللغة الكردية لغة وطنية، ويُسمح بتدريسها في المدارس الحكومية والخاصة في المناطق التي يشكل الكرد فيها نسبة ملحوظة من السكان، كجزء من المناهج الاختيارية أو كنشاط ثقافي تعليمي”.
إلا أن هذا المرسوم لم ينهِ الجدل القائم حول مستقبل اللغة الكردية ومكانتها القانونية، إذ بقي الاعتراف بها ضمن الإطار الوطني دون منحها صفة رسمية مساوية للغة العربية.
وخلال الأيام الماضية، أثارت إزالة أو رفض إدراج اللغة الكردية على بعض اللوحات التعريفية في مدن مثل عين العرب “كوباني” والحسكة حالة من الاستياء بين السكان الكرد، الذين اعتبروا أن هذه الممارسات تعكس استمرار التحديات المرتبطة بالاعتراف الفعلي بالتعدد اللغوي والثقافي في البلاد، في وقت لا تزال فيه اللغة الكردية تواجه اعتراضات حتى على مستوى اللافتات الرسمية.
ويأتي ذلك بالتزامن مع استعداد الكرد لإحياء يوم اللغة الكردية في الخامس عشر من أيار من كل عام، والذي يصادف يوم الجمعة القادم، وهي مناسبة ثقافية وتاريخية أُقرت تخليداً لذكرى صدور العدد الأول من مجلة “هاوار” الأدبية الكردية عام 1932 في دمشق، والتي أسسها المفكر الكردي “جلادت بدرخان”، وتُعد محطة مفصلية في تاريخ اللغة الكردية الحديثة.
وفي هذه المناسبة، تتجدد مطالب الكرد في سوريا بتثبيت اللغة الكردية كلغة رسمية ثانية في الدستور السوري الجديد، إلى جانب ضمان حق التعليم بها، وحماية المؤسسات التعليمية والأكاديمية التابعة لها.
وفي ظل التغيرات الأخيرة على الأرض، تواجه المؤسسات التعليمية في مناطق شمال وشرق سوريا تحديات إضافية. فبحسب مصادر تربوية، بلغ عدد المدارس التي تُدرّس باللغة الكردية، بعد انسحاب “قسد” من كل من الرقة ودير الزور وأرياف الحسكة، نحو 868 مدرسة، إلا أن معظم هذه المدارس متوقف عن العمل، ولا سيما في مدينتي القامشلي وديريك، بعد تحويل عدد كبير منها إلى مراكز إيواء للنازحين.
ويقول أكاديميون وطلاب وسياسيون كرد في مناطق الحسكة والقامشلي وعين العرب “كوباني” إن المرسوم الرئاسي الأخير يُعد خطوة إيجابية، لكنه غير كافٍ ما لم تُضمَّن هذه الحقوق ضمن نصوص دستورية واضحة تكفل الاعتراف باللغة الكردية ومؤسساتها التعليمية بصورة قانونية ملزمة.
وفي شهادات للمرصد السوري لحقوق الإنسان، تحدثت الطالبة “بيريفان ج.” عن تجربتها بالقول: “بعد إنهائي شهادة البكالوريا في مدارس النظام، لم أستطع التوجه إلى الداخل السوري للدراسة الجامعية بسبب الظروف الأمنية وتكاليف المعيشة، فسجلت في جامعة روج آفا، وأكملت دراستي هناك وتفوقت، ثم تم توظيفي كمعيدة في الجامعة، وأتقاضى اليوم راتباً يساعدني على تأمين احتياجاتي. في المقابل، أنهت أختي دراستها في جامعات النظام ولم تحصل حتى الآن على فرصة عمل”.
أما “ريفان ع.” فقال: “درست لغتي الأم الكردية، وكان شعوراً لا يوصف أن أتعلم بلغتي”.
بدورها، أكدت الطالبة “سيفان ع.” أن اللغة الكردية “ليست مجرد لغة، بل هوية ووجود”، مضيفة: “خيرة شبابنا استشهدوا كي نعيش هذا اليوم ونكتب بلغتنا الأم. نحن بحاجة إلى اعتراف رسمي ودولي باللغة الكردية، والاعتراف بالكرد كشعب أصيل له الحق في تثبيت وجوده وهويته”.
وأوضح “أحمد الهلالي”، المتحدث باسم الفريق الرئاسي السوري، في تصريح سابق، أن اللغة الكردية تُعد لغة وطنية بموجب المرسوم رقم /13/، ويُسمح بتدريسها في المدارس الحكومية والخاصة بالمناطق ذات الكثافة الكردية كنشاط اختياري، وهو ما أثار حالة من الاستياء في الأوساط الكردية، وسط مطالب بتحويل هذا الاعتراف إلى نص دستوري ملزم وليس مجرد إجراء اختياري.
من جانبها، قالت الرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية في “الإدارة الذاتية”، “إلهام أحمد”، خلال لقاء لها، إن الاعتراف الرسمي بالشهادات الصادرة عن مؤسسات الإدارة الذاتية يتطلب تفاهمات واضحة وإطاراً قانونياً منظماً مع مؤسسات الدولة السورية، مشيرة إلى أن آلاف الطلبة درسوا ضمن هذه المناهج خلال السنوات الماضية، ما يجعل معالجة ملف الشهادات ضرورة ملحّة لضمان مستقبلهم الأكاديمي والمهني.
وفي وقت يحيي فيه الكرد يوم لغتهم وسط تحولات سياسية غير مسبوقة في سوريا، تبدو قضية اللغة الكردية اليوم أكثر من مجرد مطلب ثقافي أو تعليمي؛ فهي تمثل اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة السورية المقبلة على احترام التعدد القومي والثقافي، وضمان الحقوق اللغوية والتعليمية لجميع مكوناتها دون تمييز.
وبين الخطوات الرسمية المحدودة والمطالب الكردية المتصاعدة، يبقى مستقبل اللغة الكردية مرتبطاً بمدى تضمين حقوقها بشكل واضح وصريح في الدستور السوري الجديد، بما يضمن للأجيال القادمة حق التعلم والتعبير بلغتهم الأم بحرية وكرامة، بعيداً عن سياسات التهميش والإقصاء.
المزيد عن تقارير إخبارية
تقارير إخبارية","field":"name"}],"number":1,"meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":34236}" data-page="1" data-max-pages="1" data-start="1" data-end="1">







