مازن صاحب
المضحك المبكي، هذا التهريج الميكافيلي في برامج الحوارات التلفزيونية ومواقع التواصل الاجتماعي، لتسويق مفاسد المحاصصة وأمراء الإقطاع السياسي الجديد، في الطبعة الأخيرة لحكومة علي الزيدي!
لا أعرف كيف يمكن لكل هذا الصخب المتراكم، من صراخٍ وعويلٍ سياسي وتبادلٍ للاتهامات، أن يتحوّل فجأة إلى مجالس لتقاسم المال العام، من دون أن تطرف أعين قيادات الإقطاع السياسي إلى هموم الشعب في أصل معيشته، وإلى تلك التهديدات التي تنهش القدرة الشرائية للدينار العراقي من جانب، فيما يجري الترويج لمقبولية تُحمّل العراق كلفة حصار الجارة إيران بوصفه حالة “تضامن مطلوبة” من جانب آخر!
على الضفة الأخرى، هناك من يكتفي بتحريك شفتيه تعليقاً على أخبار تتحدث عن قاعدة عسكرية إسرائيلية تشكلت في صحراء النجف خلال الحرب، مستبشراً بتغريدات الرئيس ترامب أو مبعوثه توم باراك ، مقابل من يتمسّك بالعروة الوثقى لزيارة الجنرال قااني الثانية، بوصفها دليلاً على التأثير الإيراني في تشكيل هذه الحكومة.
ثم يأتيك حديث السيادة! وكأن دخول محور “المقاومة الإسلامية” وارتباطه بفيلق القدس تطبيق مباشر لمقولة: “الصلاة وراء عليّ أتم”، فيما يستبشر في ذات الوقت بأن “القصعة عند معاوية أدسم”.!!
هذا النموذج الفجّ، المتغنّج بمفاسد المحاصصة، وتيجان الرؤوس التي أينعت وحان قطافها، ينطبق عليه القول: “إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت”.
لذلك يكثر النقاش في بعض مجموعات التواصل، وتتكرر التساؤلات: ما البديل؟
نعم، سعت الأغلبية الصامتة في انتفاضة تشرين إلى التغيير المنشود، غير أنّ أيّ قيادة حقيقية لعراقٍ واحد، وطن الجميع، لم تتبلور من تحت دماء ضحايا تلك الانتفاضة. وحتى من خرج بعنوان “تشرين”، سرعان ما انغمس في مفاسد المحاصصة ذاتها.
“ان تطبيق قانون “من أين لك هذا؟”، قبل عام 2003 وما بعده، كفيل بكشف حقائق الفساد السياسي، وتلك الفريضة المغيّبة المتعلقة بحفظ المقلدين من دنس المال المنهوب، وآثامه التي تُترجم في المناسبات الدينية، وتتمظهر بلبوس الورع والتقوى”
لذلك فإن البديل، وفق متغيرات منهجية، يبدأ أولاً من فواعل القرار الاجتماعي. وتُعدّ المرجعية الدينية العليا، بمختلف مذاهبها، واحدة من أبرز تلك الفواعل وأكثرها تأثيراً، والتي يرجو منها العراقيون مواقف حضارية متجددة تعيد استحضار روح ثورة العشرين، لإسقاط معابد الحاكمية الشيعية والسنية والكردية على رؤوس كهنة مفاسد المحاصصة.
ويكون ذلك عبر فتاوى واضحة الصورة، صريحة المعنى، فلم يعد في القوس منزع. المطلوب نموذج “عراق واحد، وطن الجميع”، تكون رؤيته قائمة على العدالة الاجتماعية، والمساواة بين معيشة المواطن العراقي ومصلحة دولة تمتلك سيادة حقيقية وسط بحارٍ متلاطمة فوق أرض العراق.
ومن دون هذه المبادرة المبكرة، ستظل الأبواب الدوّارة لمفاسد المحاصصة وأمراء الإقطاع السياسي الجديد تدور مرة بعد أخرى، بعناوين مقدسة لمفاسد مدنّسة، تُسوَّق فيها المناسبات الدينية بوصفها السوق الأخصب للتحشيد والمناصرة لأهداف الأحزاب ذاتها، التي اجتمعت يوماً في تحالف انتخابي قيل فيه: “من لا ينتخبه تحرم عليه زوجته”!
إنها مسؤولية اجتماعية تاريخية تقود ولا تُقاد، وتمتلك وحدها زمام المبادرة، لأنها الجهة الوحيدة التي ما زال ثوبها أبيض، لم يتدنّس بمفاسد المحاصصة، في مقابل سلاح منفلت، ومال سياسي منهوب، وشرائح مجتمعية واقتصادية تكاثرت تحت سلطة هجينة، لا هدف لها سوى جمع المال بأي عنوان كان.
إن أي مسعى حقيقي لتطبيق قانون “من أين لك هذا؟”، قبل عام 2003 وما بعده، كفيل بكشف حقائق الفساد السياسي، وتلك الفريضة المغيّبة المتعلقة بحفظ المقلدين من دنس المال المنهوب، وآثامه التي تُترجم في المناسبات الدينية، وتتمظهر بلبوس الورع والتقوى.
لذلك، فإن المسؤولية الملقاة على عاتق المراجع الدينية العليا، لا تقف عند حدود النصح والإرشاد، بل تمتد إلى فتوى تهدم معبد مفاسد المحاصصة، وتنهض بعراقٍ واحد، وطن الجميع.