تقارير إخبارية: المحنة القادمة.. رواتب مستمرة بقيمة تتناقص والدفع “أشهر معدودات”

المحنة القادمة.. رواتب مستمرة بقيمة تتناقص والدفع “أشهر معدودات”

انقضى اكثر من 70 يوما على اندلاع حرب "الشرق الأوسط" بتداعياتها الاقتصادية الكبيرة على العالم وبشكل خاص العراق الذي انهارت صادراته النفطية، المصدر الأساسي للعائدات، وباتت أرصدته المالية تتآكل سريعا وترتفع ديونه الداخلية، وتتوقف تخصيصات مشاريعه، وصولا الى احتمال العجز خلال أشهر عن تأمين رواتب موظفيه أو دفع أوراق لا قيمة لها.

منذ بداية حرب “الشرق الأوسط” بين امريكا وايران، كان العراق الاكثر تضررا من بين دول المنطقة، فسقط أكثر من 100 ضحية و300 مصاب وتعرضت العديد من منشآته الاقتصادية والأمنية لهجمات، وسجلت البلاد تراجعا خطيرا في صادراتها النفطية عقب اغلاق مضيق هرمز ومعها تراجع الانتاج النفطي بأكثر من 2.5 مليون برميل يوميا.

مع التأثير الكبير لعدم الاستقرار الأمني على مختلف قطاعات العمل، والارتفاع النسبي في أسعار السلع الأسياسية والتداعيات الاقتصادية المدمرة لتوقف تصدير النفط على المدى المتوسط في الاقتصاد العراقي الذي يعد الأكثر هشاشة مقارنة بدول الخليج، هناك مخاطر أخرى قريبة تتراكم، فشبح اختفاء الدولار بعقوبات امريكية قائم ومعه كابوس انقطاع الرواتب بعد أشهر او تراجع قيمتها الفعلية، وهما يسلبان العراقيين فرصة الاطمئنان.

أولى بوادر “العين الحمراء” الامريكية بدأت قبل اسبوعين بإيقاف ارسال شحنات الدولار النقدي الى العراق، حينما كان القادة العراقيين يطرحون اسماء مرفوضة امريكيا كمرشحين لتولي رئاسة الوزراء، قبل ان يصدر اعلان “هامشي” عن عودة تدفق الدولار، عقب تكليف مرشح من خارج قائمة المرفوضين أمريكيا، دون ان يتأكد ذلك باعلان صريح من البنك المركزي العراقي.

شبح اختفاء الدولار.. اين الحقيقة؟

بين احتمال ايقاف الدولار وكارثة اغلاق تصدير النفط عبر هرمز، يفرض سؤال نفسه بقوة: “كيف يدير العراق شؤونه؟” مع فاتورة مالية حاكمة قدرها اكثر من 7 تريليون دينار للرواتب فقط، ماعدا الالتزامات المالية الاخرى.

تقارير اميركية وتصريحات لمسؤولين وسياسيين عراقيين، ربطت بين ارسال الدولار الى العراق وسلسلة مطالب امريكية تتعلق بابعاد الفصائل المسلحة عن مراكز القرار في الدولة أولا وحلها ثانياً، ولوحت بحجب الدولار كنوع من العقوبات.

لكن مصادر اخرى ارجعت توقف ارسال الدولار الى توقف الطيران بسبب الحرب-على الرغم من ان الحرب قد انتهت فعليا- حيث ترسل واشنطن شهريا حوالي 500 مليون دولار بالطائرات الى العراق لأغراض الاستخدام النقدي المخصص للمسافرين وهي نسبة تتراوح بين 5 الى 7% فقط من عائدات النفط العراقي شهريا.

أما النسبة الاكبر المتبقية من الايرادات النفطية العراقية فتبقى في خزائن الفيدرالي الامريكي، يمول من خلالها استيرادات العراق، والفائض يتحول كاحتياطي اجنبي ينوعه البنك المركزي بين سندات وذهب او سيولة دولارية.

ومع ان الحرب توقفت اثر وقف اطلاق النار في 7 نيسان ابريل وأعيد فتح أجواء العراق في اليوم التالي، الا ان الشحنات المالية بقيت معلقة بحسبما تؤكد تقارير مالية، قبل ان تنقل وسائل اعلام عن المستشار الاقتصادي للحكومة مظهر محمد صالح اعلانه عن عودة ضخ الدولار الى العراق، لكن ذلك أعقبه نفي من متحدث باسم السفارة الامريكية، فضلاً عن تصريح للنائب عن الديمقراطي الكردستاني ماجد شنكالي أكد فيه عدم وصول أي دفعة من الدولارات الى العراق منذ 60 يوما، وهو ما زاد من قلق العراقيين ليس في ظل غياب التيقن، بل مع توالي رسائل التحذير الأمريكية وصدور عقوبات ضد شخصيات وشركات مقربة من الفصائل المسلحة، آخرها على وكيل وزارة النفط لشؤون التوزيع علي معارج وشخصيات أخرى تعمل في القطاع النفطي ومرتبطة ببعض الفصائل.

دولار المركزي يكفي المسافرين 3 اشهر

كيف انقذ الطيران الاستنزاف؟

بعيدا عن التضارب المعلوماتي، تكشف الارقام المتوفرة ما يجري في خزائن البنك المركزي العراقي بالضبط، والفترة الزمنية الكافية للصمود اذا استمر تعليق ارسال الدولار فعلا، حيث تظهر بيانات البنك المركزي ان الاحتياطي الاجنبي لدى العراق حتى منتصف نيسان بلغ 96 مليار دولار من بينها 26 مليار دولار ذهب فيما تتوزع 70 مليار دولار اخرى كاستثمارات وودائع واوراق مالية في البنك الفيدرالي الامريكي وبنوك اخرى حول العالم.

اما الدولار النقدي الموجود تحت يد البنك المركزي وفي خزائنه فيبلغ حتى 23 نيسان/ابريل 649 مليار دينار، أي ما يعادل 490 مليون دولار، وهو ادنى مستوى مسجل منذ 2003، حيث ان النقد الأجنبي لدى البنك المركزي كان لا يقل عن مستوى 1 الى 3 مليار دولار منذ 2003 باستثناء الأشهر الأخيرة من العام 2023 مع تصاعد عمليات التدقيق على الدولار حينها، ما يجعل المستويات الحالية خارج السياق المعتاد وتمثل وضعا استثنائيا.

WhatsApp Image 2026 05 13 at 1.14.55 PM (2)

الدولار النقدي في خزائن البنك المركزي لغاية 23 نيسان

كم يكفي الدولار النقدي في خزائن المركزي؟

وفق المعدل السابق للاحتياج النقدي لأغراض السفر في العراق والذي كان يبلغ 15 الى 20 مليون دولار يوميا، هذا يعني ان كمية النقد لدى البنك المركزي حاليا تكفي لحوالي شهر الى شهر ونصف فقط لتغطية احتياجات المسافرين من الدولار، لكن عند تتبع رحلات السفر للعراق يتبين انها لم تعد الى سابق وضعها قبل الحرب وهي اقل الان بنسبة 60‎%‎ ، فعلى سبيل المثال ومنذ عودة فتح اجواء الطيران في 8 نيسان في العراق، يبلغ معدل الرحلات في مطار بغداد نحو 20 رحلة يوميا، بينما كان يتراوح في السابق مابين 65 و70 رحلة يوميا.

WhatsApp Image 2026 05 13 at 1.14.55 PM (1)

رحلات الطيران في مطار بغداد

هذا يعني ان كمية نقد المسافرين المطلوبة حالياً تبلغ كمعدل 7 ملايين دولار يومياً بسبب انخفاض رحلات الطيران وعدد المسافرين، ووفقا لذلك فان الخزين الحالي من نقد الدولار لدى البنك المركزي يكفي لحوالي 3 اشهر، اي ان انخفاض الرحلات والطلب على الدولار لاغراض السفر “انقذ” البنك المركزي من محنة وصدمة كان سيتعرض لها .

اذا عاود الجانب الامريكي ارسال الدولار للعراق فعلا سيكون الامر قد مر بسلام، اما اذا استمر التعليق بالفعل فهذا سيجعل الخطر واضحا خلال 3 اشهر عندما ينتهي خزين البنك المركزي تماما من الدولار النقدي، وسترتفع اسعار الصرف في الداخل العراقي الى اكثر من 200 الف دينار لكل 100 دولار، بحسب تقديرات باحثين اقتصاديين، بسبب غياب النقد الدولاري من السوق ما يمثل عجزا بنسبة 100‎%‎ مقابل الطلب.

الرواتب.. الأزمة المؤجلة

قد تبدو أزمة الدولار النقدي “نزهة” أمام الأزمة الكبرى المؤجلة والمتمثلة بانقطاع الرواتب بفعل توقف صادرات النفط العراقي وتراجع ايرادات الدولة، وبينما تبدي السلطات الحكومية اطمئنانا مثيرا للاستغراب يدعمه تصريحات نواب حيث يرى النائب عدي عواد عضو اللجنة المالية البرلمانية انه “لا أزمة مستقبلية تهدد الرواتب”، لكن في الوقت ذاته تؤكد الأرقام ان لحظة الحقيقة المؤلمة تبعد أشهر قليلة اذا استمر اغلاق هرمز. وهذا لا يعني ان اعادة افتتاحه ستمثل مخرجا من الأزمة الاقتصادية المستفحلة مع خسارة العراق لنحو 15 مليار دولار خلال الفترة الماضية نتيجة توقف صادراته عبر البحر.

كانت ايرادات تصدير النفط العراقي خلال شهري كانون الثاني/يناير وشباط/فبراير 2026 تسير بوتيرة جيدة، فخلال اول شهرين من العام حصل العراق على ايرادات بلغت 15.8 تريليون دينار مقابل نفقات بلغت 17.7 تريليون دينار، أي بعجز بلغ حوالي 2 تريليون دينار بينما لم تكن الحرب قد بدأت.

لكن في اذار ومع مستوى انفاق مستمر يبلغ سقفه اكثر من 8 تريليون دينار جاءت ايرادات العراق النفطية بواقع 1.9 مليار دولار (2.5 تريليون دينار) بسبب انخفاض تصدير النفط الى 19 مليون برميل خلال شهر بمعدل 633 الف برميل يوميا مقارنة بـ3.5 مليون برميل يوميا قبل الحرب، وهنا يصبح العجز في شهر آذار وحده حوالي 6 تريليون دينار، يضاف الى عجز يبلغ 2 تريليون دينار للشهرين الاول والثاني، بالتالي يكون المجموع 8 تريليون دينار عجز، وهو ما يفسر اضطرار الحكومة اقتراض اكثر من 10.5 تريليون خلال الاشهر الاولى من العام الحالي 2026، بحسب بيانات وزارة المالية.

يقول الخبير النفطي واستاذ الاقتصاد نبيل المرسومي، إنه “مع ارتفاع الدين الداخلي في العراق إلى 96.6 ترليون دينار، انخفض الاحتياطي الأجنبي للبنك المركزي العراقي بما يعادل اكثر من 3 ترليونات دينار خلال مدة أسبوعين فقط من 9 إلى 23 من شهر نيسان/ابريل الماضي”، مشيرا الى انه “لا يوجد أي حل لمسألة الرواتب سوى السحب من الاحتياطي وأي شيء آخر هو هراء لا اكثر”.

يأتي ذلك في وقت مازالت الصادرات النفطية من حقول اقليم كردستان الى ميناء جيهان في تركيا متوقفة منذ بداية حرب الشرق الاوسط والتي كانت تصل الى 200 الف برميل. في وقت عجزت وزارة النفط العراقية عن الايفاء بوعودها في تشغيل انبوب النفط العراقي الواصل الى تركيا، بعد ان ذكرت في بداية الحرب انها ستستكمل صيانته خلال اسبوع لاستخدامه في تصدير النفط، وهو ما حرم العراق من تصدير نحو 500 الف برميل كانت ستساهم في تقليل أثر توقف صادرات موانئ الجنوب.

الاحتياطي.. رواتب مستمرة بقيمة أقل!

لا يمتلك العراق خيارات كثيرة في مسألة الرواتب مع التوقعات بان الوضع في هرمز لن يعود الى سابق عهده حتى لو توصلت واشنطن وطهران الى اتفاق قريب لانهاء الحرب، لذلك ليس أمام العراق سوى الخزين الاحتياطي من العملات الاجنبية، وكذلك خزينه من الدينار العراقي، وهو ما يطرح تساؤلات عن كمية هذه الاموال وكم هي المدة الزمنية التي ستغطي من خلالها الرواتب؟. ومدى تأثير السحب من الخزين على قيمة العملة العراقية، وتحديدا فرصة استمرار سعره الحالي مقابل الدولار؟

يمتلك البنك المركزي خزينا نقديا من الدينار يبلغ 36 تريليون دينار وهذا المبلغ يكفي رواتب لحوالي 4 اشهر، مع توقف الانفاق على جميع المفاصل الاخرى من بينها الكهرباء، أما الاحتياطي الاجنبي فيمتلك البنك المركزي منه 96 مليار دولار ما يعادل حوالي 125 تريليون دينار عراقي.

ولا يمتلك البنك المركزي هذا الاحتياطي تحت يده فهو موزع بين البنك الفيدرالي الامريكي وبنوك اخرى حول العالم، وعلى شكل ذهب او سندات، ولا يمكن للبنك المركزي تحويل كل الخزين الى رواتب، لكن نظريا تلك الأموال تكفي لتغطية الرواتب لـ15 شهرا، لكن هناك “مقتلة عظيمة مخفية في هكذا تقدير”، بحسبما يصفها الباحث الاقتصادي حسين امير.

يقول أمير إن “ذهاب البنك المركزي لتصفير الاحتياطي الاجنبي على مدى أشهر طويلة لدفع الرواتب يعني ان العراق سيدفع اوراقا بلا قيمة اساسا للموظفين، لان العملة المطبوعة ستكون قد فقدت الغطاء الاجنبي الذي يمنحها قيمتها الحقيقية”، وهو ما يذكر العراقيين بالأوضاع التي كانت سائدة في تسعينات القرن الماضي.

وينبه الباحث الاقتصادي الى تفاقم الأزمة الاقتصادية- المالية “بعد ان كانت السلطات الحكومية تتحدث بفخر ان الاحتياطي الاجنبي يغطي 100% من العملة المطبوعة، بات الواقع مختلفا اليوم فقد انخفضت التغطية سريعا وبنسبة 4%، واصبحت الاحتياطات تغطي 96% من العملة المطبوعة”.

ويوضح:”احتياطي البنك المركزي من العملات الاجنبية يبلغ 96 مليار دولار، يقابلها عملة مطبوعة تبلغ 130 تريليون دينار، ما يعني ان قيمة الدولار حاليا بالحقيقة تبلغ 1350 دينارا وليس 1300 دينارا وفقا للسعر الرسمي الذي يشتري به البنك المركزي من وزارة المالية”.

ويتابع، انه “مابعد انتهاء فترة الـ3 اشهر واستنزاف الخزين النقدي من الدينار لدى البنك المركزي، سيتحول العراق لاستنزاف الاحتياطيات الاجنبية، ومع كل عملية سحب لتغطية الرواتب شهريا بـ8 تريليون دينار، ستفقد العملة العراقية 12% من قيمتها، أي ان العراقيين سيتسلمون شهريا رواتب اقل قيمة من راتب الشهر السابق، وهكذا”.

تراجع قيمة الراتب بفعل انخفاض قيمة الدينار العراقي، يهدد بعجز الموظف عن تأمين متطلبات عائلته، فالبضاعة التي قيمتها اليوم 10 آلاف دينار (بما يعادل 7 دولارات حاليا) سيتطلب شراؤها ضعف أو حتى أضعاف ذلك المبلغ. وربما تصبح فئة الـ5 آلاف دينار، هي الفئة الأدنى المستخدمة في السوق بسبب فقدان الدينار لقيمته.

كل هذا سيحصل على افتراض ان الدولة ستستمر بدفع الرواتب فقط، أي ايقاف جميع عمليات الانفاق الأخرى، ليس على المشاريع الاستثمارية فقط، بل على الخدمات التي تقدمها الدولة مثل توفير الوقود وعمليات صيانة المحطات الكهربائية ومشاريع المياه، أو دعم سعر الوقود بما فيه البنزين، فضلا عن متطلبات المؤسسات الصحية وحتى توفير مفردات البطاقة التموينية، بكل ما يحمله ذلك من تداعيات خطيرة على الأوضاع المعيشية وحركة السوق والأمن الغذائي للمواطن.

المزيد عن تقارير إخبارية

تقارير إخبارية","field":"name"}],"number":1,"meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":34197}" data-page="1" data-max-pages="1" data-start="1" data-end="1">