تقارير إخبارية: العمال بأجر يومي.. الفرصة لمن يصل أولاً إلى سيارة صاحب العمل!

العمال بأجر يومي.. الفرصة لمن يصل أولاً إلى سيارة صاحب العمل!

يصارع العاملون بالأجور اليومية، الذين ينشطون في قطاعي البناء والخدمات، لتأمين متطلبات عوائلهم، في ظل محدودية فرص العمل وتداعيات الحروب الاقليمية التي زجت بعشرات آلاف العمال الأجانب الى سوق العمل العراقي. وهو ما يضع العاملين أمام تحديات كبيرة بدءاً بساعات الانتظار الطويلة للحصول على عمل، ومرورا بالاستغلال من قبل بعض أصحاب العمل، وانتهاء بضياع حقوقهم نتيجة عدم تسجيلهم في الضمان الاجتماعي.

يحرص إبراهيم (35 سنة) على الوصول مبكراً كل يوم، الى منطقة “تجمع العمال” على رصيف شارع 100 وسط أربيل بإقليم كردستان. يقف هناك منتظراً أي فرصة عمل تتيح له تأمين قوت عائلته. يبقي عينيه مفتوحتين على السيارات المقتربة، وينطلق سريعا محاولا سبق زملائه الى أي سيارة تتوقف طلبا لعمال.

هو واحد من عشرات آلاف عمال البناء والخدمات العاملين بأجور يومية، الكثير منهم قادمون من خارج الاقليم او لاجئون من دول الجوار، ويواجهون صعوبات معيشية متصاعدة نتيجة تراجع فرص العمل وارتفاع كلف المعيشة. اللاجئون منهم زادت تحديات حياتهم مع انقطاع المساعدات الاغاثية منذ العام الماضي.

عمل “ابراهيم” الأساسي هو تركيب ألواح الطاقة الشمسية، طوال سنوات مارس تلك المهنة في الاقليم الذي شهد طفرة عمرانية خلقتها آلاف الشركات العامة في قطاعات مختلفة خاصة العقارات، لكنه لا يمانع اليوم في قبول أي عمل يعرض عليه، مستفيداً من خبرة في مجالات متعددة اكتسبها بحكم تقلبات حياته، حسبما يذكر.

الشاب الذي انتقل مع عائلته في العام 2016 من مدينة الموصل إلى أربيل للسكن والعمل، يقول:”في هذا الشارع المؤدي إلى منطقة عينكاوا، أقف يوميا من الساعة السابعة صباحا منتظرا رزقي.. كانت الأمور جيدة قبل عشر سنوات لكن الأوضاع الاقتصادية اختلفت في السنوات الأخيرة، فقد أجد عملا لأيام بأجر لايتجاوز 20 الف دينار، وأظل عاطلاً لأيام أخرى”.

في 2014 سيطر تنظيم داعش، على مدينة الموصل، وخلال سنتين من حكمه كما يقول “ابراهيم” خسر اثنين من إخوته نتيجة الفوضى والعمليات الانتقامية فقرر المغادرة. يستدرك:”الحرب والطائفية دمرّت حياتنا وحوّلتنا إلى مشردين تحت خط الفقر. عشرات الآلاف نزحوا بسبب تلك الحرب وأسسوا لهم حياة جديدة في اربيل”.

تقف شاحنة صغيرة على جانب الطريق، يهرع العمال اليها، بينهم إبراهيم، يعود بعد لحظات وعلى وجهه ابتسامة ممزوجة بالخيبة:”السرعة للوصول إلى السيارة هي التي تضمن فرصة العمل، لأن صاحب العمل لا يختار العمّال بل يأخذ من يصل أسرع، من بين العشرات يطلب 3 أو 4 في اقصى حد”.

يكافحون للفوز بفرصة عمل

طوال ساعات النهار الأولى، في أشهر الشتاء الباردة، كما الصيف اللاهبة، يتكرر مشهد جري عمال البناء نحو السيارات التي تقف على جانب الطريق. بعد الظهر يبدأ الكثير منهم بمغادرة المكان حيث يندر ان تتوفر فرص عمل بعد ذلك الوقت. لكن ابراهيم يقرر البقاء “سأنتظر حتى ساعات العصر، ربما هناك عمل بنصف أجر.. ليس لدي خيار.. هكذا أقف بين 6 الى 8 ساعات يوميا”.

مشهد مئات العمال المتجمعين، لمسافة طويلة على الطريق، يُظهر هشاشة سوق العمل اليومي في كردستان، فبينما يُعد هؤلاء جزءاً من تطور الاقتصاد المحلي، إلا أنهم يواجهون ظروفاً قاسية مرتبطة بساعات الانتظار الطويلة والأجور المحدودة وغير المستقرة وغياب الضمانات القانونية وانعدام الأمن الوظيفي.

وعلى الرغم من أن حركة البناء والاستثمار في اربيل عاصمة الاقليم، تعد جيدة مقارنة بباقي المدن الكردية كدهوك والسليمانية، بحكم التواجد الكثيف للشركات الكبيرة وانشاء مشاريع ضخمة، الا ان العمال الكرد من سكان المدينة يشكون من “سوء أحوالهم نتيجة تدهور أعمالهم” في ظل استقطاب المدينة لعشرات آلاف العمال السوريين والايرانيين وحتى الآسيويين والأفارقة الذين دخلوا المنافسة و”مستعدون للعمل بأجور منخفضة”.

في جولة بين تجمعات العمال في أماكن متفرقة من مدينة أربيل، يظهر بوضوح أن نسبة كبيرة منهم لاجئون سوريون أو ايرانيون أو مصريون الى جانب العراقيين النازحين من محافظات اخرى خارج اقليم كردستان. يعمل معظمهم في مهن متنوعة بين البناء ونقل أثاث المنازل والتحميل وتنظيف الحدائق والزراعة والنجارة والحدادة وغيرها. وتتراوح أجورهم اليومية بين 20 – 25 ألف دينار عراقي، أي نحو 15 دولاراً أميركيا في المتوسط.

والسمة الغالبة لديهم عدم تسجيلهم في الضمان الاجتماعي، لأنهم عمال وقتيون، ولا توجد جهة بعينها تتولى توظيفهم بنحو ثابت وتسديد الرسوم عنهم، وبالتالي فلا حقوق لديهم.

“تقدر جهات رسمية وجود أكثر من مليون عامل أجنبي في العراق لكن عدد المسجلين رسمياً في الضمان الاجتماعي يبلغ 71 ألف عامل فقط”

اللاجئون.. عمال بأجور يومية

بحسب تقرير للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين في العراق، مطلع العام 2026 يستضيف العراق مايقارب 340 ألف لاجئ معظمهم من السوريين الذين يقيمون في إقليم كردستان في مخيمات متفرقة بين أربيل والسليمانية ودهوك. لايجد الكثير من هؤلاء، أعمالاً ثابتة، لذلك يفتشون عن أعمال مؤقتة بأجور يومية.

ماهر عمران (47 سنة) أب لخمسة أطفال، يخرج صباح كل يوم في وقت مبكر ولا يعود الى عائلته في مخيم (داره شكران) المخصص للاجئين السوريين غربي أربيل، الا مع حلول الظلام، ومعه ما يكفي من مال لإطعام أسرته وتوفير حاجاتها الأساسية.

يقول:”منذ نحو عام تقريباً، وصلتني رسالة نصية عبر الموبايل تخبرني بتوقف المساعدات التي تقدمها الأمم المتحدة، كانت عبارة عن مواد غذائية ومبالغ مالية كانت تصلنا بين فترة وأخرى. بذلك أصبح علينا تأمين كل حاجاتنا”.

يبعد مخيم داره شكران، عن أربيل، نحو 15 كيلومترا، يقطعها ماهر يومياً للوصول إلى مركز المدينة، يستقل الحافلة في الذهاب والإياب، يشرح ذلك :”آتي كل يوم إلى هذا المكان، أقف أحيانا لـ8 ساعات.. مرات لا أحصل على عمل لأيام، ومرات أعمل لثلاثة أيام متتالية، لكنني لا اتغيّب أبداً رغم تكاليف النقل وصعوبة الانتظار في الطرقات، لكن لا خيارات أخرى أمامي، فلا يوجد عمل داخل المخيم.. اللاجئون هناك ليست لديهم نقود ليدفعوا للعمّال، لذلك ينجزون أعمالهم بأنفسهم”.

يضع ماهر يده في جيبه ويخرجها فارغة، ثم يقول: “أحياناً لا يوجد في جيبي ولا حتى 250 دينارا”. يضيف: “لست شابا في العشرينات.. لا استطيع الركض مسرعاً مثلهم إلى السيارات التي تقف طلبا للعمال، رغم أنني أُجيد النجارة وطلاء المنازل وأقوم بنقل البضائع إلى المخازن”.

خالد سليمان، وهو أيضاً لاجئ سوري مقيم في مخيم (كوركوسك)، التابع لناحية خبات، ويبعد 20 كيلومتراً عن أربيل، يقول ان معظم العاملين في مجال البناء لا يجدون فرص عمل ثابتة، عملهم في الغالب متقطع يستمر لأيام محدودة، وكثيرا ما يواجهون مشاكل وأحيانا حالات تحايل من مقاولين يعملون في مجال انشاء العقارات.

يصمت لبرهة، وهو يستذكر ما يصفها بتجربته القاسية مع احد المقاولين “في الصيف الماضي كنتُ جالساً مع عدد من العمّال بانتظار رزقنا، جاء مقاول وسألنا ان كان بامكاننا العمل في مبنى سكني بأجرة يومية لبضعة أسابيع؟ وافقنا جميعاً.. قبل انتهاء المدة اختفى المقاول مع نقودنا!”.

لم يتقدم خالد ورفاقه بشكوى لأي جهة رسمية ضد المقاول، يوضح الأسباب: “نحن لا نعرف عن المقاول شيئاً سوى اسمه الأول، لم نوقع عقد عمل معه ولا شيء يؤكد ما قمنا به من عمل.. ولا نعرف اسم صاحب الشركة التي يعمل المقاول لصالحها، فكيف نشتكي؟”.

يضيف بأسف:”كان يعرف حاجتنا الماسة للعمل فقام بإستغلالنا. نسمع الكثير من القصص عن عمال عملوا مع مقاولين لفترات، حصلوا في البداية على أجورهم، ثم كان التعطيل والمماطلة وعدم الدفع بحجج كثيرة .. لهذا أفضل العمل بأجر أحصل عليه في نهاية يومي”.

ايرانيون ومصريون

أنور سعيد (44 سنة) مصري الجنسية، انتقل من مصر إلى أربيل منذ خمس سنوات، واستطاع بناء علاقات يصفها بالطيّبة مع باقي العمّال. يعرفه الجميع في شارع 100 حيث يتجمع العمال بأسم “الصعيدي الجدع”.

يقول بأن أقسى شيء يواجهه، هي ساعات الانتظار الطويلة تحت أشعة الشمس في فصل الصيف، إذ ترتفع درجات الحرارة إلى نحو 50 درجة مئوية. لكنه راض بحياته، ويؤكد ان وضعه هنا أفضل من مصر:”أنا من منطقة الصعيد وهنالك يعملون بأجور زهيدة جداً فقط لسد رمقهم، لذلك قررتُ السفر إلى أربيل والبقاء فيها مادمت قادرا على العمل”.

في الطرف الآخر من الشاعر 100 في أربيل، وتحديداً بالقرب من المجمع التسويقي (فاميلي مول) يتجمّع مئات العمّال، الكثير منهم لاجئون من ايران يبحثون عن فرصة عمل يومية، منهم الشاب آزاد نوري (33 سنة). يقول انه يقيم في الاقليم مع أصدقاء له منذ أكثر من عشر سنوات، لكنهم نادرا ما كانوا يحصلون على عمل ثابت، لذلك اتجهوا نحو العمل اليومي.

ويضيف:”الاقليم أصبح بلدنا الثاني..نعيش ذات ظروف سكانه، تمر علينا فترات من الانتعاش الاقتصادي فنكسب المال ونرسله الى عوائلنا في ايران، كما نعيش فترات صعبة كالتي نمر بها منذ أشهر، نمضي فيها أيامنا ساعة بساعة ولا نفكر بالغد، نصرف النقود القليلة في جيوبنا”.

ويتابع:”تظل الاوضاع هنا أفضل بكثير من ايران، هناك تنعدم فرص العمل، والحياة باتت قاسية جدا، الكثير من العوائل لا تملك قوت يومها.. على أقل تقدير نحن هنا نؤمن معيشتنا بعيداً عن نيران الحرب وخطرها” ويقصد الحرب التي اندلعت بين الولايات المتحدة الامريكية وايران في 28 شباط/فبراير.

عمالة غير منظمة

الناشطة المدنية ثناء الكناني، تقول بأن العراق يعاني من مشكلة العمالة غير المنظمة، خاصة العمّال المهاجرين الذين لجأوا إلى العراق نتيجة الحروب والعقوبات في بلدانهم كسوريا وايران، مارفع أعداد العمّال الذين يعجزون عن إيجاد فرصة عمل ثابتة بما فيه السكان المحليين.

ويعيش اللاجئون، خاصة السوريين، في مخيمات منتشرة في العديد من مدن إقليم كردستان، ومع تراجع أنشطة الأمم المتحدة المخصصة لدعمهم انخفض مستوى معيشتهم، وأصبح مرتبطاً بالكفاح اليومي لتأمين الغذاء لعائلاتهم، فباتوا مجبرين على الوقوف في الطرقات بحثاً عن فرص عمل بأجر يومي، وأحيانا يتعرضون للاستغلال.

وترى الكناني، أن العمّال بمختلف تخصصاتهم يشكلون:”ثروة يمكن الاستفادة منها عبر تنظيم عملها، وعدم تركهم لقمة سائغة أمام أصحاب العمل الذين يدركون أن هؤلاء العمال ليست لديهم أي أوراق ثبوتية من وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، فيستغلونهم سواء بالأجر المتدني أو بساعات العمل الطويلة”.

ومن خلال عملها كناشطة في مجال حقوق العمال، تؤكد الكناني، أن الاقتصاد الرمادي “الأنشطة غير المسجلة رسمياً” ارتفعت معدلاته خلال السنوات الأخيرة في البلاد، مع استقبال العراق لعشرات آلاف العاملين من الدول المجاورة “سوريا، إيران، تركيا” دون وجود خطة مدروسة لدمج هؤلاء في سوق العمل الرسمي، وهؤلاء هم الأكثر عرضة للاستغلال.وكلما قلت فرص العمل في فترات الأزمات، تصبح مساحة الاستغلال أكبر.

ولذلك هي تطالب المجتمع المدني، بالتعاون مع الهيئات الرسمية لدمج الاقتصاد الرمادي تدريجياً بالاقتصاد الرسمي عبر الأنشطة الصغيرة، كبرامج التدريب المهني، ودعم العمّال وتشجيعهم على تسجيل أنفسهم في الضمان الاجتماعي.

تهرّب من الضمان الاجتماعي

يقول مدير إعلام وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في أربيل، آريان أحمد، إن الوزارة تعمل وفقاً لقانون العمل 1987 الذي تنظّم المادة 19 منه عمل العمّال الأجانب، إذ تلتزم مكاتب العمل التابعة لدائرة العمل بتسجيل أسماء العمال الأجانب غير العراقيين في سجل خاص حسب تاريخ ورود الطلب، ثم منح العامل وثيقة تسمى (بطاقة تشغيل) تتضمن بياناته الشخصية ونوع العمل الذي يتقنه.

ثم تقوم الوزارة بحسب أحمد، بربط هؤلاء العمال مع الشركات التي تحتاجهم، إضافة إلى أنها تُدير منصات إلكترونية تحتوي على قوائم الوظائف الشاغرة يمكن للعامل البحث من خلالها، ويستدرك:”لكن توفير فرص العمل ليس من مهام الوزارة.. هي تقوم فقط بتسهيل الوصول إليها”.

ويضيف:”في ظل ارتفاع نسبة البطالة نتيجة محدودية فرص العمل، وازدياد أعداد العاملين العراقيين الذين يأخذون الأولوية بالنسبة للوزارة ثم العمال الأجانب بالدرجة الثانية، فإن توفير فرصة عمل للعمال الأجانب تصبح أكثر تعقيداً، خاصة أن معظمهم لا يزورون مكاتب العمل ولا يسجلون أنفسهم فيها”.

ويوضح أحمد، أن الاستغلال الذي يتعرض له العامل اليومي هو نتيجة لعدم تسجيله في الضمان الاجتماعي، إذ يوجد في العراق أكثر من مليون عامل أجنبي، لكن اعداد المسجلين رسمياً في الضمان الاجتماعي هم فقط 71 ألف عامل، معظمهم يعملون إما مع شركات خاصة، أو بنحو يومي دون عقود رسمية أو ضمانات.

ووفقاً للقانون يتوجب على صاحب العمل تسجيل العامل في الضمان الاجتماعي ودفع 12 بالمئة من راتبه لمكتب الضمان، بينما يتكلف العامل بدفع 5 بالمئة من راتبه لصاحب العمل “إلا أن الطرفين يتجنبون ذلك كي يتهربوا من الدفع” يقول مدير الاعلام.

ويرى، أن العمّال يتجنبون التسجيل في مكاتب العمل ودفع الضمان الاجتماعي، لأن أجورهم متدنية جداً ولا تكفي متطلبات الحياة التي ترتفع يوماً بعد يوم في ظل التضخم الحاصل، بالتالي يصبحون عرضة “لاستغلال سياسات السوق المفتوحة غير المنظمة”.

• انجز التقرير باشراف شبكة نيريج للتحقيقات الاستقصائية.

المزيد عن تقارير إخبارية

تقارير إخبارية","field":"name"}],"number":1,"meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":34180}" data-page="1" data-max-pages="1" data-start="1" data-end="1">