تقارير إخبارية: “ملاكان حارسان” للحاكم المستجد.. كيف “يراوغ” الاطار الدستور والأمر الواقع؟

“ملاكان حارسان” للحاكم المستجد.. كيف “يراوغ” الاطار الدستور والأمر الواقع؟

تضم الحكومة العراقية الجديدة، التي يسعى الجميع للمشاركة فيها، 23 حقيبة وزارية، 12 منها من حصة "الاطار التنسيقي" الشيعي المؤلف من 11 كتلة، تتنافس جميعها للحصول على مواقع، وهو ما يضع الاطار أمام معضلة ارضاء الجميع. ربما ذلك دفع باتجاه فكرة استحداث مناصب "نواب رئيس الوزراء" لكن هناك عامل آخر وراء الخطوة، يتمثل برغبة الاطار في الاحاطة برئيس الوزراء الجديد "فلا ثقة بأي جسم غريب من خارج الحلقة".

لا تغادر القوى السياسية في العراق ولا سيما الإطار التنسيقي الحاكم، محنة سياسية أو فنّية، إلا ودخلت بواحدة أخرى، لكنها وفي كل مرة تجد مخرجاً “تكتيكياً” بتطويع السياسة والقانون والدستور وحتى الخيارات الأمنية لإعادة ترتيب “حاكميتها”، ليس ابتداءً من تفسير الكتلة الأكبر و”مراوغة” 2010 عندما انتزعت القوى الشيعية الكلاسيكية الفوز من اياد علاوي التي فازت قائمته (العراقية) بأعلى المقاعد، بتشكيلها “التحالف الوطني” ككتلة اكبر مقابل “العراقية”، وليس انتهاء باشتباكات المنطقة الخضراء الدامية (آب 2022) و”فتوى الحائري” التي اجبرت زعيم التيار الوطني الشيعي مقتدى الصدر على الانكفاء بعيدا عن السياسة والصمت الطويل عنها.

واليوم، على الرغم من ان قوى الاطار التنسيقي “الراعي الرسمي للحاكمية الشيعية”، يتفرد بالمشهد السياسي بلا منافس، لكن قواه المختلفة تعيش صراعات داخلية، آخرها كانت خلال مفاوضات تشكيل الحكومة، بين المالكي-السوداني، ثم المالكي-الحكيم والخزعلي، قبل ان يتفقوا على مرشح غير سياسي وغير حزبي، للخروج من الأزمة.

المرشح غير المتوقع “علي الزيدي” القادم من عالم المال، حظي باجماع قوى الاطار بل والقوى السياسية السنية والكردية ايضا، على الرغم من الاشارات التي تقول أنه ليس نتاج الاطار او “حلّه المبتكر”، بل هو المسار الإجباري الذي وجد الاطار نفسه أمامه، ليكون مخرجا من محنة “الفيتوهات” التي رفعت في وجوه المرشحين الآخرين.

“معضلة رياضياتية”

مع تكليف الزيدي، علق الاطار بمحنة جديدة، “محنة النقاط”، بوجود 11 كتلة انتخابية تمثله وتملك 187 مقعدا، مقابل 12 وزارة من حصة الشيعة من بينها 3 وزارات سيادية، وهنا سيكون الاطار امام “معضلة رياضياتية”، خصوصا وأن “الجميع سيتشرك بالحكومة”، وهذا ما قاله رئيس الوزراء المكلف علي الزيدي في اول تصريح له لوسائل الاعلام وعلى هامش زيارته لأربيل للقاء زعماء الحزب الديمقراطي الكردستاني.

توجد 23 حقيبة وزارية، وعلى الرغم من ان المبدأ العام يقول ان الوزارات تتقسم بواقع 12 وزارة للشيعة، و6 للسنة، و4 للكرد ووزارة واحدة للاقليات تذهب للمسيحيين غالبا، وفقاً للتقسيم الطائفي الذي سار عليه عرف العملية السياسية منذ 2003، لكن تصريحات متكررة خرجت من مختلف القوى السياسية تتحدث عن “وزارة إضافية” لها، فنواب ومحللون قالوا ان حصة الشيعة 13 وزارة، فيما قال سياسيون كرد ان حصة الكرد 5 وزارات وذلك بتصريح على لسان غياث السورجي القيادي في الاتحاد الوطني الكردستاني.

يقول الباحث في الشأن السياسي سعد جميل، إن “السقوف المرتفعة لعدد الوزارات التي باتت تطرحها بعض القوى السياسية، لا تمثل مجرد رغبات تطرح في الهواء، بل رسائل استباقية لتحصيل اكبر عدد ممكن من المناصب، وعامل إرباك للآخر، خصوصاً مع “معضلة الرياضيات” وعدم وجود قاعدة ثابتة او معادلة رياضية واضحة ممكن ان تحسم حصص المناصب، ومن هذه الثغرة تحاول القوى السياسية فرض “فوضى حسابية” لتجعلها قاعدة ضاغطة تدفع للتفاوض وترتيب التقسيم من خلال “الارضاء” لا التقسيم الفني الحاسم”.

ويوضح أن “رفع بعض القوى سقف حصصها بوزارة اضافية مع ان الوزارات عددها محدود، يعني بالمقابل نقصان حصة الطرف الاخر، فاذا ارتفعت وزارات الشيعة الى 13 فهذا يعني نقصان في حصة السنة او الكرد”.

وبالفعل هذا ما طرحه قبل ايام المحلل السياسي علي البيدر، المقرب من حكومة السوداني، والذي تحدث بصراحة ان “حصة الشيعة 13 وزارة والسنة 6 وزارات والكرد 3 وزارات”، وذلك خلافا للمبدأ العام المتعارف عليه.

العرض اقل من الطلب.. المزيد من انتاج المناصب

هذا المأزق بدأ يقود لاستحداث مناصب جديدة، فمع تصاعد الطلب وقلة المعروض من الحقائب، سترتفع كلفة الوزارات والمناصب، أي عدد النقاط المطلوبة للحصول عليها، ما يجعل بعض القوى السياسية ولا سيما داخل الاطار، “بلا وزارة او منصب”، خلافا للمبدأ الذي يحاول الاطار تثبيته، المتمثل بأن “الجميع مشارك ويحكم”.

ربما كان ذلك دافعا لفكرة استحداث مناصب “نواب رئيس الوزراء بلا حقائب”. هذا يعني بدلا من ان يكون نائب رئيس الوزراء هو وزير في نفس الوقت كما كان في الحكومات السابقة وآخرها حكومة السوداني حيث كان هناك ثلاثة نواب لرئيس الوزراء هم في نفس الوقت وزراء، فؤاد حسين وزير الخارجية ومحمد تميم وزير التخطيط وحيان عبد الغني وزير النفط.

وفق المقترح، الذي مازال المكلف علي الزيدي يرفضه، سيصبح للشيعة نائب “اضافي” أو أكثر لرئيس الوزراء مع استعادة نائب لرئيس الجمهورية وبوجود نائب رئيس البرلمان من الشيعة، يضافون الى الـ12 وزارة، وبهذا سيكون هناك نحو 15 منصب للشيعة لتعويض النقص في الوزارات مقابل زيادة عدد الكتل التي تشارك بالحكومة.

تذهب الوزارات السيادية الشيعية الثلاث (المالية، الداخلية، النفط) الى الكتل الثلاث الاعلى (دولة القانون، صادقون، الاعمار والتنمية). وتؤكد مصادر سياسية وجود تنافس بين الاعمار والتنمية ودولة القانون على وزارة النفط.

وتبلغ نقاط الوزارة السيادية 15 نقطة، بحسب المتداول في الأروقة السياسية، أما النقاط المتبقية للقوى الكبيرة فتعوض بوزارات من المستوى الثاني أو بمناصب اخرى.

يمتلك ائتلاف الاعمار والتنمية 52 مقعدا (اكثر من 50 نقطة) وذلك بعد انضمام 6 نواب الى الائتلاف، وبمنحه وزارة سيادية بـ15 نقطة، ستكون لديه اكثر من 35 نقطة متبقية وتعادل 3 وزارات اخرى غير سيادية.

أما دولة القانون وصادقون، فيمتلك كل منهما حوالي 30 مقعدا، ما يعني وزارة سيادية مع وزارة اخرى، وتداولت المعلومات عن منح الداخلية لدولة القانون والمالية لصادقون، لكن حصول صادقون على منصب النائب الاول لرئيس البرلمان ربما سيخرجها من حسبة الوزارات السيادية وتحصل على وزارة اخرى من الدرجة الثانية، وتذهب الوزارة السيادية الى تيار الحكمة، او لا تمنح صادقون وزارة اساسا ويتم منحها منصب نائب رئيس الوزراء.

ووفق مقترح مازال قيد التداول، سيكون هناك نائب لرئيس الوزراء لشؤون الطاقة، وآخر لشؤون الأمن، وثالث لشؤون النفط، ورابع للخدمات او لشؤون المكونات، حيث تطالب قوى من الأقليات بأن يكون أحد نواب رئيس الوزراء من حصتها.

Ali

مراوغة الدستور.. “ابتكارات اطارية”

لا يتوقف الأمر على “اعادة ابتكار” منصب نواب رئيس الوزراء بلا حقائب وزارية، بل ان “قلة المتاح من المناصب مقابل النقاط” قد يقود الى جعل نواب رئيس الوزراء أربعة بدلا من ثلاثة، ويكون لرئيس الوزراء نائبان من الشيعة، ونائب سني ونائب كردي، وهي صيغة غير مسبوقة، لكنها تكشف عن المديات التي تصلها القوى الحاكمة لايجاد حلول لمختلف المعضلات التي تواجهها في قضية المناصب، وبحسب المعلومات المتداولة فإن منصبي نائبي رئيس الوزراء للشيعة سيذهبان الى محسن المندلاوي، ومرشح آخر من صادقون.

هذه “الابتكارات” في استحداث المناصب لمديات غير مسبوقة، تكشف عن قدرة الاطار على “مرواغة الدستور”، فمنصب نواب رئيس الوزراء غير منصوص عليه دستورياً.

عند مراجعة النصوص الدستورية لمناصب نواب الرئاسات الثلاث، ينص الدستور في المادة 55 على انتخاب نائبين لرئيس البرلمان بوضوح، وينص في المادة 69 على اختيار نائب او اكثر لرئيس الجمهورية وينضّم ذلك بقانون، وبالفعل تم تشريع القانون عام 2011 على ان يكون لرئيس الجمهورية نائب او اكثر ولا يزيد على ثلاثة نواب.

أما رئيس الوزراء فلم ينص الدستور على وضع نائب له. فبشأن رئيس الجمهورية، نص الدستور في المادة 75 انه يحل نائب رئيس الجمهورية محل الرئيس عند خلو منصبه، واذا لم يكن له نائب يحل محله رئيس مجلس النواب لحين انتخاب رئيس جديد. أما رئيس الوزراء، فتنص المادة 81 ان رئيس الجمهورية “يحل محل رئيس مجلس الوزراء عند خلو المنصب لأي سبب كان”، وهذا يؤكد عدم وجود نائب لرئيس الوزراء دستوريا، ما يعني ان وضع نواب لرئيس مجلس الوزراء أمر غير دستوري أساساً، فضلا عن رفع عددهم الى 4 نواب.

المزيد من الإنفاق

تم الغاء مناصب نواب رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء في حكومة العبادي عام 2015 لأغراض تتعلق بالإصلاحات الاقتصادية وتقليل الانفاق، وسبق أن طعن احد نواب رئيس الجمهورية بذلك لدى المحكمة الاتحادية العليا وقررت المحكمة عدم دستورية الغاء مناصب نواب رئيس الجمهورية “فقط”، أما نواب مجلس الوزراء فلم يتم الحديث عنها ولم يطعن احد بالغائها لأنها غير دستورية أساسا.

يتقاضى نواب رئيس مجلس الوزراء 10 ملايين دينار (نحو 6600 دولار) كرواتب شهرية وفقا لقانون 27 لسنة 2011 باستثناء مخصصات الحمايات التي قد تصل الى 15 مليون دينار اخرى اذا ما وضع عدد حمايات مساوٍ لعدد حماية عضو مجلس النواب. هذا يعني ان وضع 4 نواب لرئيس مجلس الوزراء ستكبد الدولة نفقات اضافية تبلغ 100 مليون دينار شهريا (1.2 مليار دينار سنويا) على الأقل، في الوقت الذي يعاني فيه العراق من وضع اقتصادي سيء مع توقف تصدير النفط، المورد الأساسي للعائدات، بسبب استمرار اغلاق مضيق هرمز، وارتفاع المديونية الداخلية وصعوبة توفير الرواتب الا بالاقتراض، فضلا عن اجماع المختصين الاقتصاديين على صعوبة استعادة انتاج النفط بسرعة في حال انتهاء الحرب، بسبب دخول الحقول المتروكة في “سبات” تحتاج الى اشهر قبل استعادة طاقتها الانتاجية، عقب تخفيض الانتاج من 4.3 مليون برميل يوميا قبل الحرب الى 1.5 مليون برميل حالياً.

“ملاكان حارسان”

عند الحديث عن خلافات الاطار التنسيقي قبل الانتخابات وبعدها وقبل الاستقرار على مرشح لرئاسة الوزراء، ومن ثم الخلافات على توزيع المناصب، لا يمكن اختزال هذا المشهد بأنه “صراع على المناصب بما تحمله من امتيازات” فحسب، بل هو صراع لفرض الارادة ومنع تمكين الآخر، بحسب الباحث بالشأن السياسي سيف الزبيدي.

يقول، إن “تتبع سلوكيات الاطار والقوى الشيعية الفاعلة في مختلف الازمات السياسية مع قوى منافسة شيعية مثل التيار الصدري او قوى تشرين، او حتى الأزمات الداخلية للاطار تكشف عن “ًصراع وجود”، وعدم ثقة حتى فيما بين القوى المشكلة للاطار”.

ويشير الى ان “خلافات السوداني والمالكي على سبيل المثال، طغى عليها شعور بالتحدي، فكل طرف يشعر ان الآخر يريد ان “يكبر” على حسابه وحساب الاخرين، وأنه لا يجب تمرير ارادة المقابل وان يكون له الصوت الأعلى داخل الاطار او في المشهد السياسي عموما، وهذا امر يتجاوز الصراع على المناصب”.

ويرى الزبيدي، أن زعماء الاطار لا يقبلون أن تستبدل ارادتهم بمناصب “حتى لو تم منحه عدة مناصب مغرية، فانه لن يقبل بها مقابل كسر ارادته، لأن المناصب تتبدل وتنتهي، لكن ارادته وقوته داخل الاطار ستبقى، وفق رؤيتهم، وهي الضمانة الأهم والتي ستجعله باقٍ بالمشهد لفترة تتجاوز الاستفادة من منصب ما في دورة حكومية او برلمانية واحدة تنتهي بعد 4 سنوات”.

هذا ربما يُفسر اختيار الاطار التنسيقي لعلي الزيدي، فكل طرف بالاطار كان يرفض أن يكون رئيس الوزراء محسوباً على الطرف الآخر، وتم رفض جميع الأسماء “التسعة الأساسية التي ظلت مطروحة طوال أشهر” لأنها كانت محسوبة على طرف سياسي معين، لذلك تم الاستقرار على مرشح غير محسوب على أي طرف.

لكن في ذات الوقت لا يمكن الشعور بالأمان لمرشح لا ينتمي الى أي طرف ولا يعرفه أحد، من هنا اصبح “الزيدي” خيارا مثاليا، فهو غير محسوب على أي طرف، وبذات الوقت يعرفه الجميع نظرا للتداخل الكبير بين حلقات السياسة والمال في بلد يبنى النفوذ فيه على معادلة دقيقة مرسومة بين السلطة والمال.

على الرغم من ذلك، تبقى قوى الاطار التنسيقي تعيش “شعور الريبة” من بعضها البعض ومن الآخر، وتشعر بالتهديد المستمر من تنامي نفوذ قوى جديدة ان جرى تمكينها من مفاصل ادارة الدولة التي يتحكم بالكثير منها رئيس الوزراء. وكان السوداني مثالا، فقد قدم كمرشح تسوية وحزبه لا يملك الا مقعدين في البرلمان السابق، ليصعد سريعا بفضل سلطة رئاسة الوزراء، حاصدا ضمن تحالف واسع 46 مقعدا في البرلمان الحالي.

ومن ذات المنطلق، قد يتعامل الاطار التنسيقي بكامله مع رئيس الوزراء المكلف علي الزيدي، على أنه “جسم غريب غير مضمون” رغم التعهدات التي سرب انها أخذت منه “بعدم تشكيل حزب، وعدم المشاركة في أية انتخابات مقبلة”، فضلاً عن كونه شخصية غير معروفة التوجهات سياسيا، لذلك يرى الاطار ضرورة ان تحيط به دائماً، في مكتبه وغرف اتخاذ القرارات، التي تتصارع عليها قوى الاطار. فائتلاف الاعمار والتنمية يتشبث بمنصب “مدير مكتب الزيدي” بينما تأمل دولة القانون في الفوز به، وهناك قوى أخرى تتنافس على الموقع.

على هذا الاساس، فإن احتمال اختيار نائبين شيعيين لرئيس الوزراء، لا يقتصر على كونه مخرجا لتعويض النقص في المناصب فحسب، بل من المرجح ان يكون الأمر، بمثابة وضع “ملاكين حارسين” من القوى الشيعية يراقبان اعمال الزيدي ويقودانه بما يصب في صالح فلسفة الحكم الإطاري.

بحسب تسريبات القوى النافذة، مازال المكلف بتشكيل الحكومة، يرفض وجود أكثر من نائبين لرئيس الوزراء، أحدهما كردي والآخر سني، وهو ما يُعقد مشهد حسم المواقع الرئيسية في الحكومة التي يريد الاطار اعلانها الاسبوع المقبل وان كان بكابينة غير مكتملة، لحين انهاء الصراعات الداخلية بين قوى الاطار الشيعي بعد حسم شبه نهائي لحصص المكونين الكردي والسني.

المزيد عن تقارير إخبارية

تقارير إخبارية","field":"name"}],"number":1,"meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":34162}" data-page="1" data-max-pages="1" data-start="1" data-end="1">