في اليوم العالمي لحرية الصحافة.. هل توجد حرية صحافة في كردستان؟
انحرفت المسارات الصحفية عن مهنيتها وجوهرها القائم على التقصي والتحليل وصناعة الخبر، لقد تحولت المنابر الإعلامية إلى أبواق روتينية تكتفي باجترار البيانات الرسمية وتجميل التحركات البروتوكولية للمسؤولين والتسويق للأجندات الحزبية، بينما يُروّج زيفاً بأن هناك حريةً مطلقةً
تشير مخرجات تقرير منظمة “مراسلون بلا حدود” لعام 2026 إلى أن تراجع حريات الصحافة في العراق وإقليم كردستان لم يعد شأناً محلياً عابراً، بل ارتقى ليكون قضية حقوقية ذات أبعاد دولية مقلقة، فالأمر لم يتوقف عند حدود التراجع فحسب، بل وصل إلى حالة من الإرباك التام والفوضى التي تعصف بالوسط الصحفي.
انحرفت المسارات الصحفية عن مهنيتها وجوهرها القائم على التقصي والتحليل وصناعة الخبر، لقد تحولت المنابر الإعلامية إلى أبواق روتينية تكتفي باجترار البيانات الرسمية وتجميل التحركات البروتوكولية للمسؤولين والتسويق للأجندات الحزبية، بينما يُروّج زيفاً بأن هناك حريةً مطلقةً.
تقول منظمة مراسلون بلا حدود (RSF) عن حرية الصحافة: “يجب أن يمتلك الإعلام القدرة على العمل باستقلالية، ونشر المعلومات، ومراقبة السلطة، بعيداً عن التدخلات السياسية، الاقتصادية، أو القانونية غير المشروعة”.
وهنا نسأل: هل يتطابق وضع الإعلام في كردستان مع هذا التعريف؟
قبل الإجابة، لنستعرض مؤشرات وجود أو غياب حرية الصحافة.
مؤشرات غياب حرية الصحافة:
الاعتقال أو القتل.
الرقابة الحكومية.
السيطرة على وسائل الإعلام.
الرقابة الذاتية.
استخدام ذريعة “الأمن القومي” للترهيب.
مؤشرات وجود حرية الصحافة:
وجود إعلام متنوع ومتعدد الأصوات.
الحماية القانونية.
حق الوصول إلى المعلومات.
غياب الرقابة.
ضمان أمن وسلامة الصحفيين.
بتحديد هذه المؤشرات، يمكننا القول إن جميعها متوافرة في كردستان، ولكن كيف يمكن أن يجتمع المتناقضان؟!
يحدث ذلك بسبب الإنقسام الجغرافي في اقليم كردستان وفق مناطق النفوذ الحزبي، فالإقليم حتى وإن لم يكن مقسم من الناحية الرسمية الى “إدارتين”، إلا أن الوقائع تظهر وتكرّس واقع الإدارتين، أبرز دليل على ذلك هو آلية جمع إيرادات المنافذ الحدودية (من السليمانية وأربيل) لتوفير مبلغ الـ(120) مليار دينار شهريا والتي ترسل الى الحكومة الاتحادية لضمان إرسال رواتب موظفي كردستان، وهو أمر يتحدث عنه إعلام الحزبين الحاكمين بلا مواربة.
واقع الانقسام الى “إدارتين” ينعكس في المجال الإعلامي بوضوح، بين حرية وتقييد. حيث لا قيود على حرية الصحافة إذا كنت صحفياً في منطقة نفوذ الاتحاد الوطني الكردستاني، وتنتقد ما يحصل في مناطق نفوذ الديمقراطي الكردستاني، والعكس صحيح، فتلك الحرية متاحة إذا كنت في منطقة الديمقراطي، وتنتقد أي حدث شئت في منطقة الاتحاد.
هذه المعادلة، كما تنطبق على ما ذكر أعلاه، تنطبق أيضاً (بنسب متفاوتة) على مؤشرات غياب الحرية؛ فإذا حاولت كصحفي في منطقة محددة أن تعمل وفق المعايير الدولية وتنتقد السلطة في ذات المنطقة فستواجه التضييق وتكون قد دخلت المحظور.
بناءً عليه: هذه ليست حرية صحافة، ولا تتفق مع معاييرها الدولية. فأن أكون حراً في أربيل لأقول ما أشاء ضد الاتحاد الوطني، أو العكس في السليمانية ضد الحزب الديمقراطي، فذلك يسمى “حرية سياسية محدودة” وليس حرية صحافة.
لقد تم تشويه الوضع الاعلامي في كردستان، حيث أن السلطة هي من سكبت السم وهي ذاتها من تدعي تقديم الترياق. والسلطة، في سبيل تجميل صورتها، شوهت قطاع الإعلام الى درجة ان تشعر بالحرج حين تقول “أنا صحفي”؛ وذلك عبر استحداث المئات من حسابات “الموجو” ومنصات التواصل الاجتماعي الرخيصة التكلفة، والتي تقوم ببث مزيج من الأخبار الصحيحة الى جانب المضللة والمفبركة والمحرفة والمجتزأة، دون ان تتحمل أي مسؤولية قانونية أو أخلاقية.
بينما نحتفل باليوم العالمي لحرية الصحافة، يكمل (شيروان شيرواني) اسبوعه الثاني في الإضراب عن الطعام داخل السجن احتجاجاً على الإجراءات القانونية ضده، حيث تزداد المخاطر على حياته يوماً بعد يوم دون أي استجابة من السلطة. ونحن نتحدث عن هذه الحرية بينما نستقبل الذكرى السادسة عشرة لاغتيال (سردشت عثمان).
في ضوء ما سبق، جاء ترتيب العراق في التصنيف العالمي لحرية الصحافة لعام 2026 (والإقليم جزء منه) في المرتبة 162 من أصل 180 دولة، بعد أن كان في المرتبة 155 العام الماضي، والتي كانت أفضل مرتبة وصل إليها العراق خلال العقد الأخير.
وفق ذلك فان وضع حرية الصحافة في إقليم كردستان، وضع مختلط يحمل جانبين:
الإيجابيات:
– ازدياد عدد القنوات ووسائل الإعلام وتنوعها خلال السنوات الماضية.
– قدرة الصحفيين بشكل عام على نشر المواضيع، لا سيما في الإعلام الخاص والمستقل.
– وجود قوانين ومنظمات إعلامية تعمل “نظرياً” على حماية حرية الصحافة.
التحديات:
– استمرار التأثير الحزبي والسياسي القوي على أغلب وسائل الإعلام.
– تعرض الصحفيين أحياناً للمثول أمام القضاء، الاستدعاء، أو الضغوط بسبب كتاباتهم.
– ضعف الحماية القانونية الفعلية للصحفيين.
– وجود قيود ومخاوف في المواضيع الحساسة (مثل الفساد، الأجهزة الأمنية، أو سلوك كبار السياسيين).
بشكل عام:
تشير المنظمات الدولية مثل “مراسلون بلا حدود” غالباً إلى أن وضع كردستان أفضل من بعض دول المنطقة، لكنه لا يزال بعيداً جداً عن مستوى “الحرية الكاملة”.
ووفقاً لتقرير هذا العام، تصدرت دول مثل (النرويج، هولندا، إستونيا، الدنمارك، والسويد) العالم في استقلالية الإعلام والحماية القانونية وأمن الصحفيين. وفي المقابل، جاءت دول مثل (إريتريا، كوريا الشمالية، الصين، إيران، والمملكة العربية السعودية) في ذيل القائمة بسبب الرقابة المطلقة وسيطرة الحكومات ومعاقبة الصحفيين.
تقرير “حرية الصحافة” السنوي، هو أحد التقارير التي تُقيم وضع الإعلام عالمياً وتصدره منظمة (RSF)، إلى جانبه تصدر مؤسسة (Freedom House) تقارير لقياس الحرية السياسية والإعلامية، كما تقوم “لجنة حماية الصحفيين” (CPJ) بتوثيق حالات القتل والاعتقال، وينشر “الاتحاد الدولي للصحفيين” (IFJ) تقارير حول حماية الحقوق المهنية.
كل هذه الجهود، إضافة إلى تقارير النقابات والمنظمات المحلية، تهدف الى تنبيه السلطات الى التجاوزات التي تهدد حرية الصحافة باعتبارها ركنا أساسيا في ضمان الديمقراطية والحريات وتطوير المجتمعات. وتلك المنظمات تسعى لتوفير بيئة آمنة لضمان حرية الصحافة والوصول إلى المعلومات. ولكن للأسف، ورغم كل هذه الضغوط، لا تزال البيئة الصحفية تفتقر للحرية والاستقلال المنشودين، مع استمرار محاولات السلطة، ضرب، وقمع، وتشويه هذا القطاع والسيطرة الكاملة عليه.