آراء: والي بغداد الجديد.. انعكاس لخيارات الجمهور ومشاكل السلطة

والي بغداد الجديد.. انعكاس لخيارات الجمهور ومشاكل السلطة

من المتوقع أن تكون الديمقراطية في بداياتها، عرجاء بكماء سيئة الأثر على الشعب، لأنها تكون انعكاس لفئة واسعة لا تعرف مصالحها، يتحكم بهم أحيانا فاشلون وانتهازيون.

محمد جواد الميالي

يرى منظرون لعلم الاجتماع، ان الشعوب تحتاج بفطرتها لقائد أو زعيم، يقود الجماعة ويدير شؤونها الاجتماعية، وهذا الافتقار هو أساس في الفطرة البشرية، ولكنه يفتح الباب حول مفاهيم أخرى، قد تجعل من الشعوب أدوات مسلوبة الإرادة، إلا فئة قليلة لا تسير مع الموجة.

يقول أستاذ الفلسفة تشومسكي، أن عامة الشعب لا يعرفون ما يحدث في طبيعة السياسة وإدارة الدولة، والأهم أنهم لا يعرفون انهم لا يعرفون، وهذا يرتبط بالبنية العاطفية للجماعات الإنسانية، التي يرى فيها غوستاف لوبون أنها مجرد العوبة، تتحكم بها المحرضات الخارجية والقوى الداخلية، التي تعمل على استمالة العاطفة الشعبية، التي تراها أحيانا هادئة واحيانا اخرى تنتقل للتوحش العاطفي. بالتالي فإن أي ما يصدر عن الجماعات هو متقلب دائما، والتي تكون في أغلب الأوقات مسلوبة الإرادة والتفكير.

إسقاط هذه النظريات على الواقع العراقي، منذ نشأة الدولة بمفهومها الحديث الى الوقت الراهن، يجعلنا أمام تساؤل محير، حول مدى توافق المجتمع العراقي مع التجربة الديمقراطية، وتأثير رؤية القائد الأوحد عليه؟

إن التجارب مع العملية الانتخابية، تظهر انقسام المواطنين لثلاثة أقسام، أولها الفئة الرمادية، التي لا ترى في النظام شيئاً ثابتاً، وهي تميل أينما مالت الكفة، ودائما ما يكون هناك وقت تعود به الى نقطة المنتصف لتتحرك بعدها وتصطف من جديد، وهم يمثلون الكتلة الأكبر التي يرغب السياسيون في استمالتها.

الفئة الأخرى هم المؤدلجون، أصحاب الموقف المحسوم، وتعتبر هذه الفئة الأكثر تأثيرا في العملية الديمقراطية، لأنهم يتحركون وفق قيم شبه ثابتة، سواء عقائديا أو مصلحيا، لأنهم قد اختاروا لونهم مسبقا.

أما الفئة الأخيرة فهم التائهون “ألا أدري” وهؤلاء لا يملكون موقفا محددا، وهم منشغلون بأمور حياتهم ولقمة العيش، ودائما ما يكونون خارج نطاق التغطية السياسية ولا يكترثون بالعملية الانتخابية.

وبينما يصارع المؤدلج لبناء قاعدته، يكون الرمادي مراقبا للنتيجة، وأي بناء يرتفع ينتمي اليه.. اما التائهون فيعيشون في عالم لا يرون فيه أعمدة البناء.

الفئة الثانية، الرمادية، هم الذين يصنعون شكل الطبقة الحاكمة، وفي العراق يكون الحاكمون هم انعكاسا لجمهورهم الذي اوصلهم للسلطة.

وينقسم هذا الجمهور الحزبي، لثلاثة أقسام، أصحاب القرار والمثقفون، وهم فئة صغيرة، تسيطر بتسلطها وتأثيرها على الفئة الأكبر من المؤمنين بعقيدة ونهج الحزب أو التيار الذي ينتمون إليه، وبين هؤلاء يوجد الانتهازيون الذين تربطهم المصلحة مع أي حزب يتواجدون فيه، وهم كثيرو التنقل من حزب لآخر.

تبعا لما سبق فإن من المتوقع أن تكون الديمقراطية في بداياتها، عرجاء بكماء سيئة الأثر على الشعب، لأنها تكون انعكاس لفئة واسعة لا تعرف مصالحها، يتحكم بهم أحيانا فاشلون وانتهازيون. والصالحون في التجربة الحديثة فهم قليلو العدد ويكون دورهم محصورا بمحاولات إنقاذ السفينة من الغرق مع تكبد أقل الخسائر.

ما يحدث اليوم من انعكاس مشاكل قادة الإطار التنسيقي على الرأي العام، حيث يتم تداول صراعاتهم في الشارع، هو نتيجة طبيعية لنوعية الجمهور الذي أوصلهم للسلطة. وهذا الصراع أفرز مكلفا جديدا، ربما يكون اختياره مجرد مناورة لكسب الوقت على أمل التفاهم على شخصية لاحقة، وربما يكون تكليفا حقيقيا لعبور مرحلة. لا يمكن الجزم فكل ما هو غير متوقع يحصل، وما هو مؤكد نجده يتبدد.

وفي كل الأحوال فأننا وفي خضم الصراعات المحلية والاقليمية، وعلى وقع الأزمات والتحديات الداخلية، سنكون مقبلين على سنوات عجاف، مع الوالي الجديد لبغداد.

المزيد عن آراء

آراء

آراء","field":"name"}],"number":1,"meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":34091}" data-page="1" data-max-pages="1" data-start="1" data-end="1">