في مقال له، يقدم الباحث والكاتب احمد الركابي، قراءته لتكليف رجل الأعمال علي الزيدي لتولي رئاسة الوزراء العراق، وهو أهم وأعلى منصب في الدولة التي تواجه تحديات اقتصادية كبيرة وصراعاً أمريكيا ايرانيا على النفوذ، في لحظة مفصلية لا تقبل أنصاف الحلول وما قبلها لا يمكن أن يكون كما بعدها.
يقول الكاتب:
ان اختيار الزيدي، جاء كحدث مفاجئ، لا يشبه النهايات التقليدية لمسارات سياسية واضحة، بل أقرب إلى فراغ تم ملؤه على عجل، فالرجل لم يكن اسماً متداولا في المجال العام، ولا ضمن قائمة الأسماء الثقيلة التي اعتاد العراقيون سماعها في كل استحقاق حكومي.
خلال ساعات من الإعلان، بدأت سيرة ذاتية من ثلاث صفحات بالانتشار على وسائل التواصل الاجتماعي، تستعرض مسيرته في عالم الأعمال وتحصيله الأكاديمي في القانون، إلى جانب حصوله على شهادة ماجستير في المالية والمصارف. لكن هذه السيرة، بدل أن تُغلق باب الأسئلة، فتحت أبوابا جديدة. بدت وكأنها كُتبت على عجل، إذ أغفلت تفاصيل أساسية مثل مكان وتاريخ الولادة.
وفي اليوم التالي انتشرت معلومات تفيد أنه مولود عام 1986، ما يجعله -في حال تثبيته-أصغر رئيس وزراء في تاريخ العراق الحديث.
حضور عبر الاقتصاد والاعلام
وظهر ملامح حضوره الاقتصادي. فبحسب سجلات رسمية، يرتبط اسمه بعدد كبير من الشركات التي تتوزع استثماراتها على قطاعات واسعة تشمل الصحة والتعليم، والإنتاج الزراعي والغذائي، والنفط والغاز والكهرباء، إضافة إلى العقارات والسياحة والقطاع المصرفي.
وبعض هذه الأنشطة يتقاطع مع مجالات حساسة ترتبط بعقود الدولة وبرامجها، بما في ذلك توريد مواد غذائية أساسية ضمن منظومات الدعم الحكومي، اضافة إلى تجهيز الوجبات اليومية لأفراد الجيش العراقي.
وتداول معلقون في الإعلام المحلي معلومة تفيد أن الحكومة العراقية مدينة للزيدي بمبلغ كبير يقدر بملياري دولار.
ولم يقتصر حضور الزيدي على الاقتصاد، بل امتد إلى الإعلام أيضا، بعد دخوله هذا المجال عبر امتلاك قناة “دجلة” التلفزيونية، التي يديرها شقيقه.
وهذه الصورة المركبة لا توحي برجل قادم من خارج المنظومة، بل بشخص منخرط فيها بالفعل -اقتصاديا ومؤسسيا- قبل أن يتقدم لتولي إدارتها سياسيا.
وهذا ما يفسر ردود الفعل الأولية على اختياره. فارتباط اسمه بمصرف يخضع لعقوبات أمريكية، إلى جانب ما يُتداول عن علاقاته مع فصائل مسلحة مناهضة للولايات المتحدة، دفع كثيرين إلى توقع رد فعل أمريكي حاد، قد ينعكس مباشرة على اقتصاد عراقي يعاني أصلا من هشاشة عميقة.
ترحيب أمريكي دولي محلي
إلا أن ما حصل لاحقا كان اكثر هدوءا وفي اتجاه معاكس تماماً. فبعد ساعات من تكليفه الرسمي، اجتمع الزيدي مع القائم بالأعمال الأمريكي جوشوا هاريس، قبل أن تصدر السفارة الأميركية بيانا تهنئ فيه الزيدي وتتمنى له النجاح في تشكيل حكومة تخدم جميع العراقيين. وتوالت بعدها رسائل التهنئة من عواصم أوروبية وخليجية، فيما لم يتأخر القادة السنة والكرد في إعلان دعمهم للخيار الجديد.
ويبدو أن هذا الاختيار لم يكن مجرد تسوية سياسية تقليدية، بل أقرب إلى خيار اضطراري لكسر حالة انسداد استمرت لأكثر من خمسة أشهر. فالعراق ليس غريبًا عن هذا النوع من الفراغات، إذ أصبح التأخير في تشكيل الحكومات منذ 2003 جزءًا من بنية النظام السياسي، لا استثناءً فيه. وقد احتاج سلفه محمد شياع السوداني هو الآخر إلى وقت طويل للوصول إلى المنصب، لكن الفارق اليوم أن هامش المناورة بات أضيق، والبيئة الإقليمية والدولية أكثر توترا، والقدرة على إنتاج تسويات تقليدية أقل بكثير.
ففكرة اختيار شخصية تحظى بقبول واشنطن وطهران معا، في ظل التوترات الراهنة، تبدو أقرب إلى معادلة مستحيلة. فالعلاقة بين الطرفين لم تعد تنتج مناطق التقاء، بل مساحات ضغط. وأي حكومة عراقية تتشكل داخل هذا المجال تصبح، بحكم الواقع، نتاج توازن هش لا اتفاق مستقر.
لن يدخل الزيدي إلى موقعه كفاعل مستقل، بل كنتاج توازنات معقدة، والقوى التي جاءت به لا تنتظر منه تغيير قواعد اللعبة، بل إدارتها بما يحفظ مواقعها، وهذا يضعه أمام خيار ضيق: إما الحفاظ على توازن هش، أو محاولة كسره بثمن قد يكون مرتفعاً
ماذا سيواجه الزيدي.. سياسياً اقتصادياً أمنياً ؟
ضمن هذا السياق، لا يصبح السؤال الحقيقي لماذا تم اختيار الزيدي، بل ما الذي سيواجهه.
اقتصاديا، سيرث دولة تعتمد بشكل شبه كامل على عوائد النفط، في ظل تقلبات مستمرة في الأسواق العالمية، ونفقات عامة متضخمة يصعب تقليصها دون كلفة سياسية.
الخزينة ليست فارغة بالمعنى الحرفي، لكنها مثقلة بالتزامات تجعل قدرتها على المناورة محدودة للغاية. وأي محاولة لإعادة ضبط هذا المسار ستصطدم بشبكات مصالح راسخة تعاملت مع الدولة بوصفها مصدر توزيع، لا مؤسسة إدارة.
سياسيا، لن يدخل الزيدي إلى موقعه كفاعل مستقل، بل كنتاج توازنات معقدة. القوى التي جاءت به لا تنتظر منه تغيير قواعد اللعبة، بل إدارتها بما يحفظ مواقعها. وهذا يضعه أمام خيار ضيق: إما الحفاظ على توازن هش، أو محاولة كسره بثمن قد يكون مرتفعا.
أمنيا، تبدو الساحة أقل صخبا مقارنة بسنوات المواجهة مع تنظيم داعش، لكنها أبعد ما تكون عن الاستقرار. التحدي لم يعد في مواجهة تهديد واحد واضح، بل في إدارة تعددية معقدة من القوى المسلحة، الرسمية وغير الرسمية، ضمن بيئة إقليمية تعيش على صفيح من نار.
أما خارجيا، فيبقى التحدي الأكثر حساسية هو العلاقة مع واشنطن. فملفات مثل العقوبات، والوصول إلى الدولار، والنظام المصرفي، ليست تفاصيل تقنية، بل عناصر بنيوية في الاقتصاد العراقي. وفي المقابل، فإن النفوذ الإيراني ليس عاملا خارجيا يمكن تجاوزه بسهولة، بل جزء من التوازن الداخلي نفسه.
لحظة الاختبار الأصعب
وهنا يتحول السؤال من كونه تحليليا إلى كونه وجوديا:
هل يستطيع الزيدي إدارة هذا التوازن المعقد، أم أن العراق يتحرك -ببطء ولكن بثبات- نحو لحظة اختبار قد لا يمكن احتواؤها؟
الأرجح أن الرجل لا يمثل قطيعة مع الماضي، بل امتدادا له في ظروف مختلفة. فالنظام الذي أنتجه لا يزال قائما، لكنه يعمل اليوم في بيئة لم تعد تسمح له بالعمل بالطريقة نفسها.
الخطر، إذن، ليس في من تم اختياره.
بل في أن لحظة الاختيار نفسها لم تعد تعني ما كانت تعنيه من قبل.