مخاض عسير جديد في العراق.. بين مطالب أمريكا وتطلعات الاطار
جاءت مكالمة ترامب مع رئيس الوزراء الجديد علي الزيدي، لتحمل رسالة واضحة للإطار التنسيقي في العراق مفادها أن اليد الأمريكية هي العليا. وهذا ما يخشاه الاطار التنسيقي الذي عقد اجتماع فوري مع الزيدي لتقديم تقرير عن مكالمة ترامب
لم ينتهِ المخاض السياسي الجديد في العراق بعدُ، رغم اختيار رئيس وزراء جديد من قبل الإطار التنسيقي، المظلة الرئيسية لسلطة الإسلام السياسي الشيعي في العراق. فقد كان الإطار التنسيقي، قبل اندلاع الحرب التي استمرت تسعةً وثلاثين يومًا على إيران، ينتظر نتائج المفاوضات الأمريكية–الإيرانية في جنيف.
ثم جاءت الحرب، فانتظر “الإطار” نتائجها السياسية، أعقبتها الهدنة والحصار البحري على إيران، ليطول الانتظار دون أن يفضي إلى نتائج سياسية يمكن أن تمنحه متنفسًا أو هامشًا للمناورة، من أجل إعادة تموضعه السياسي واختيار رئيس وزراء يغضّ الطرف عن بقاء الميليشيات الموالية لإيران، التي تشكّل ركيزة لبقائه السياسي واستمرار نفوذه وامتيازاته، ومقاومة فكّ الارتباط السياسي والاقتصادي والأمني مع الجمهورية الإسلامية عبر مناورات وألاعيب أتقنتها حكومة السوداني.
إن اختيار رئيس الوزراء من قبل الإطار التنسيقي، وإنهاء حالة الانتظار واللعب على عامل الوقت—كما يفعل قادة الحرس الثوري في إيران خلال مفاوضاتهم مع الإدارة الأمريكية—جاء نتيجة ضغوط أمريكية، تمثلت في تجميد العمل مع الأجهزة الأمنية والاستخباراتية العراقية، وتعطيل مؤقت لوصول الدولار إلى الخزينة العراقية، وتحديد مكافآت مالية لاعتقال أو تصفية عدد من قادة ميليشيات النجباء وحزب الله وأولياء الدم وغيرهم.
كما مُنحت حكومة السوداني «بطاقة حمراء» من قبل وزارة الخارجية الأمريكية، باعتبار أنها لم تستطع حماية المصالح الأمريكية أو منع الهجمات على قواتها وبعثاتها الدبلوماسية، وهو ما عُدّ فيتو غير مباشر على تجديد ولاية محمد شياع السوداني لرئاسة الوزراء، على غرار ما فعله الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سابقا حين وضع فيتو على نوري المالكي لتولي رئاسة الوزراء. كل ذلك سحب البساط من ورقة «الانتظار الاستراتيجي» او ورقة اللعب على عامل الوقت التي كان الإطار التنسيقي يحاول اللعب عليها.
اليد الأمريكية هي العليا
وجاءت مكالمة ترامب مع رئيس الوزراء الجديد علي الزيدي، لتحمل رسالة واضحة للإطار التنسيقي في العراق مفادها أن اليد الأمريكية هي العليا. وهذا ما يخشاه الاطار التنسيقي الذي عقد اجتماع فوري مع الزيدي لتقديم تقرير عن مكالمة ترامب.
وقد وجّهت هذه المكالمة ضربة للتصور الإعلامي الذي سوّقه الحرس الثوري عقب زيارة إسماعيل قاآني، قائد فيلق القدس، إلى العراق قبل أسبوعين، والذي مفاده أن إيران هي من تختار رئيس الوزراء. في حين أن الهدف الفعلي من الزيارة كان توجيه رسالة إلى الجانب الأمريكي بأن نفوذ إيران في العراق يمكن توظيفه لتحسين موقعها التفاوضي، أكثر من كونه إنهاءً للانقسام داخل الإطار التنسيقي وانعدام الأفق السياسي للخروج من المأزق الذي وضعتها الإدارة الامريكية عليه، أو حسما لاختيار رئيس الوزراء. ذلك أن الوضع السياسي والعسكري والاقتصادي لإيران لا يُحسد عليه، وهو أبعد ما يكون عن التأثير الحاسم في المعادلة السياسية في العراق.
الشروط الأمريكية على أي حكومة جديدة في العراق يجب تنفيذها، وتتمثل في عدم السماح بتهريب الأموال إلى إيران، ومكافحة غسيل الأموال، وإنهاء الميليشيات، وفك الارتباط بالنظام الإسلامي الحاكم في إيران
تسويق الانتصار قبل حسم المواجهة
وبغضّ النظر عن محاولات تسويق مفهوم «الانتصار» السياسي على الولايات المتحدة، فإنه حتى الآن لا يبدو واضحا—وفق المعايير الإيرانية أو الأمريكية—أيُّ الطرفين قد حقق انتصارا سياسيا: هل إيران، التي نجحت في الحفاظ على النظام وتجنّب إسقاطه عبر الحرب؟ أم الولايات المتحدة، التي سعت إلى فرض شروطها؟ فالصراع لم يُحسم، والحرب لم تضع أوزارها بشكلٍ نهائي بعد، كما أن التحشيدات العسكرية الأمريكية تتزايد يوما بعد يوم على مشارف ايران، ويشتدّ الحصار البحري على الموانئ الإيرانية خناقا.
المبعث على السخرية في هذا المشهد السياسي هو أن الشروط الأمريكية على أي حكومة جديدة في العراق يجب تنفيذها، وتتمثل في عدم السماح بتهريب الأموال إلى إيران، ومكافحة غسيل الأموال، وإنهاء الميليشيات، وفك الارتباط بالنظام الإسلامي الحاكم في إيران.
فمن ينظر إلى هذا المشهد السياسي، الذي هو أقرب إلى الدراما منه إلى الكوميديا، يجد أن رئيس الوزراء الجديد هو صاحب (بنك الجنوب الإسلامي)، الذي يخضع للعقوبات الأمريكية بسبب تورطه في تهريب الأموال وغسيلها إلى إيران. كما أن علي الزيدي جاء باختيار مباشر من “الإطار التنسيقي”، في حين ترحب به الإدارة الأمريكية ورئيسها دونالد ترامب.
المواقف ترسمها المصالح
غير أن ما يختبئ خلف هذا المشهد هو أن الإدارات الأمريكية (جمهورية او ديمقراطية) ليست لديها مشكلة مع أي شخص متورط بالإرهاب أو غسيل الأموال، أو حتى من لا يعمل وفق ما يسمى بالقانون الأمريكي، الخارج في كثير من الأحيان عن القوانين الدولية، والذي يمكن وصفه بقانون “الكابوي الأمريكي”.
على سبيل المثال، جرى تأهيل أبو محمد الجولاني زعيم جبهة تحرير الشام الاسلامية، الذي رُصدت مكافأة مالية قدرها عشرة ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات تؤدي إلى القبض عليه من قبل الإدارة الأمريكية، ثم جرى تغيير اسمه إلى أحمد الشرع، ونصب رئيسا على سورية، واستُقبل لاحقًا كأحد “الفاتحين” في البيت الأبيض.
كما تم العفو عن روس أولبريخت، وهو من رجالات التجارة بالمخدرات الذي باع عبر موقعه “طريق الحرير” مواد مخدرة بقيمة تُقدّر بـ200 مليون دولار.
بعبارة أخرى، لا مشكلة في الاتهامات أو الإدانات التي تُوجَّه إلى من يُصنَّفون خارجين عن القانون الأمريكي. فيمكن تناسي ذلك لاحقاً، مع امتثالهم لهذا القانون الأمريكي وتنفيذهم لشروط حماية المصالح الأمريكية.
المخاض مستمر والخطر ماثل
إن اختيار الزيدي ليس نهاية المطاف، ولا يعني انتهاء المخاض العسير لمرحلة جديدة في الوضع السياسي العراقي، بل من المرجح أن تطول هذه المرحلة. صحيح أن هذا الاختيار منح “الإطار التنسيقي” مساحة لالتقاط أنفاسه، لكنه لا يعني انتهاء أزمته، خصوصا في ظل الوضع الاقتصادي المتدهور في العراق، سواء نتيجة انخفاض أسعار النفط قبل الحرب، أو بسبب تداعيات الحرب وإغلاق مضيق هرمز، الذي أدى إلى انخفاض صادرات العراق النفطية (مصدر الواردات الوحيد تقريبا) بنسبة تصل إلى 90%.
كما أن فترة الحرب منحت “الإطار التنسيقي” وسلطته السياسية الفاسدة فرصة للإفلات مؤقتا من ضغط الاحتجاجات الجماهيرية المطالِبة بفرص العمل، والمعترِضة على سياسات التقشف التي تطال الشرائح المتوسطة والفقيرة، وتقليص مخصصات العاملين في مختلف القطاعات، وفرض ضرائب إضافية على الاتصالات والطاقة، فضلا عن مساع الاستقطاع من الرواتب.
بالنتيجة فان المعطيات تقول ان الحكومة التي سيشكلها الزيدي لن تكون إلا نسخة مماثلة لحكومة السوداني، وربما أكثر قسوة تجاه المواطنين الذين يتحملون ما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية من تردي في البلاد، في ظل محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه من دعائم النفوذ المرتبطة بإيران، والتي مدت طوال سنوات نفوذها السياسي وعززت امتيازاتها المالية، في ساحة صراع تتأرجح بين المد الأمريكي والجزر الإيراني.