تحليل: تكليف علي الزيدي.. بين سلطة الدولة وهيمنة الشبكات

تكليف علي الزيدي.. بين سلطة الدولة وهيمنة الشبكات

 لم يكن صعود المكلّف علي الزيدي حدثاً عادياً في المشهد العراقي، لا بسبب شخصه فقط، بل بسبب الطريقة التي ظهر بها فجأة في قلب التداول السياسي، كأنه خرج من منطقة رمادية لا يعرف أحد على وجه الدقة إلى أي معسكر ينتمي بالفعل، ليست للرجل صورة السياسي العقائدي الصلب، ولا يبدو امتداداً واضحاً لزعيم شيعي تقليدي، ولا يمتلك تاريخاً من الاشتباكات الإعلامية والسياسية يعرّف الناس به مسبقاً، ولهذا بدا للكثيرين كأنه محسوب على الجميع، أو ربما مقبول من الجميع بالحد الأدنى.

بهذه الكيفية، فإن تكليف الزيدي يطرح أسئلة تتجاوز شخصه إلى طبيعة النظام السياسي العراقي نفسه، وطبيعة التوازنات التي تحكم القوى الشيعية، وحدود قدرتها على الحركة داخل دولة لم يكتمل بناؤها أصلاً، ولا تزال السلطة فيها موزّعةً بين الدولة الرسمية، والقوى الاجتماعية، والشبكات الحزبية، والفصائل المسلحة، والتأثيرات الخارجية المتصارعة.

لكن السؤال الكبير الذي انفجر فور تكليفه: هل يعني هذا أن الإطار التنسيقي بدأ يبتعد عن إيران؟ وهل نحن أمام محاولة لإرضاء الولايات المتحدة؟

الإجابات الصعبة

هذا السؤال نفسه يكشف الطريقة السطحية التي لا يزال يُفهم بها النظام السياسي العراقي، وكأن القوى السياسية العراقية تمتلك حرية الاصطفاف الكامل مع محور ضد آخر، أو كأن العراق دولة مستقرة ومتجانسة تستطيع أن تتخذ قراراً استراتيجيا حاسما بهذا الاتجاه دون أن تهتز بنيتها الداخلية.

في الواقع يمكن القول إن المقاربة التقليدية التي تحاول فهم الدولة العراقية عبر مفهوم الدولة التي تحتكر القوة أو الإكراه الشرعي، سوف تقودنا إلى فهم خاطئ تماما، وتنتج أسئلة على غرار هذا السؤال ذي الإجابة غير الناضجة: نعم أم لا، الواقع أنه لا يمكن فهم الدولة بوصفها كياناً متماسكاً يحتكرُ القوة والقرار بشكل كامل، بل بوصفها ساحة تنازع مستمر بين مؤسسات الدولة الرسمية وبين قوى اجتماعية وتنظيمات وشبكات تمتلك بدورها قدرة على فرض القواعد والمعايير وتوجيه السلوك الاجتماعي والسياسي.

التعقيد الطبيعي

وفي العراق تبدو هذه الفكرة أكثر وضوحاً من كثير من الدول الأخرى، فالدولة العراقية بعد الاحتلال الأميركي عام 2003 لم تستطع إنتاج مركز صلب يحتكر السلطة بصورة كاملة، بل على العكس تماماً؛ تشكّلت داخلها مراكز قوى متعددة: أحزاب، فصائل، مرجعيات دينية، شبكات اقتصادية، زعامات محلية، وعلاقات إقليمية ودولية متداخلة ومتناقضة، ولهذا فإن القرار السياسي العراقي لا ينتج من إرادة طرف واحد، بل من تسويات مستمرة بين هذه القوى المتشابكة.

من هنا يصبح حديث الابتعاد عن إيران أو الذهاب نحو الولايات المتحدة تبسيطا ساذجا لمعضلة أكثر تعقيدا، فالإطار التنسيقي الشيعي نفسه، ليس كتلةً صلبة متجانسة، بل هو تجمُّع لقوى مختلفة، لكل منها حساباتها وعلاقاتها ومخاوفها، وهي مضطرة دائما إلى إنتاج تسويات داخلية تمنع انفجار التناقضات بينها.

كما أن العراق نفسه لا يملك القدرة على الاصطفاف الكامل مع أيّ طرف ضد الآخر. هذه ليست مسألة رغبة أخلاقية أو بطولة سياسية، بل نتيجة مباشرة لبنية الدولة والمجتمع والموقع الجيوسياسي.

اقتصادياً، يرتبط العراق بالنظام المالي العالمي الذي تتحكم به الولايات المتحدة، ما يعني أن أيَّ صِدامٍ مفتوح مع واشنطن قد يدفعه إلى اختناق اقتصادي خطير، وفي الوقت نفسه، فإن إيران ليست مجرّد دولة جارة بالنسبة للقوى الشيعية العراقية، بل هي متداخلة مع البيئة الاجتماعية والدينية والسياسية لهذه القوى، وتمتلك حضوراً عميقاً داخل المجال الشيعي العراقي.

لهذا فإن الوقوف في المنتصف ليس خياراً رومانسياً، بل ضرورة تفرضها طبيعة الدولة العراقية نفسها، وأغلب الظن، جاء اختيار علي الزيدي ضمن هذا السياق: شخصية تسوية قادرة على تخفيف التوتر مع الأميركيين، أو على الأقل عدم استفزازهم، دون أن تتحول في الوقت نفسه إلى شخصية معادية لإيران أو مقاطعة لها، خصوصاً وأنه يمتلك علاقات مالية معقّدة مع شخصيات مصرفية أمريكية كبيرة.

المنطق المغيّب

بالنسبة لإيران، لا يختلف الأمر كثيرا، والحديث عن قدرة إيران على فرض مرشح معين دون آخر لا تبدو فكرة منطقية أبداً، وحتى الحديث المتكرر عن مباركة المرشد الإيراني لبعض الشخصيات العراقية جرى فهمه داخل العراق بطريقة أقرب إلى الخيال السياسي الشعبي منه إلى فهم آليات السلطة الفعلية، فمباركة المرشد لا تعني بالضرورة أن طهران فرضت هذا الشخص أو ذاك بالقوة، بل كثيراً ما تكون دعما لتسوية جرى التوصل إليها داخل البيت الشيعي نفسه، بشق الأنفس.

في حالة المالكي مثلاً، جرى تصوير الأمر وكأن إيران عينته مباشرة، بينما الواقع كان أكثر تعقيدا، وكانت هناك تفاهمات وصراعات وتسويات داخلية عراقية، ثم جاءت المباركة الإيرانية باعتبارها دعماً لخيار استقرّ عليه جزء كبير من القوى الشيعية، خيار يضمن الحدّ الأدنى من الاتفاق الشيعي، ويمنع النظام من الانزلاق من بين يدي ما صار يُصطلَحُ عليه إعلامياً باسم (الحاكمية الشيعية) على الرغم من إخلال هذا المصطلح.

إيران نفسها تدرك أن الحفاظ على الحدّ الأدنى من وحدة القوى الشيعية أهم من فرض اسم محدد، لأن انهيار هذا التوافق قد يؤدي إلى تفكّك البنية السياسية الشيعية نفسها، ويفتح الباب أمام صراعات داخلية خطيرة، لهذا فمن الطبيعي ألّا يكون الجميع راضياً عن اختيار الزيدي. الأنظمة التوافقية الهشّة لا تنتج قرارات ترضي الجميع، بل تنتج تسويات مؤقتة تمنع الانفجار الكبير. كل طرف يخرج منها وهو يشعر أنه خسر شيئا وربح شيئا آخر.

في النهاية، ما يجري ليس تحولاً جذرياً بقدر ما هو محاولة جديدة لإدارة التوازن العراقي المستحيل: كيف تبقي العلاقة مع إيران دون أن تدخل في مواجهة مع الولايات المتحدة، وكيف تمنع الانقسام داخل البيت الشيعي، وكيف تحافظ على نظام سياسي قائم أصلا على شبكة معقدة من التوازنات والتسويات المتحركة.

هذه هي طبيعة السلطة في العراق، إنها ليست سلطة دولة مكتملة، بل سلطة تفاوض دائم بين الدولة والمجتمع والقوى العابرة لهما، ولن تحظى يوماً برضا الجميع، كما هو الحال في كل أنظمة العالم.

المزيد عن تحليل

تحليل","field":"name"}],"number":1,"meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":34064}" data-page="1" data-max-pages="1" data-start="1" data-end="1">