جيل “غرفة الانتظار”.. كيف تبتلع الاستقطابات الإقليمية أحلام شباب الألفية في العراق؟
يصف المقال جيل الألفية في العراق كجيلٍ مؤجَّل، تعلّقت حياته بالحروب، فصار القلق من المستقبل شعوراً دائماً، يتحوّل مع المقارنة بالآخرين إلى إحباط شخصي..
يصف المقال جيل الألفية في العراق كجيلٍ مؤجَّل، تعلّقت حياته بالحروب، فصار القلق من المستقبل شعوراً دائماً، يتحوّل مع المقارنة بالآخرين إلى إحباط شخصي..

محمد حسين
في عام 2013، نشرت مجلة “تايم” مقالاً صحفياً أثار جدلاً واسعاً في حينه، إذ وُصف فيه جيل الألفية بـ”جيل الأنا”، الجيل المدلّل، النرجسي، الذي يطمح إلى ترقية وظيفية كل سنتين، ولم يتوقف عند ذلك، بل وصفه بالجيل الذي يعاني من أوهام نفسية فجّة، كوهم الاستحقاق العالي والهوس بالشهرة.
استقطب المقال موجة من الانتقادات، لكنْ، ودفاعاً عن جيل الألفية، لم يكن المقال سوى تعميم مبالغ فيه وتسطيح متعمّد لجيل واسع وفئة ليست بالقليلة، إذ يُشبه في جوهره ذلك النمط الدوري المتكرر حين ينتقد الأكبر سناً مَن هم أصغر منه.
كشف مقال الـ”تايم” عن شيء من التحيّز في طريقة نظرة الغرب إلى هذا الجيل؛ ضِيْق في الرؤية يتجاهل أن جيل الألفية ليس جيلاً واحداً متجانساً في الأصل، بل أجيال متعددة تعيش تجارب متباينة جذرياً بحسب الجغرافيا والسياق.
في المشرق، وتحديداً في العراق، لا يُعرَّف جيل الألفية بالنرجسية ولا بوَهم الاستحقاق، بل يُعرَّف بما هو أكثر قسوة وإيلاماً: إنه جيل غرفة الانتظار.
يشير علماء الاجتماع إلى أن جيل الألفية ليس مجرد مستقبِل سلبي للأحداث، بل هو جيل حاول إعادة تشكيل معنى العمل والسياسة والحياة اليومية، معتمداً على ذاته ومجدِّداً لما حوله، رغم أنه أحياناً يكون مكبَّلاً بالبيروقراطية وعدم وصوله إلى سُلم القرار الأول في مواضع شتى. كل هذا حجَّم من فاعلية هذا الجيل، ولكن علماء الاجتماع أنفسهم يرون أن هذا الجيل، على اختلاف جغرافياته، قد نشأ مع الإنترنت، وهو الأكثر تعلماً في تاريخ البشرية، والأشد وعياً بقضايا الهوية والعدالة الاجتماعية. هذه السمات صحيحة إلى حد بعيد، لكنها تصف الجيل من نافذة المجتمعات المستقرة.
في المقابل، هناك نصفٌ غائب ينتظر من يمثّل صوته ويطرح أسئلته المهمة: كيف نعيش أنا وأبناء جيلي في مناطق النزاع؟ كيف تتشكّل طموحات الفرد منا أو الجماعة حين تكون الدولة هشّة؟ كيف تتشكّل أحلامنا في العمل في القطاع الحكومي حين يكون الاقتصاد ريعياً؟ أو كيف ننظر إلى الأمن في مناطقنا حين يكون مرهوناً بتوازنات إقليمية خارجة عن سيطرة أي فرد منّا؟
في الحالة العراقية، يتمحور الجواب حول مفهوم واحد: التعليق/التأجيل.

عند قراءة النزاعات اقتصادياً وتداعيات تكاليفها ونفقاتها على المجتمع، يميل الاقتصاديون إلى دراسة مدى تأثير النزاع بالاستناد إلى عوامل مثل: الناتج المحلي المفقود، والبنى التحتية المدمرة، والتضخم وانهيار العملة، والنفقات العسكرية والخسائر البشرية، وهروب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية من البلاد بسبب عدم الاستقرار، إذ إن المستثمرين لا يجازفون في بيئة صراع.
لكن ثمة تكلفة غير ملموسة لا تظهر في كل أدوات القياس التي يُعرِّج عليها الاقتصاديون، وهي التكلفة الزمنية؛ فتكلفة الزمن لا يمكن قياسها ولا يمكن تعويضها بأي شكل من الأشكال، إذ إنها ليست بناءً مدمراً يعاد بناؤه، أو اقتصاداً يتعافى بعد سلسلة من الإجراءات. باختصار، التكلفة الزمنية هي الأعوام التي يضطر فيها الأفراد إلى تعليق قراراتهم الكبرى في الحياة بانتظار الاستقرار المنشود، الذي يبتعد شيئاً فشيئاً في بلد مثل العراق.
في علم النفس الاجتماعي، يشير العلماء إلى ما يسمى “الاضطراب البيوغرافي” أو “التأجيل البيوغرافي”. هذا المفهوم يفسّر كيف يمكن للأحداث الصادمة -كالحروب والأمراض المزمنة والفقر والحرمان- أن تقتلع حياة الفرد من مسارها الطبيعي، وتهشّم هويته، وتعيد تشكيل مستقبله رغماً عنه.
هذا المصطلح يمكن إسقاطه بكل سهولة على الحالة العراقية لجيل الألفية، بسبب الكمّ الهائل من الصدمات التي تعرّض لها دون غيره من الأجيال في البلدان الأخرى، إذ نشأ في ظل ثلاث أزمات كبرى (الحصار 1990، وحرب الخليج 1991، والغزو 2003)، وعاصر عقداً من الاحتقان والتوتر الطائفي، ثم موجة داعش، واحتجاجات تشرين 2019 قبل الانهيار الاقتصادي عام 2020، ثم تصاعد التوترات الإقليمية التي كان للعراق نصيب من ضررها، إذ إنه البلد الوحيد الذي قصفه طرفا الصراع الأخير. كل موجة من هذه النزاعات تعيد ضبط ساعة الانتظار لدى الفرد من هذا الجيل، إذ تُبنى الآمال على الاستقرار الاقتصادي المرهون بتوقف الحرب.
النتيجة أعمق من أن تكون إحباطاً عابراً، بل هي ما يسمى في علم النفس “قلق المستقبل المزمن”. إنها حالة من الانتظار السلبي الثابت، تتحوّل تدريجياً من ردة فعل عقلانية منطقية على ظروف صعبة إلى قالب نفسي راسخ، يُعيد تشكيل علاقة الفرد بالزمن، ويُجمّد طموحاته، ويُفقده الثقة في جدوى التخطيط أصلاً.

يتضاعف علينا التأثير حين ندرك -أنا وأبناء جيلي- أننا نمتلك أدوات رقمية وولوجاً واسعاً لرؤية ما يفوتنا بدقة. الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي لا توفر فقط اتصالاً مباشراً وسهلاً مع العالم، إنها بكل بساطة تفتح مجالاً واسعاً للمقارنة الدورية واللحظية مع أقراننا من هذا الجيل، حيث يؤسّس شباب شركاتهم الخاصة، يسافرون ويتخذون قراراتهم الحياتية بحرية نسبية، بينما تتوقّف حياتنا.
هذه المقارنة ليست ترفاً نفسياً أو مبالغة فكرية، إذ إن الشعور بالغُبن والتهميش لا يتولّد نتيجة الشعور المطلق بالاحتياج فقط، إنما من خلال المقارنة مع من يُفترض أنهم من الجيل نفسه. وفي حين يعيش أبناء جيلنا في البلدان الأخرى حياة طبيعية، فإن طموحاتنا هي أن ينجو بلدنا من أتون حرب، ومن ثَمَّ الاستعداد لتشكيل حكومة نُمنّي أنفسنا بأن تستطيع توفير نوع من الاستقرار الاقتصادي الذي يمكن أن نتكئ عليه. إنها حلقة لا مخرج منها في الوقت الحالي.
ثمة شيء يصعب قياسه في هذه المعادلة، إنه تأثير الانتظار طويل الأمد على هوية الإنسان وشعوره بقيمته. حين يقف أحد أبناء جيل الألفية في منتصف عقده الثالث ويجد أن لا شيء تشكّل في حياته بعد، فإن هذه الوقفة بدورها تستدعي منه أن يطرح أسئلة مهمة، ويتحوّل السؤال من “متى تتحسن الظروف؟” إلى “هل المشكلة فيّ؟” هذا التحول خطير لأنه يحوّل الفشل الهيكلي لدولةٍ أو مجتمعٍ لم يُمنح فرصة التحصّن من الصراعات، ويحمّل الفرد وزر ما صنعته الجغرافيا والسياسة والتاريخ.
مقال مجلة “تايم” وصف جيل الألفية بـ”جيل الأنا”، لكن كاتبه لم يزر غرفة الانتظار في العراق. ربما لو زارها لكتب شيئاً آخر، أن هنالك جيلاً لا يطلب الكثير، إنه يطلب فقط أن يتوقف الزمن عن كونه سلاحاً يُشهَر ضده في كل مرة.


