تراجع خطير في حرية الصحافة بنسخة 2026 من التصنيف العالمي
لم يسبق أن هبط متوسط سجل البلدان بحرية الصحافة، هذا الحد من التدني على مدى السنوات الخمس والعشرين الماضية؛ فللمرة الأولى في تاريخ التصنيف، بات أكثر من نصف بلدان العالم يندرج ضمن المنطقة التي يُوصف فيها الوضع بأنه "صعب" أو "خطير".
شهدت المؤشرات الخمسة التي تقيس حالة حرية الصحافة في العالم وهي (الاقتصادية والقانونية والأمنية والسياسية والاجتماعية) تراجعاً في العام 2025، وكان الإطار القانوني هو الأكثر انخفاضا مقارنة ببقية المؤشرات، بالنتيجة سجل أكبر تدني لواقع حرية الصحافة منذ 25 عاماً.
احتلت النرويج للسنة العاشرة على التوالي، صدارة التصنيف العالمي الذي يضم 180 دولة، بينما تُراوح إريتريا مكانها في قاع الترتيب منذ ثلاث سنوات، وتذيلت العديد من دول الشرق الأوسط الترتيب العالم، بينما تراجعت الولايات المتحدة سبعة مراكز مسجلة المرتبة 64، في حين تقهقرت بلدان أميركية أخرى، مثل الإكوادور وفنزويلا، إلى مستويات متدنية.
وتراجعت ألمانيا ثلاثة مراكز خلال سنة 2025، لتحتل الآن المركز الرابع عشر، بسبب تزايد التهديدات التي يواجهها الصحفيون على الإنترنت وفي الميدان، الى جانب صعوبة ظروف العمل بسبب القضايا المثيرة للجدل، مثل تغطية الحروب في الشرق الأوسط.
واحتل العراق المرتبة 162 متراجعة سبعة مراكز عن الترتيب السابق الذي كان 155 العام الماضي، والى جانبها جاء السودان في المركز 161، واليمن في المرتبة 164، وذلك “بسبب اندلاع النزاعات المسلحة بوتيرة متكررة”. بينما شهدت سوريا تقدما جيدا بـ36 درجة، حيث صعدت من المرتبة 177 إلى المرتبة 141 بعد سقوط نظام الأسد، بعد سنوات قضتها ضمن قائمة أسوأ عشرة بلدان في العالم على صعيد حرية الصحافة.
موريتانيا الأفضل والسعودية وايران الأسوأ
وجاء لبنان في المرتبة 115، في حين تراجعت إسرائيل أربعة مراكز، ويعود ذلك أساساً إلى الحرب المستمرة في غزة، لتصبح في المرتبة 116. وشهدت الأراضي الفلسطينية تحسناً طفيفاً، حيث احتلت المرتبة 156 من بين 180 دولة.
وعلى صعيد البلدان الثلاثة الأولى في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تصدرت موريتانيا الترتيب بحلولها في المرتبة 61، تلتها قطر في المرتبة 75، ثم المغرب في المرتبة 105.
وفي مراتب لاحقة، حل جنوب السودان في المرتبة 118، وسلطنة عمان في المرتبة 127، تلتها الكويت في المرتبة 136، وتونس في المرتبة 137، ثم ليبيا في المرتبة 138.
وجاء الأردن في المرتبة 142، والجزائر في المرتبة 145، والإمارات العربية المتحدة في المرتبة 158. وجاءت مصر في المرتبة بـ 169، والبحرين في المرتبة 170.
وقد دخلت السعودية قائمة الدول العشر الأخيرة حديثاً، ويعود ذلك أساساً إلى إعدام الصحفي تركي الجاسر حسب مجلة دير شبيغل الألمانية، لتحتل المرتبة 176، وتلتها إيران في المرتبة 177.
متوسط السجل في أدنى مستوياته منذ ربع قرن
منذ أن شرعت مراسلون بلا حدود في نشر التصنيف العالمي لحرية الصحافة قبل 25 عاماً، ما فتئت حرية الصحافة تتراجع وخريطة التصنيف تزداد قتامة مع توالي السنين، إذ لا يزال الصحفيون يدفعون حياتهم أو حريتهم ثمناً لعملهم، بينما لا تكف الوحوش السالبة لحرية الصحافة عن تبديل أساليبها القمعية وتكييفها باستمرار، فتكاد الصحافة تلفظ أنفاسها، بعدما خنقها خطاب سياسي معادٍ للصحفيين، وأوهنها اقتصاد إعلامي مأزوم، وأثقل كاهلها توظيف القوانين كسلاح لمحاصرة العمل الصحفي والتضييق عليه.
ولم يسبق أن هبط متوسط السجل الإجمالي للبلدان التي شملها التقييم إلى هذا الحد من التدني منذ 25 عاما. وبات أكثر من نصف بلدان العالم (52.2%) يندرج ضمن المنطقة التي يُوصف فيها الوضع بأنه “صعب” أو “خطير للغاية”، بينما كانت هذه المنطقة تقتصر على أقلية ضئيلة (13.7 %) في عام 2002.
في عام 2002، كان 20% من سكان العالم يعيشون في بلدان حيث كان يُعتبر وضع الصحافة “جيداً”. وبعد خمسة وعشرين عاماً، لم يعد يتمتع بهذا الوضع الجيد سوى أقل من 1% من سكان العالم.
مطرقة الحروب وسندان تقييد الوصول إلى المعلومات
في بعض البلدان، يُعزى هذا التراجع إلى اندلاع النزاعات المسلحة بوتيرة متكررة، كما هو الحال في العراق (162) والسودان (161)، واليمن (164)، إذ من الطبيعي أن تكون الحروب الدائرة قد تركت بصمتها الواضحة هذا العام، ولا سيما في فلسطين (156)، على إثر الحرب التي تشنها حكومة بنيامين نتنياهو (- 4 في سجل إسرائيل)، التي قَتَلت في غزة أكثر من 220 صحفياً منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، من بينهم 70 على الأقل في سياق عملهم؛ كما ينطبق ذلك أيضاً على السودان (- 5) وجنوب السودان (118؛ – 9).
وفي بلدان أخرى، تظل الأوضاع على حالها تحت وطأة الأنظمة الدكتاتورية، كما هو الحال في كل من الصين (178) وكوريا الشمالية (179) وإريتريا (180)، حيث يمضي الصحفي داويت إسحاق عامه الخامس والعشرين رهن الاحتجاز من دون محاكمة. هذا وتظل أوروبا الشرقية والشرق الأوسط المنطقتين الأكثر خطورة على سلامة الصحفيين، على غرار الوضع القائم منذ ربع قرن، إذ يتجلى ذلك من خلال ترتيب روسيا، التي تواصل حربها العدوانية على أوكرانيا وتراوح مكانها بين الدول الأكثر قمعاً لحرية الصحافة (المرتبة 172 من أصل 180 بلداً)، بينما لا تزال إيران (177؛ – 1) قابعة في كوكبة المؤخرة، وهي التي ترزح بين مطرقة القمع الذي يمارسه النظام على شعبه والحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على أراضيها.
هذا وقد شهدت دول عدة انكماشاً في فضائها المعلوماتي على مدى هذه السنوات الخمس والعشرين، بفعل تغير الأنظمة السياسية أو تشدُّدها، كما حدث في هونغ كونغ (140)، التي فقدت 122 مرتبة منذ أن أصبحت تابعة للسلطة المركزية الصينية، وكما هو الحال في السلفادور (143؛ – 105 مرتبة منذ عام 2014 وبداية الحرب ضد العصابات)، وكذلك جورجيا (135)، التي تعيش على وقع تسارع وتيرة القمع في السنوات الأخيرة (ما أفقدها 75 مرتبة منذ عام 2020).
أما أكبر تراجع على مستوى تصنيف عام 2026 (- 37)، فقد سُجل في النيجر (120)، التي تُجسد تدهور حرية الصحافة في منطقة الساحل منذ سنوات عدة، علماً أن هذا البلد يئن تحت وطأة الهجمات التي تشنها الجماعات المسلحة من جهة والقمع الذي تفرضه مختلف المجالس العسكرية المتعاقبة على سدة الحُكم، والتي لا تتوانى عن انتهاك الحق في الوصول إلى معلومات تعددية.
وفي الشرق الأوسط، تدفع المملكة العربية السعودية (- 14 مرتبة) ثمن العنف الذي مارسته السلطة مراراً وتكراراً ضد الصحفيين خلال عام 2025، الذي شهد إعدام تركي الجاسر في واقعة فريدة من نوعها على مستوى العالم.
نزعة تجريم العمل الصحفي تبلغ أعلى مستوياتها
تراجَع المؤشر القانوني أكثر من أي مؤشر آخر هذا العام، حيث سُجل هذا الانخفاض في أكثر من 60 % من البلدان، أي في 110 من أصل 180 بلداً بين عامي 2025 و2026، وشمل ذلك كلاً من الهند (157) ومصر (169) وإسرائيل (116) وجورجيا (135)، على سبيل المثال لا الحصر. ذلك أن النزعة إلى تجريم العمل الصحفي أصبحت ظاهرة عالمية، عبر الالتفاف على قانون الصحافة وتوظيف القوانين الاستثنائية أو العامة على نحو تعسفي.
القارة الأميركية ترزح تحت وطأة العنف السياسي والأمني
في عهد “ترامب” أمريكا تفقد البوصلة
منذ عام 2022، كان تراجع 28 دولة أميركية (- 14 نقطة) في تصنيف حرية الصحافة مماثلاً لذاك المسجَّل في المنطقتين الأكثر خطورة على الصحفيين في العالم: أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى من جهة، والشرق الأوسط وشمال أفريقيا، من جهة أخرى.
وعلى الرغم من تسجيل مؤشرات إيجابية خلال السنوات الأخيرة في بعض البلدان، مثل البرازيل (52)، فإن التاريخ المعاصر لحرية التعبير في القارة يتسم بمنحيين رئيسيين يتمثلان في تنامي العنف المرتبط بالجريمة المنظمة من جهة، وذلك الذي تمارسه قوى سياسية من جهة ثانية.
ففي الولايات المتحدة (64)، جعل دونالد ترامب من استهداف الصحافة ومهاجمة الصحفيين ممارسة ممنهجة، ما أفقد بلاده سبعة مراكز لتتراجع إلى المرتبة 64 في تصنيف هذا العام. كما أن احتجاز الصحفي السلفادوري ماريو غيفارا، ومن ثم ترحيله، ليس مجرد حادث عابر؛ بل إنه زيتٌ يُصبُّ على نيران الوضع الأمني المتأجج أصلاً بفعل القمع العنيف الذي ترتكبه قوات الشرطة بحق الفاعلين الإعلاميين في شتى أرجاء البلاد. ناهيك عن التخفيض الجذري في عدد موظفي الوكالة الأميركية للإعلام العالمي (USAGM)، وما ترتب عن ذلك من انعكاسات سلبية على المستوى الدولي، من خلال إغلاق مؤسسات إعلامية أو تعليق نشاطها أو تسريح موظفيها، وهي التدابير التي طالت كلاً من صوت أميركا (VOA) وراديو أوروبا الحرة/راديو ليبرتي (RFE/RL) وإذاعة آسيا الحرة (RFA)، مما أدى إلى خلق فراغ معلوماتي مقلق في بعض الدول، حيث كانت هذه المنابر تمثل المصدر الوحيد للمعلومات الموثوقة.
والحال أن أشد أنصار ترامب حماسة وأكثرهم اقتداءً به في أمريكا اللاتينية، ولا سيما خافيير ميليي ونايب بوكيلي، يسيرون على نهج ساكن البيت الأبيض في عدائه لوسائل الإعلام، علماً أن بلدانهم هي الأخرى تحذو حذو الولايات المتحدة في التقهقر على جدول التصنيف العالمي لحرية الصحافة، حيث سجلت الأرجنتين (98؛ ـ 11) والسلفادور (143؛ ـ 8) سقوطاً لافتاً على خلفية تراجع عدة مؤشرات، من بينها المؤشران السياسي والاجتماعي، في ظل تنامي العداء والضغوط من قبل الدوائر الحكومية تجاه وسائل الإعلام والصحفيين.
أميركا اللاتينية في سقوط حر
31 مركزاً في أعقاب اغتيال داروين باكي وباتريسيو أغيلار، والبيرو (144؛ – 14)، التي شهدت مقتل أربعة صحفيين خلال عام 2025. كما لا يزال غموض شديد يلفّ آفاق حرية الصحافة في فنزويلا (159)، رغم الإفراج عن صحفيين محتجزين مطلع العام؛ وبينما تظل كوبا (160) غارقة في أزمة عميقة تدفع الصحفيين المستقلين القلائل إلى العمل في الخفاء أكثر فأكثر، فإن المشهد الإعلامي في نيكاراغوا (168) تحول إلى ما يشبه الأنقاض، في ظل القمع الممنهج والتدهور المستمر لظروف ممارسة المهنة.
https://rsf.org/ar/%D8%AA%D8%B5%D9%86%D9%8A%D9%81
التصنيف العالمي لحرية الصحافة 2026.. مراسلون بلا حدود