

في كل دورة انتخابية منذ العام 2016 تطرح قوى سياسية مشروع قانون التجنيد الإلزامي في العراق بوصفه مشروعاً لتقوية الجيش وترسيخ الهوية الوطنية وتحقيق التوازن الأمني في الدولة، لكنه يظل عالقاً دون اقرار في ظل استخدامه كورقة سياسية أكثر من اعتماده كمشروع استراتيجي متكامل.
مثّل قانون التجنيد الإلزامي عند إقراره أول مرة عام 1935، أداةً مركزية في ترسيخ هوية الدولة العراقية الفتية وبناء مؤسساتها. واستمر هذا النظام حتى عام 2003، حين أصدر الحاكم المدني بول بريمر قراره بحل المؤسسة العسكرية، وهو قرار فكّك جيشاً بأكمله وأدى إلى تسريح مئات الآلاف من أفراده في ظل فراغ أمني تام.
واليوم في 2026، ومع إعادة رئيس البرلمان هيبت الحلبوسي طرح الملف في البرلمان، تتجدّد التساؤلات المنهجية حول المبرّرات الفعلية وراء هذه الخطوة؛ خصوصاً مع فشل المساعي البرلمانية السابقة لإقرار القانون في أعوام 2016، و2021، و2022.
90 عاماً تفصل بين التشريع الأول والمسودة الحالية؛ فترةٌ تغيّرت فيها البنية الهيكلية للدولة، ليبقى القانون محتفظاً باسمه، بينما تفرز قراءته السياسية والاقتصادية اليوم تعقيدات تتجاوز، بكثير، ما يعلنه الخطاب الرسمي.
السياق التاريخي ونمط التكرار
تاريخياً، ارتبط التجنيد الإلزامي في العراق بتأسيس الدولة، وظل سارياً حتى قرار بريمر بحل المؤسسة العسكرية؛ ومنذ ذلك الحين، تحول القانون إلى ملف سياسي يخضع لإيقاع الأزمات المتكررة. فقد طُرح للمرة الأولى في خضم الحرب ضد تنظيم “داعش” عام 2016، ثم عاد في مسودة حكومية أقرها مجلس الوزراء في عهد مصطفى الكاظمي عام 2021. وفي عام 2022، وصل إلى قراءته البرلمانية الأولى قبل أن يُسحب بضغط من “الإطار التنسيقي” مبرراً ذلك بالأعباء المالية.

واليوم، يتكرر المسار ذاته في نيسان 2026؛ فعلى الرغم من طرحه للقراءة الأولى، واجه القانون اعتراضاً نيابياً واسعاً تمثل في توقيع عشرات النواب على عريضة لسحبه، مما يعكس استمرار استخدامه كورقة للمناورة السياسية بين الكتل بدلاً من كونه مشروعاً استراتيجياً متكاملاً.
ماذا يقول القانون عن نفسه؟
تستند القراءات المتداولة للقانون إلى مسودة عام 2021، التي تُلزم المواطنين بالخدمة من سن 19 حتى 45، وتمنح مجلس الوزراء صلاحيات استثنائية مفتوحة لاستدعاء الاحتياط حتى سن 50 في الظروف الاستثنائية، بقرار من مجلس الوزراء وحده دون رقابة مستقلة أو اشتراطات تشريعية واضحة لتعريف تلك “الظروف”.
أما مدة الخدمة فتتفاوت بشكل لافت حسب التحصيل الدراسي، حيث يخدم حامل شهادة المتوسطة فما دون 18 شهراً، ويخدم خريج الإعدادية 12 شهراً، ويخدم حامل البكالوريوس تسعة أشهر، ويخدم حامل الماجستير ستة أشهر، فيما يخدم حامل الدكتوراه ثلاثة أشهر.
وتبرز في مقترح القانون محددات تفرغه من غاياته المعلنة مثل “المساواة الوطنية”؛ أولها التفاوت الحاد في مدد الخدمة بناءً على التحصيل الدراسي، وثانيها إقرار مبدأ “البدل النقدي” الذي يُترك تحديد قيمته لمجلس الوزراء. هذه البنود تحوّل القانون عملياً إلى تشريع يُلزم الفئات الأقل دخلاً وتعليماً بالخدمة الميدانية، بينما يوفر مخرجاً مالياً وقانونياً للفئات المقتدرة.
وعلى الصعيد السياسي، تعكس النقاشات البرلمانية تخبطاً واضحاً في تبنّي التشريع؛ إذ صرّح رئيس مجلس النواب، الذي تبنّى طرح القانون، برغبته في جعله “خيارياً لا إجبارياً” لتجنب “عسكرة المجتمع”. وهو تصريح يتناقض جذرياً مع جوهر المسودة التي تنص صراحة على عقوبات سالبة للحرية في حق المتخلفين عن الخدمة، مما يؤكد غياب الرؤية الواضحة والموحّدة حتى عند متبنّي المشروع.
الوهم الأمني
على الصعيد الأمني، يُطرح التجنيد كضرورة استراتيجية لتعزيز قوة الجيش؛ وهو طرح يتجاوز الدروس المستفادة من الانهيار الأمني عام 2014، الذي أثبت أن الأزمة لم تكن في النقص العددي، بل في الخلل الهيكلي والفساد الإداري الذي أوجزته التحقيقات التي أُجريت في أعقاب سقوط الموصل، وكشفت عن وجود ما يزيد على 50 ألف جندي فضائي (أشخاص يتقاضون رواتب شهرية من خزينة الدولة دون أن يكونوا موجودين فعلياً في أي ثكنة أو موقع، عبر شبكات ضباط فاسدين نسجوا مصالحهم داخل المؤسسة على مدار سنوات).
والأرقام الراهنة تُثبت أن مشكلة العدد ليست موجودة. إذ يبلغ تعداد الجيش العراقي النشط اليوم نحو 193 ألف فرد موزعين على 14 فرقة عسكرية، يُضاف إليهم 180 ألف فرد نشط في قوات الحشد الشعبي ضمن 50 فصيلاً، فضلاً عن قوات البيشمركة في إقليم كردستان. أي إن المنظومة الأمنية العراقية تضم ما يتجاوز 370 ألف مقاتل، وهو رقم يفوق أعداد كثير من جيوش المنطقة. ومع ذلك تبقى القوة النوعية الحقيقية محدودة، إذ لا يتجاوز عديد جهاز مكافحة الإرهاب (وهو النخبة الفعلية للقوات المسلحة) 18 ألف مقاتل، موزعين على ثلاث قيادات عمليات خاصة في بغداد والشمال والجنوب.

تُظهر المؤشرات الرقمية الحالية أن المنظومة الأمنية العراقية لا تعاني من شُحّ في الموارد البشرية، بل تتركز أزمتها الفعلية في غياب التحديث التكتيكي، وضعف التسليح النوعي، وافتقارها إلى عقيدة دفاعية استراتيجية. وعليه، فإن ضخ مئات الآلاف من المجندين الجدد في مؤسسة لم تستكمل إصلاحها الهيكلي لن يُنتج كفاءة قتالية أعلى، بل قد يُحدث تضخماً إدارياً يوسّع من دوائر الهدر المالي.
يضاف إلى ذلك تحديات بالغة التعقيد تتعلق بآليات الإدارة والسيطرة؛ ففي بيئة أمنية تضم قوات نظامية ذات صلاحيات، وفيها فصائل وتشكيلات مسلحة تمتلك نفوذاً مؤسسياً متراكماً، تبرز تساؤلات مشروعة حول مدى قدرة الدولة على دمج هذه الكتل البشرية الهائلة ضمن عقيدة عسكرية وطنية خالصة، بعيداً عن الاستقطابات السياسية.
الأرقام التي لا تُكذَّب
تشير تقديرات الخبراء إلى أن التطبيق الفعلي سيضيف نحو 500 ألف مجند جديد سنوياً. غير أن الصورة الأشمل تثير قلقاً مضاعفاً؛ فالقانون يستهدف في مجمله ما يقارب سبعة ملايين شاب من الفئة العمرية المشمولة، ما يعني أن المجتمع سيعيش لسنوات في حالة تجنيد شبه دائمة لا تنتهي بانتهاء دورة واحدة.
وبراتب 700 ألف دينار شهرياً للفرد -حسب تصريح للمتحدث السابق باسم القائد العام للقوات المسلحة يحيى رسول- فإن فاتورة الرواتب وحدها ستبلغ 350 مليار دينار شهرياً، أي ما يعادل 267 مليون دولار في الشهر الواحد، أو 3.2 مليار دولار سنوياً على بند الرواتب فقط، قبل أي إنفاق آخر.
في المقابل، كشفت مصادر من داخل المؤسسة الأمنية عن تقديرات لتكاليف الفرد المجنّد الواحد في حال تطبيق القانون، حيث تبلغ نحو 3,800 دولار لمستوى “جيد جداً” من التجهيزات، أي ما يعادل 1.9 مليار دولار لنصف مليون مجند، وذلك بحساب التجهيزات الأساسية والسلاح والعتاد والطعام فقط، دون حساب تكاليف المعسكرات والنقل والوقود وغيرها. وحين تُجمع كل هذه البنود معاً يتجاوز الرقم الإجمالي خمسة مليارات دولار سنوياً.
يُضاف هذا الرقم فوق بنية إنفاقية دفاعية قائمة وضخمة. فميزانية وزارة الدفاع العراقية لعامَي 2024 و2025 استقرت عند 16.5 تريليون دينار سنوياً، أي ما يعادل 12.7 مليار دولار، لا تشمل مخصصات الداخلية والأجهزة الأمنية الأخرى. وقد ارتفعت حصة الدفاع من الناتج المحلي الإجمالي من 4.55 بالمئة عام 2024 إلى 4.78 بالمئة عام 2025.
وبإضافة تكلفة التجنيد الإلزامي، فإن الإنفاق الدفاعي الكلي سيتجاوز 17 مليار دولار سنوياً، في بلدٍ انخفض ناتجه المحلي الإجمالي من 279 مليار دولار عام 2024 إلى 265 مليار دولار عام 2025، ويعتمد على النفط مصدراً لأكثر من 90 بالمئة من إيراداته، وينفق بالفعل ما يزيد على 70 بالمئة من ميزانيته على الرواتب والمصاريف التشغيلية.
لكن الأخطر من الرقم المطلق هو ما يخفيه: هذا الإنفاق الضخم لن يُنتج ثروةً ولن يبني اقتصاداً. سيتحول ملايين الشباب من “عاطلين” في إحصاءات البطالة إلى “موظفين حكوميين بزيٍّ عسكري” في إحصاءات أخرى، لكنهم في الحالتين لن يُنتجوا شيئاً حقيقياً يضاف إلى الاقتصاد الوطني.
الجيل الذي يُطلب منه الثقة
عادة ما تُطرح فكرة التجنيد الإلزامي وتُسوَّق كأداة لـ”تعزيز الانتماء الوطني” و”صهر الهويات”، في تجاهلٍ للتحديات السوسيولوجية والسياسية المتعلقة بالجيل المستهدف. فالشباب المعنيون اليوم نشأوا في ظل أزمات أمنية متوالية، بدءاً من الاقتتال الطائفي، مروراً بحرب “داعش”، وصولاً إلى احتجاجات 2019 وما رافقها من عنف خلّف مئات الضحايا وأنتج شرخاً عميقاً في العلاقة بين السلطة والشارع.
وفي ظل استمرار الاختلالات الهيكلية كاعتماد المحاصصة في التوظيف وتفشي المحسوبية -التي يُكرسها مبدأ “البدل النقدي”- فإن محاولة فرض الانتماء عبر التجنيد القسري قد تأتي بنتائج عكسية، لتعمق أزمة الثقة بمؤسسات الدولة بدلاً من معالجتها.
فضلاً عن ذلك، يبرز تحذير جدّي من أن يتحول هذا التشريع إلى محفز إضافي لـ”هجرة العقول” بحثاً عن بيئات أكثر استقراراً، مما يفاقم من الخسائر الديموغرافية والاقتصادية للبلاد، وهو ما يُعد التحدي الأكبر الذي تتجاهله مسودة القانون تماماً.
حلقة مفرغة
يُظهر المسار المتكرر لمشروع القانون -بدءاً من طرحه الأول في 2016 وحتى القراءة النيابية في نيسان 2026- أنه يُوظَّف غالباً كورقة للمناورة السياسية والخطاب الشعبوي أكثر من كونه استراتيجية دفاعية جادة.
ويتجلى هذا التخبط في ردود الفعل المؤسسية؛ ففي الوقت الذي طالبت فيه كتل نيابية بسحب المسودة رسمياً لإعادة تقييم الاحتياجات الفعلية لوزارة الدفاع، يكتفي المعارضون من النخب الأمنية والبرلمانية بتسجيل مواقف إعلامية عبر المنصات الرقمية، دون تقديم لوائح بديلة أو دراسات جدوى مضادة للبرلمان.

هذا المشهد، الذي يتبرّأ فيه عرّابو القانون من محتواه، يؤكد أن إبقاء الملف في دائرة “النقاش المُعلّق” يخدم مصالح سياسية مرحلية. وفي ظل غياب المعالجات الحقيقية للأزمات الاقتصادية وفقدان الثقة المؤسسية، يبقى قانون التجنيد الإلزامي مشروعاً مؤجلاً يُطرح لصرف الانتباه، ويُسحب قبل أن يصل إلى عتبة الإقرار.
المزيد عن تحليل
تحليل","field":"name"}],"number":1,"meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":34003}" data-page="1" data-max-pages="1" data-start="1" data-end="1">







