في يوم الصحافة الكردية.. كيف تحولت الصحافة على يد الأحزاب الى بروباغندا سياسية
لا تنحصر جوهر مشكلة الصحافة في كردستان في (الإعلام المسيس، التمويل، والرقابة الذاتية) فقط، بل في "غياب الديمقراطية" من الأساس! ففي ظل غياب الديمقراطية، يسهل تسييس الإعلام وبأثمان بسيطة، كما يسهل تسييس القطاع الاقتصادي، بل وتسييس الحياة برمتها
قبل أيام مرت الذكرى 128 عاماً على صدور أول صحيفة باللغة الكردية والتي حملت اسم (كردستان) بذلك تمضي مسيرة الصحافة الكردية نحو العام التاسع والعشرين بعد المائة، فما هو واقعها اليوم، وحضورها وتأثيرها؟ وما هي التحديات التي تواجهها؟ وهل يمكن ان نصنف ما ينشر على عشرات المنصات الاعلامية “كصحافة حقيقية” أم في الغالب مجرد إعلانات ودعايات لمموليها.
المشهد العام: حرية ولكن.. مقيدة
يقول الكاتب والصحفي البريطاني جورج أورويل: “الصحافة الحقيقية هي نشر ما لا تريد السلطة نشره وكشفه، وكل ما عدا ذلك هو مجرد دعاية”.
إن ما يسمى اليوم بالإعلام أو المنصات الإخبارية في إقليم كردستان، هو في غالبه إعلام “مُسيّس” بامتياز، يتحرك ضمن هامش حرية محدود، ويتأرجح صعوداً وهبوطاً تماًشياً مع المتغيرات وسياسات الممولين، ما يجعله يراوح بين العمل الصحفي والبروباغندا.
الغالبية العظمى من وسائل الإعلام الحالية في اقليم كردستان العراق (القنوات الفضائية، المحلية، الإذاعات، الإعلام الإلكتروني، ومنصات التواصل الاجتماعي) سواء كان ذلك بإرادتها أم لا، تعتمد في تمويلها على مصادر سياسية لا على السوق الحر والتمويل المعتمد على الشركات واعلاناتها أو اشتراكات المتابعين.
حين يصبح مصدر التمويل سياسياً، ينعكس ذلك مباشرة على نقل “الحقيقة”؛ فإما أن تُنقل الأحداث والمعلومات كما هي، أو تُنقل “كحقيقة تحت ظل التوجه الحزبي). وهذا يقودنا بدوره إلى قيود الرقابة الذاتية (Self-censorship) وهي واحدة من أخطر القضايا في الوسط الإعلامي؛ حيث يمارس الصحفي الرقابة على نفسه من أجل لقمة العيش، وهذه إحدى المشكلات الثلاث الرئيسية التي تواجه الإعلام الكردي المعاصر.
يظهر هذا الموجز وجود إجماع بين الصحفيين والمثقفين والكتاب والفنانين والمراكز السياسية وممولي وسائل الإعلام، وحتى بين رجال الأعمال المهتمين بالاعلام بل وبين عامة الناس، وجود فوضى في المشهد الإعلامي.
الجميع غير راضٍ عن الإعلام في إقليم كردستان. ويتفق الغالبية أن الإعلام في كردستان شهد انتكاسة كبيرة منذ ظهور صحيفة “هاولاتي” كإعلام مستقل، ويرون ضرورة إصلاح الإعلام.
ومع وجود هذا الإجماع على الإصلاح، إلا أن هناك مخاوف من أن تقوم الأحزاب الحاكمة نفسها بتعديل القوانين المتعلقة بالإعلام باسم الإصلاح، وبشكل يتوافق مع مصالحها وليس مصلحة المجتمع، وبما يهدد بخنق مساحة الحرية المتبقية.
الصحافة الحقيقية هي نشر ما لا تريده السلطات، كل ما دون ذلك هو اعلانات وبروباغندا
المشكلات الأساسية
الإعلام المُسيّس، غياب الاقتصاد الحر المستقل، والرقابة الذاتية؛ هذه هي المشكلات الجوهرية في إعلام إقليم كردستان التي تُكبّل جميع الصحفيين، وأدت إلى ضخ حد أدنى من المعلومات مقابل حد أقصى من الدعايات والاعلانات والأخبار المدفوعة حزبياً. وهو ما أدى الى تأثير سلبي على رؤية المواطن وتفاعله مع الأحداث وفي النهاية تحجيم تأثير الاعلام في المشهدين السياسي والاقتصادي، فلم ينجح في العموم بتغيير موقف أو إجبار مسؤول سياسي واحد على الاستقالة.
يعرف الكثير من الصحفيين فضيحة (واترغيت) التي فجرها الصحفي بوب وودوارد في “واشنطن بوست”، والتي أدت إلى استقالة الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون. يقول بوب:”عندما تغيب المعلومة ويغيب الضوء، تموت الديمقراطية؛ الصحافة هي ذلك الضوء الذي يمنع الديمقراطية من الموت”.
لا تنحصر جوهر مشكلة الصحافة في كردستان في (الإعلام المسيس، التمويل، والرقابة الذاتية) فقط، بل في “غياب الديمقراطية” من الأساس! ففي ظل غياب الديمقراطية، يسهل تسييس الإعلام وبأثمان بسيطة، كما يسهل تسييس القطاع الاقتصادي، بل وتسييس الحياة برمتها.
وفي هذه المعادلة المختنقة وغير المتوازنة، يواجه الصحفيون بطبيعة الحال ضغوطاً ومخاطر شتى، تشمل الاعتقال، إغلاق القنوات، الملاحقات القضائية، والتهديدات التي قد تصل إلى القتل. في بيئة عمل كهذه، يصبح إنجاز تحقيق استقصائي مغامرةً محفوفة بالمخاطر، حيث يواجه الصحفي عراقيل تمنعه من الوصول إلى المعلومة، أو يضطر تحت الضغط للتخلي عن انجاز تحقيقه.
وهناك معضلة أخرى تتمثل في الخضوع او التبعية الاقتصادية؛ ففي بيئة كهذه، يكاد الإعلام الحر المستقل أن يختنق، خاصة مع ضعف سوق الإعلانات وتسييسه هو الآخر. لذا تضطر وسائل الإعلام والصحافة في الإقليم إما العيش على المال السياسي أو التمويل الخارجي (المنظمات الدولية) الذي انقطع أو توقف بنسبة 80% تقريباً. مؤسسات مثل (آوينة، باراغراف، أو کرکوك ناو) التي تعتمد على المنح، تصارع للبقاء، فكيف يمكنها منافسة الماكينات الإعلامية الممولة سياسياً ؟!
الحزب، ومن خلال الإعلام المسيس، يحول الصحفيين إلى “موظفي نظام” بدلاً من أن يكونوا “صحفيين مراقبين”، ويجبرهم مقابل الراتب على اتباع سياسة القناة وتأطير أفكارهم وما ينشرون ضمن تلك السياسة.
المشكلة الكبرى هي أن السلطة والحزب يريدون تحويل الصحفيين إلى أدوات لنشر بروباغنداتهم، بينما الوظيفة الجوهرية للصحافة هي الرقابة على السلطة وكشف عيوبها وتنبيه المجتمع لها، لا أن تكون أداة دعائية للسلطة. وطالما استمر تدخل الأحزاب (الذي انتقل الآن من الحزب كمؤسسة إلى الأشخاص النافذين في السلطة وأبنائهم) في الحقل الإعلامي، فإن المشكلة ستظل قائمة.
خلاصة القول في وصف حال الإعلام في كردستان، إنه “نظام إعلامي-سياسي” يعيش بين حرية محدودة وسيطرة غير مباشرة؛ حيث ترتبط معظم المؤسسات بالسلطة ومصادرها، مع بقاء مساحة ضيقة جداً للأصوات المستقلة والصحافة الاستقصائية.
عندما تغيب المعلومة ويغيب الضوء، تموت الديمقراطية الصحافة هي ذلك الضوء الذي يمنع الديمقراطية من الموت
انتهاكات بلا محاسبة
كوفي عنان، الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة، مقولة بليغة حول الإفلات من العقاب في الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين، يقول:”إن الإفلات من العقاب في الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين هو أحد أكبر التحديات التي تواجه حرية التعبير”.
هنا إذا تحدثنا عن البيئة القانونية، يمكننا القول إن وجود قانون الصحافة رقم (35) لسنة 2007، وقانون حق الحصول على المعلومات رقم (11) لسنة 2013، يمثل مظلة قانونية جيدة مقارنة بدول المنطقة. لكن هذه المظلة القانونية لم تنجح على أرض الواقع في حماية الصحفيين، لأنها لم تطبق فعلياً. وبالاستناد إلى بيانات 34 تقريراً لنقابة صحفيي كردستان (2008-2026) و15 تقريراً لمركز “مترو” (2011-2025)، يتضح أن وجود القانون وحده لا يكفي ولا يشكل حصانة لحرية الإعلام أو للصحفيين.
وفقاً لإحصائيات مركز “مترو” سُجل 2,655 انتهاكاً ضد الصحفيين بين عامي (2018-2025). وبحسب تقارير النقابة بين (2008-2026)، تجاوزت الانتهاكات 3000 حالة، مع استشهاد 7 صحفيين.
أمام هذا السيل من الانتهاكات، أتساءل: مَن مِن المعتدين قُدم للمحاكمة أو نال جزاءه؟ وبينما أكتب هذا المقال، لا يزال الصحفي “شێروان شێرواني” خلف القضبان بسبب آرائه، ولا نعلم إن كان سيُطلق سراحه بعد انتهاء محكوميته أم لا؟ ولم تبق سوى أيام على الذكرى السادسة عشرة لاغتيال الصحفي “سەردەشت عوسمان”، ورغم توثيق حالته في تقارير النقابة، إلا أن قتلته لم يمثلوا أمام العدالة، تماماً مثل قتلة “کاوه گەرمیانی” وغيره من الصحفيين الذين تم اغتيالهم.
الحل.. “السلطة… الداء والترياق بيد واحدة”
بالملاحظات الوقائع التي أشرت إليها، والتي يدرك زملاء الحرفة أبعادها بعمق، نجد أن الحل يمر عبر أبواب الأحزاب الحاكمة؛ فهم الذين سكبوا “السم” وهم وحدهم “الحكماء” القادرون على تقديم الترياق.
تقول ماريا ريسا، الصحفية الفلبينية الحائزة على جائزة نوبل للسلام:”لستَ صحفياً إذا كانت صحافتك تحت التهديد ولا توجد محاسبة!”
لذا، فإن بداية الحل تكمن في كسر حاجز الإفلات من العقاب؛ وألا ينجو أي شخص، مهما كان منصبه، من العقاب جراء أي انتهاك ضد الصحفيين. كما يجب تنفيذ القوانين كما هي، خاصة قانون حق الحصول على المعلومات، وأن تتيح الحكومة البيانات للجميع دون تمييز، لا أن تمنحها لقنواتها المقربة وتتجاهل القنوات الأخرى.
وللعمل على معالجة أزمات الصحافة في كردستان نجد من الضروري، تأسيس “مجلس للإعلام” في كردستان بدلاً من النقابة الحالية، بشرط أن يمتلك صلاحيات واسعة، وألا يكون أعضاؤه مجرد موظفين لدى رئيس الوزراء. ومن الأساسي كف يد الحكومة عن قطاع الإعلام، من خلال وزارتي الثقافة والداخلية، وأن تؤول إدارة القطاع الى هذا المجلس، مع إصدار حزمة قوانين تنظم الإعلام المرئي والمسموع والمقروء تحت مظلته.