

فارس الأبجر
منذ ولادتها بعد 2003، اختبرت “الحاكمية الشيعية” أعداء حقيقيين ومتخيلين ومصطنعين، من الداخل والخارج، فتناوب على قائمة الأعداء الأميركان واسرائيل ودول الخليج وسوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد، فضلا عن اعداء داخليين من البعثيين والتنظيمات الارهابية، وليس انتهاء بالصِدامات والأزمات التي تخاض مع كردستان ومع بعض الشخصيات السنية، وصولا الى تيارات شيعية مثل قوى تشرين و”الشيعة الليبراليين”.
لكن العدو الأخطر أمام استمرار “الحاكمية الشيعية المفترضة” ربما يتمثل في جمهورها الذي يقف عند كل أزمة “وقود- غاز” او “خدمات” او “معيشة” او “راتب” غاضباً أمام واقع فشل نخبه السياسية في بناء هيكل دولة قوية ذات بنية اقتصادية وسياسية محصنة تضمن له حياة كريمة.
ما هي الحاكمية الشيعية؟
تعبر “الحاكمية الشيعية” التي لا تزال محل نقاش وتشكيك في صحتها كعبارة، عن الواقع السياسي في العراق.”الحاكمية” في السياق الاسلامي تجعل التشريع والسلطة والسيادة المطلقة لله، وهي فلسفة سياسية نظّر لها الاخوان المسلمون وطرحها أبي الأعلى المودودي وسيد قطب، وتهدف الى جعل الشرعية المطلقة في ادارة الدولة للأحكام الدينية وكل شيء آخر يدور في فلكها.
أما “الحاكمية الشيعية” فصحيح انها لا تستنبط كل القوانين الحاكمة من المذهب ولا تجعل الأحكام الفقهية هي الحاكمة في أروقة الدولة – تم تطبيق هذا الشيء جزئياً في قانون الأحوال الشخصية- لكنها تجعل “استقرار الحكم بيد الشيعة” وتفرض علويّة مبادئ ورموز وشعارات المذهب وحمايتها بوصفها متقدمة على كل شيء آخر، حتى لو تعارضت مع أسس بناء الدولة، فالإساءة للرمز الشيعي لا يشبه الإساءة لأي رمز آخر في الدولة لناحية حجم رد الفعل والاجراءات التي قد تتخذها السلطات الحاكمة.
كما تتمثل “الحاكمية الشيعية” بحصرية تشكيل رأس الحكومة بيد الشيعة حصرا من جميع القوى فائزة كانت أم خاسرة، وبلا مشاركة فعلية للأطراف الاخرى، واذا ما تم التلاعب بهذه القاعدة، قد يقود الأمر الى صدام مسلح كما حصل على ابواب الخضراء نتيجة وقوف الاطار بالضد من مشروع مقتدى الصدر المتمثل بالتحالف الثلاثي وتشكيل حكومة اغلبية عابرة للهويات الطائفية بالاشتراك مع حزب تقدم والحزب الديمقراطي الكردستاني عام 2022.
أصعب أعداء الحاكمية
بالعودة إلى “الأعداء”، امتلكت “الحاكمية الشيعية” سرديات متعددة تجاه مختلف الخصوم، وكانت دائما ما تُحسن تحشيد جماهيرها في هذه “المعارك” بمختلف مستوياتها، لكن عدوا وحيدا يجعل من الحاكمية الشيعية مهددة ولا تمتلك السرديات الكافية لمواجهته، وهذا العدو قد يأتي على هيئة “قنينة غاز مفقودة” كما يحصل اليوم، أو خدمة أساسية بسيطة، صحية كانت أو تعليمية أو معيشية.
تشهد غالبية مناطق ومحافظات العراق أزمة في غاز الطبخ، تعرضها وسائل التواصل الاجتماعي عبر مئات المقاطع المصورة، فباتت مشاهد الطوابير الطويلة والشكاوى المتوالية خلال الأحاديث اليومية للمواطنين شاهدة على أزمة متصاعدة، في الوقت الذي تنفي فيه الجهات الحكومية وجود أزمة في كمية الانتاج.
لكن الحقيقية أن تراجع انتاج النفط في العراق نتيجة وقف العمل في العديد من الحقول، بسبب توقف التصدير عبر مضيق هرمز وامتلاء الخزانات بالنفط المنتج وانسحاب الكثير من الشركات الأجنبية العاملة بالحقول تحت ضغط المخاطر الأمنية ونتيجة بعض الاستهدافات بالطائرات المسيرة، أدت الى تراجع انتاج الغاز ايضا، فالغاز بالعراق معظمه غاز مصاحب لانتاج النفط.
مع انتاج اكثر من 4.2 مليون برميل يوميا كان الغاز المصاحب الذي ينتجه العراق يبلغ حوالي 1900 مقمق يوميا (المقمق يعادلمليون قدم مكعب قياسي)، مقابل حرق 1200 مقمق يومياً، لكن مع تراجع انتاج العراق من النفط الى 1.2 مليون برميل يوميا، انخفض الانتاج الكلي من الغاز المصاحب الى 600 مقمق يوميا، بحسب تصريحات لمسؤولين في وزارة النفط والكهرباء.
جزء من الانتاج الكلي من الغاز الطبيعي، كان يخصص لانتاج الغاز المسال (غاز الطبخ) بواقع 9 آلاف طن يوميا لتغطية الحاجة المحلية وتصدير الفائض، لكن مع تراجع الانتاج الكلي من الغاز الطبيعي باتت وزارة النفط عاجزة عن تأمين الكميات المطلوبة من غاز الطبخ، فقد تراجع الانتاج الى نحو 4 الاف طن يوميا، اي نحو نصف الكمية المنتجة سابقا.
لم تكن أزمة غاز الطبخ هي الوحيدة، فتراجع انتاج الكهرباء لعدة ساعات، وارتفاع اسعار بعض السلع والبضائع الأساسية بنسبة تتراواح بين 10 الى 50% و”الرعب المؤجل” الذي ينتظر العراقيون حلوله بعد شهر أيار/ مايو 2026 عندما يتوقف توزيع الرواتب بشكل طبيعي نتيجة التراجع الحاد في عائدات النفط، كما يتوقع مسؤولون، كل ذلك خلق بيئة شعبية مضطربة وجهت غضبها تجاه القوى السياسية الحاكمة بفصائلها المسلحة لفشلها المزمن في تعزيز الاقتصاد كما ضمان الأمن، مع عجزها عن تنويع منافذ تصدير نفط العراق، بحسب المدون والكاتب المهتم بالشأن السياسي احمد الفضلي.
ويضيف الفضلي، انه “قبل ذلك، كان الخوف من العقوبات التي لوحت بها واشنطن في حال عدم نزع العراق لسلاح الفصائل او فك الارتباط مع ايران، كلها خلقت استياءً شعبيا لا يمكن ان تواجهه أولوية الحفاظ على الحاكمية الشيعية، خصوصا وأن هذا الاستياء يخرج من البيئة الشيعية ذاتها، ما يجعل خطره مضاعفاً، مرة لأنه يخرج من بيئة شعبية شيعية لا يمكن لقوى الحاكمية الشيعية أن تخوّنها، ومرة أخرى لأن وقود هذا الاستياء هو مبرر يحظى بالشرعية التي لا يمكن تهوينها والمتمثلة بطلب المعيشة الكريمة”.
قنينة الغاز.. صراع بين “حرّاس الحاكمية” وناقديها
مؤخرا، بات نواب ومحللون وسياسيون ومنصات متبنية لـ”الحاكمية الشيعية”، توجه “التقريع” للمواطن العراقي الشيعي الذي “لا يصبر ولا يتشبه بالبيئة الشعبية لحزب الله اللبناني والشعب الايراني”.
ولعل تصريح النائب مصطفى سند مؤخرا مثال بارز على ما يجري، عندما وجه نقدا لاذعا للمواطنين الذين يخشون على رواتبهم عندما قال ان “راتب الـ300 الف الذي تتاقضوه لا يسوى شيئا لكن يمكن ان يشتري لكم كرامة اذا تنازلتم عنه”.
هذا الحديث بات يتصاعد في منصات مختلفة على مواقع التواصل، بوجود عشرات الصفحات التي تروج لهكذا رؤى، وبات اصحابها ينتقدون المواطنين الذين يشكون من فشل “منظومة الحاكمية الشيعية” طوال عقدين من الزمن، في ضمان الأساسيات ووضع خطط طوارئ لانقاذ البلاد من أزماتها المتوقعة نتيجة الحروب أو التقلبات الاقتصادية، فكيف يمكن لبلد نفطي ان يشكو من فقدان “غاز الطبخ” في وقت هو ليس جزءا من الحرب بشكل مباشر، بينما لا تشهد دولة الحرب نفسها أزمة مشابهة؟!
هكذا خلال أيام تحولت “قنينة الغاز” الى نقطة صراع سياسي على المستوى الشعبي، بين “حراس الحاكمية” وناقديها، الذين يحذرون من أزمات أخرى أكبر قادمة، نتيجة فشل “الحاكمية” في بناء منظومة ادارة وحكم سليمة مع انشغال قادتها بامتيازاتهم.
يقول الكاتب والمدون سيف الحسني، والذي يتبنى سردية “ضرورة المقاومة وتعزيز البيئة الداخلية”، إن “سر صمود حزب الله اللبناني والجمهورية الاسلامية في ايران هو الاسناد الشعبي لهم”، معتبراً أن “ما يشهده الشارع العراقي من ضعف تجاه الأمور الدنيوية والرفاهية تجعلنا نشعر بالخجل من صورة العراق كبلد مقاوم”.
ويعتبر ان “الرفاهية المشروطة بالتبعية والطاعة للمنظومة الغربية، هي رفاهية “مؤجّرة” سرعان ما ستُسلب وتنهار لأن مفاتيحها ليست بيد الدولة”.
من لا يكون كقادة إيران.. لا ينتظر شعبا صابرا
هذا “العدو الأصعب” المتمثل بـ”طلب الرفاهية” أو “العيشة الكريمة” وتوفر الخدمات الأساسية على الأقل، يحاول “حراس الحاكمية الشيعية” مواجهته بسرديات لا تصمد أمام “واقع حياة النخبة الحاكمة والشعب” بالفرق الشاسع بينهما. انها سردية عاجزة عن اقناع البيئة الشعبية الناقمة وغير المستعدة للاستماع لها، كما يرى الباحث أحمد الفضلي.
ويقول ان العراقيين يخرجون بين فترة وأخرى في تظاهرات غاضبة وهم يعبرون على الدوام عبر مواقع التواصل الاجتماعي عن استيائهم من فشل القوى الحاكمة في توفير متطلبات الحياة الكريمة لهم “لكن في أوقات الأزمات التي تهدد النظام السياسي برمته وقواه المختلفة، تلتزم جماهير هذه القوى الصمت وتلوذ بالصبر، لوجود أولوية اخرى وهي الحفاظ على الحكم الشيعي من الأعداء”.
ويستدرك:”في حرب الأربعين يوما، شاهدت جماهير القوى السياسية في العراق، بساطة الكثير من الزعماء الايرانيين، ورأوا أماكن اقامتهم المتواضعة، وشهدوا تعريض القادة الايرانيين أنفسهم الى الخطر واغتيال الكثير منهم بما فيه المرشد الأعلى، بينما زعماء الحاكمية الشيعية العراقيين في عالم مختلف من الرفاه، ولم يصابوا بخدش. وأبدى البعض امتعاضه من الدور الضعيف لقادة الاطار التنسيقي تجاه دعم ايران في الحرب حيث يرى هؤلاء بأنها حرب على الشيعة، هذا خلق مقارنات ودفع للسؤال عن ما قدمه قادة شيعة العراق لبلدهم”.
ويتابع:”الصبر على صعوبة المعيشة والفشل في تقديم الحياة الكريمة لأجل أولويات اخرى مثل الحفاظ على وجود الشيعة أمام أعدائهم، لم يتلمسه الشيعي العراقي من قادتهم، وأكتشف الكثير منهم ان زعماء الحاكمية لم يمنحوهم لا الحياة الكريمة ولا قدرة المقاومة بكرامة، لذلك فإن الخسارة مزدوجة”.
يرى كتاب ونشطاء من المكون الشيعي، ان الأزمات المعيشية والخدمية، كما فشل جعل العراق قوة أقليمية سياسيا او اقتصاديا، أو حتى بناء قدرات دفاعية تؤمن سيادته، جعل زعماء الاطار يفقدون الشرعية بنظر قواعدهم الشعبية، مشيرين الى ما حصل من موقف شعبي رافض لزعيم حركة “بدر” هادي العامري أثناء زيارته لمحافظة ذي قار، يُظهر ما وصلت اليه النخبة الشيعية الحاكمة في نظر جمهورها المفترض.
يقول الباحث أحمد الفضلي، ان القواعد الشعبية الشيعية لا يمكن أن تتقبل معادلة “ترك الرفاهية لأجل الكرامة المفترضة” لأن زعماءهم لم يوفروا لهم كلا الأمرين. الجمهور الشيعي العراقي يرى انه لا يحق للنخبة الحاكمة مطالبتهم بأن يكونوا كالشعب الايراني او بيئة حزب الله اللبناني “لأن زعماء الشيعة هنا ليسوا كغالبية القادة الايرانيين او كحزب الله اللبناني”.
المزيد عن آراء
آراء
آراء","field":"name"}],"number":1,"meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":33957}" data-page="1" data-max-pages="1" data-start="1" data-end="1">







