العصور الوسطى الجديدة: صعود السرديات الأخروية
يشرح المقال كيف أصبحت أفكار نهاية العالم والمخلّص، عند المسيحيين واليهود والسنة والشيعة وغيرهم، جزءاً من السياسة والحروب، ولم تعد مجرد معتقدات دينية بعيدة عن الواقع..
يشرح المقال كيف أصبحت أفكار نهاية العالم والمخلّص، عند المسيحيين واليهود والسنة والشيعة وغيرهم، جزءاً من السياسة والحروب، ولم تعد مجرد معتقدات دينية بعيدة عن الواقع..

كثيرة هي الأسماء التي يمكن أن نطلقها على العصر الذي نعيش فيه: عصر ثورة الاتصالات والتكنولوجيا، عصر الذكاء الاصطناعي، عصر الفردانية وانهيار السرديات الكبرى، عصر القطب الواحد، عصر السفسطائية والفلستية الجديدة، لكن توقعات بناء حضارة كونية مسالمة ومتعددة الأعراق والثقافات، تسودها قيم حقوق الإنسان والعقلانية والعلمانية والديمقراطية، تبدو اليوم سراباً يتلاشى شيئاً فشيئاً، رغم أن هيمنة اليسار كادت تبدو يقيناً لا نقاش فيه قبل سنواتٍ فقط.
كثيرة هي الدراسات التي توقعت تراجع الأديان والتديّن حول العالم، وأُدين العالم العربي والإسلامي بسببها بالتخلّف عن ركب الحضارة المعاصرة المادية النابذة للروحانيّات والثيوقراطية. على سبيل المثال، توقعت دراسة منشورة في “نيتشر كوميونيكيشنز” (2025)، ميل التديّن إلى التراجع عبر الأجيال، وأن التراجع الديني أبرز في بعض البلدان من سواها، وأن الدول تمر بعملية عَلمنة مماثلة تبدأ في أوقاتٍ مختلفة، وأن التحول يحدث على ثلاث مراحل: انخفاض المشاركة في الشعائر الدينية العامة، وانخفاض أهمية الدين للأفراد، وتخلّي الناس عن انتماءاتهم الدينية. استخدمت الدراسة بياناتٍ من استطلاعات رأي في 111 دولة، أجراها مركز بيو للأبحاث، و58 دولة ضمن مسح القيم العالمية ودراسة القيم الأوروبية. لكن صعود اليمين في أوروبا وظاهرة ترامب في الولايات المتحدة قد يفنّدان كل هذا.
بينما استخدم الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن خطاباتٍ دينية إبان غزو أفغانستان عام 2001 والعراق عام 2003، إلّا أن سردية نشر الديمقراطية هيمنت على الخطاب العام آنذاك، لكن الحديث عن الدين والنبوءات والوعود الإلهية يكاد يكون ظاهرة يومية في السياسة الأمريكية للإدارة الحالية.
في موسم الفصح الأخير، تصاعد الحماس الديني إلى مستوى غير مسبوق. مؤخراً، قالت باولا وايت-كين، مستشارة ترامب الروحية والواعظة التلفزيونية: “إن ترامب خُذل واتُّهم زوراً في نمطٍ مألوف نراه في سيرة ربّنا ومخلّصنا”. في إشارة إلى يسوع المسيح. بوقوف ترامب خلفها، عقدت وايت-كين مقارنات بين المعارك القانونية ومحاولات الاغتيال التي واجهها ترامب والمحن التي تحمّلها المسيح.
وعلى غداء عيد القيامة، قارن ترامب نفسه بالمسيح قائلاً : “في أحد الشعانين، دخل يسوع القدس وسط استقبال حاشد من الناس الذين رحّبوا به بالتمجيد، وأشادوا به كملك”. وأضاف مبتسماً: “يُسمّونني ملكاً الآن، أتصدّقون ذلك؟” مشيراً إلى أنه “ملكٌ لدرجة أنه لم يستطع الحصول على موافقة لبناء قاعة رقص”، مذكراً بأنه لو كان ملكاً لفعل الكثير.

في تصريح آخر بعد عيد القيامة، شبّه وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث عملية إنقاذ الطيّار الأمريكي، الذي أُسقطت طائرته في إيران، بقيامة السيد المسيح، وذلك خلال مؤتمر صحفي ترأسه ترامب. وصف هيغسيث توقيت العملية الممتد من الجمعة العظيمة إلى أحد الفصح بأنه رمزي للغاية، مشدداً على “إفلات الطيار من الأسر لأكثر من يوم، متسلقاً تلالاً وعرة بينما كان العدو يطارده”، وأكد أن رسالته الأولى بعد تفعيل جهاز الإرسال الخاص به كانت بسيطة ومؤثرة: “الربُّ صالح”، وأضاف: “مع شروق أحد الفصح، طيارٌ بُعث من جديد”. في وقت سابق، طالب هيغسيث بحملة صليبية أمريكية، وهو الذي يحمل جسده وشوماً دينية تفشي الكثير عن هذه المعتقدات.
يكشف كل هذا عن تصاعد الخطاب الديني في أمريكا، حيث دعت مستشارة ترامب الروحية الناس للتبرع بـ10 في المئة من دخلهم لدعم إسرائيل وأشارت إلى أن هذا يعني “نيل رضا الرب”.
قبل ذلك، صرّح وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بأن “إيران يحكمها مجانين، متعصبون دينياً، لديهم طموحٌ لامتلاك أسلحة نووية”. وقال وزير الحرب هيغسيث: “إن أنظمة مجنونة كإيران المتشبثة بأوهام نبوءات إسلامية لا يمكنها امتلاك أسلحة نووية”. في إشارة إلى المعتقدات الشيعية حول “ظهور المهدي” في آخر الزمان، متجاهلين أن الخطاب الأمريكي والإسرائيلي يتبنّى مثل هذه النبوءات أيضاً، ولا يتورّع عن ترديدها في الإعلام.
في إسرائيل، تتعالى اليوم خطابات “إسرائيل الكبرى” والاستيطان في جنوب لبنان وسوريا، وأُعيدَ إحياء اسم جبل الباشان لجبل العرب بمحافظة السويداء، فضلاً عن الرغبة في تقديم خمس بقرات حمراء زاهية كقرابين واستخدام رمادها في طقوس تطهير الأفراد، بهدف تحقيق نبوءة توراتية لإعادة بناء الهيكل الثالث في القدس.
تستند هذه النبوءة إلى سفر العدد، حيث نقرأ: «1 وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى وَهَارُونَ قَائِلًا: 2 هَذِهِ فَرِيضَةُ الشَّرِيعَةِ الَّتِي أَمَرَ بِهَا الرَّبُّ قَائِلًا: كَلِّمْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَأْخُذُوا إِلَيْكَ بَقَرَةً حَمْرَاءَ صَحِيحَةً لَا عَيْبَ فِيهَا، وَلَمْ يَعْلُ عَلَيْهَا نِيرٌ، 3 فَتُعْطُونَهَا لأَلِعَازَارَ الْكَاهِنِ، فَتُخْرَجُ إِلَى خَارِجِ الْمَحَلَّةِ وَتُذْبَحُ قُدَّامَهُ. 4 وَيَأْخُذُ أَلِعَازَارُ الْكَاهِنُ مِنْ دَمِهَا بِإِصْبِعِهِ وَيَنْضِحُ مِنْ دَمِهَا إِلَى جِهَةِ وَجْهِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ سَبْعَ مَرَّاتٍ. 5 وَتُحْرَقُ الْبَقَرَةُ أَمَامَ عَيْنَيْهِ. يُحْرَقُ جِلْدُهَا وَلَحْمُهَا وَدَمُهَا مَعَ فَرْثِهَا. 6 وَيَأْخُذُ الْكَاهِنُ خَشَبَ أَرْزٍ وَزُوفَا وَقِرْمِزًا وَيَطْرَحُهُنَّ فِي وَسَطِ حَرِيقِ الْبَقَرَةِ، 7 ثُمَّ يَغْسِلُ الْكَاهِنُ ثِيَابَهُ وَيَرْحَضُ جَسَدَهُ بِمَاءٍ، وَبَعْدَ ذَلِكَ يَدْخُلُ الْمَحَلَّةَ. وَيَكُونُ الْكَاهِنُ نَجِسًا إِلَى الْمَسَاءِ» (سفر العدد 19: 1-7).
بناءً على ذلك، جلبت منظمة معهد الهيكل “ماخون همكداش” البقرات من سلالة ريد أنجوس من تكساس إلى إسرائيل في عام 2022، بهدف إعادة بناء الهيكل في موقع المسجد الأقصى وقبة الصخرة حالياً والتعجيل بقدوم المسيح.
من جانبٍ آخر، وبعد استخدام وصف العماليق التوراتي إبان الحرب على غزة، عاد رئيس الوزراء الإسرائيلي لاستخدام الوصف ذاته ضد الإيرانيين، لتبرير الحرب عليهم بوصفهم الشر المحض وأعداء بني إسرائيل.
بالمثل، يؤمن الشيعة والسُنة بظهور المهدي في آخر الزمان ليملأ الأرض عدلاً، وهي روايات مشابهة لقصص المخلّص التي يؤمن بها اليهود والمسيحيون والمسلمون وأديان أخرى على حد سواء. وقد أطلقت منصّة بصرية دعوات للصلاة وتعجيل ظهور الإمام مع اشتداد الحرب بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة.
يتزامن هذا مع حديث رجال دين شيعة آخرين عن ظهور السُفياني، وهو شخصية بارزة في الفكر الشيعي توصف بالطغيان، وتنحدر من نسل أبي سفيان والأمويين، ويقال إنه يستولي على الحكم في سوريا ويهاجم العراق والحجاز مرتكباً الفظائع. يحاول رجال الدين هؤلاء ربط السُفياني بالرئيس السوري المؤقت الحالي أحمد الشرع، المعروف بالجولاني، وقد روّجت حسابات على السوشيال ميديا تبنّي الفيلسوف الروسي اليميني المتطرّف ألكساندر دوغين هذه السرديات.
بالطبع، يتداول السُنة قصصاً أخروية متداخلة، منها ما يتعلّق بالظهور الثاني للمسيح أو المهدي أو معركة آخر الزمان، ويسمّونها معركة دابق (مثل معركة هرمجدّون في الروايات التوراتية)، وهي ملحمة كبرى تقع شمال مدينة حلب في سوريا بين المسلمين والروم قبل خروج الدجال. المفارقة أن بعض الدعاة السُنة يركّزون اليوم على هذا الحلف مع الروم -ويجرون قفزات منطقية بجعل اليهود من الروم، وهو وصف لم يرد يوماً على هذا النحو في الأدبيات الإسلامية أو العربية- وأنهم يحاربون معاً عدواً آخر من ورائهم، في إشارة إلى إيران والشيعة، رغم أن العرب اليوم ليسوا في موضع الحليف أصلاً.

يتحدّث بعضهم أيضاً عن نزول اليهود بدمشق، ما يذكّر بقراءات إنجيلية أخرى حول دمار دمشق وفق نبوءة إشعياء، حيث نقرأ: «وَحْيٌ مِنْ جِهَةِ دِمَشْقَ: هُوَذَا دِمَشْقُ تُزَالُ مِنْ بَيْنِ الْمُدُنِ وَتَكُونُ رُجْمَةَ رَدْمٍ» (إش 17: 1)، ولهذه الأفكار مآلات خطيرة قد تمهّد لقبول الناس مثل هذه التحوّلات بصفتها نبوءات لا تُردّ.
على الرغم من إعلان وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين والدخول في مفاوضات برعاية باكستان، إلّا أن شن الحرب من دون الرجوع إلى الأمم المتحدة والقوانين الدولية، والتهديد باستهداف البُنى التحتية للدول، وخطاب الحرب البعيد عن الدبلوماسية، كل ذلك يعد مؤشراً لانتهاء عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية الذي عرفناه.
وتشير السرديات المُحتضَنة من قبل النخب الحاكمة إلى أن العالم بأسره، ولا سيما مع صعود اليمين الغربي من جديد، عاد إلى عصر من الهوس الديني بقصص آخر الزمان، والحروب الدينية، وتبرير الإبادات، ونزع إنسانية الخصوم، ليسدل الستار، إذا ما طال أمد هذه الموجة، على أيّ أملٍ في عالم تسوده الديمقراطية وحقوق الإنسان والقانون الدولي.
قد يؤدي تدمير هذه القيم -التي يجادل البعض بأنها كانت أقنعة للخداع والاختراق وأن الصراحة في المواجهة أفضل- إلى دفع الأنظمة الشمولية حول العالم للتكشير عن أنيابها لأن “القدوة المفترضة” قد تخلّت عنها.
إن صعود التطرّف في كل مكان يعمل بصورة تخادمية، وما ضحية هذا إلا جهود قرون من التنوير والإنسانوية والحداثة، ليعود العالم إلى الغرق في دوامات الكراهية والخرافات، مع أسلحة أكثر فتكاً، ما قد يضعنا جميعاً أمام مستقبل حالك وعصور وسطى جديدة. ويبدو أن نهاية هذا العالم ستأتي على يد مجانينه في كل مكان.


