

فرضت حرب “الخليج الرابعة” على بلدان المنطقة وبشكل خاص الخليجية منها كلفاً عالية، فهي تتشارك بفقدان الأمن والخسائر الاقتصادية وضبابية المشهد المستقبلي، لكن العراق يبدو الخاسر الأكبر فهو الوحيد الذي قد يعجز عن تأمين رواتب موظفيه اذا ما أستمر اغلاق مضيق هرمز لشهرين آخرين، في ظل اعتماده شبه الكلي على مبيعاته النفطية خلافاً لباقي بلدان المنطقة.
في 12 اذار/مارس، توقف تصدير النفط العراقي والمنتجات النفطية بشكل شبه كامل، عندما تعرضت ناقلة مؤجرة لشركة سومو العراقية وناقلة اخرى كانت تحمل مادة النفثا في المياه العراقية لهجوم بزورق ايراني مفخخ.
خلال الأيام الـ 12 الاولى للحرب واصل العراق تصدير النفط وبعض مشتقاته لكن بكميات اقل من المعتاد، فبحسب شركة تسويق النفط “سومو”، صدّر العراق في اذار/مارس حوالي 17 مليون برميل من النفط، انخفاضا من المعدل الشهري قبل الحرب البالغ 100 مليون برميل شهريا، هذا يعني انه خلال الأيام الأولى من الحرب صدر العراق ما معدله 1.5 الى 2 مليون برميل يوميا، بينما كان يصدر في السابق 3.5 مليون برميل.
ودفع اغلاق مضيق هرمز، العراق الى البحث عن بدائل تصديرية خاصة عبر تركيا، لكن الانبوب العراقي القديم الذي كان يستخدم قبل 2014 لتصدير النفط من حقول كركوك وصولاً الى ميناء جيهان التركي، لم يعد صالحا للعمل بعد تعرضه للتخريب خلال سنوات الحرب ضد الجماعات الارهابية، كما ان الخط العراقي الذي يصدر النفط الى بانياس السورية متوقف منذ عقود.
الأولوية للمخلفات.. والخام مؤجل
لتجاوز تلك العُقد، توجه العراق الى استخدام انبوب اقليم كردستان لتصدير 250 الف برميل يوميا من نفط كركوك، ولاحقا ذكرت وزارة النفط انها ستضيف 90 الف برميل من نفط حقول الجنوب الى الكميات المصدرة عبر ذلك الخط، في انتظار ان تعود حقول اقليم كردستان للعمل بعد توقفها عن الانتاج، لتصدر بدورها 200 الف برميل يوميا من نفط كردستان، ليرتفع حجم الصادرات حينها الى أكثر من نصف مليون برميل يوميا. وهو يعادل نحو 15% فقط من الكميات التي كانت تصدر سابقا.
كما توجه العراق الى فتح منفذ الوليد الحدودي مع سوريا بعد اغلاقه لنحو 11 عاما، لغرض نقل النفط والمشتقات بالصهاريج وصولا الى سواحل البحر الابيض المتوسط عقب حرمان العراق من مياه بحر العرب والمحيط الهندي ما بعد مضيق هرمز.
شركة تسويق النفط العراقي سومو اعلنت توقيع عقود لنقل 650 الف طن شهريا من زيت الوقود عبر الاراضي السورية الى البحر الابيض المتوسط، فضلا عن 50 الف برميل من خام البصرة المتوسط حيث تنقل هذه الشحنات عبر معبر التنف-الوليد باتجاه حمص ثم مصفاة بانياس على البحر الابيض المتوسط.
وبالنظر الى الكميات المعلنة وتوحيد وحدة القياس، فإن 650 الف طن شهريا من زيت الوقود او ما يعرف بـ”النفط الأسود”، وهو اثقل المخلفات الناتجة في المصافي العراقية، فتساوي هذه الكمية 4.5 مليون برميل شهريا، او 150 الف برميل يوميا، مقابل 50 الف برميل يوميا فقط من النفط الخام، ما يعني ان السلطات العراقية اعطت اولوية التصدير الى النفط الأسود وليس النفط الخام.
فك اختناق المصافي
اعطاء الأولوية لتصدير النفط الأسود وليس للنفط الخام، يرجع كما يقول وزير النفط العراقي حيان عبد الغني الى إن “المصافي تواجه تخمة كبيرة من المخلفات الثقيلة (خاصة النفط الأسود والنافثا) نتيجة إيقاف الصادرات عبر الخليج”.
الوزير حذر من أن “استمرار هذه الفوائض سيتسبب بتوقف المصافي عن العمل”، مشيرا الى إن “النفط الأسود كان يُصدَّر عبر أنبوب إلى ميناء خور الزبير، لكن بسبب إيقاف التصدير واغلاق هرمز حصلت تخمة في الخزين لهذه المادة ومن الواجب تصريفها لإدامة عمل المصافي”.
ولقياس مدى أثر عقود التصدير عبر سوريا على امكانية تفريغ “تخمة” النفط الأسود في المصافي، تكشف بيانات شركة سومو ان العراق كان يصدر حوالي 200 الف برميل يوميا من النفط الأسود، لذلك فإن تصدير 150 الف برميل يومياً الآن عبر الصهاريج، يعني ان العراق سيفرّغ 75% من فائض النفط الاسود الذي يُنتج كمنتج عرضي خلال عمليات التكرير في المصافي.
أسعار أعلى لجني عوائد أكبر
كما ان اعطاء الأولوية للنفط الأسود دون النفط الخام، لا يتوقف عند الحاجة لفك الاختناق في المصافي ومنع وصولها الى “الشلل” فقط، بحسب الباحث والمختص في قسم هندسة النفط والغاز يوسف محمد، الذي يشير الى ان “سوق النفط العالمي شهد تحولا مثيرا بعد الحرب، حيث أن زيت الوقود او النفط الاسود الذي يعتبر من المخلفات، باتت اسعاره أعلى من النفط الخام، حيث تجاوزت أسعار الطن الواحد في سنغافورة، أحد أكبر مراكز تداول زيت الوقود بالعالم، 1052 دولاراً بنهاية آذار، أي ما يعادل نحو 140 دولاراً للبرميل”.
حصل ذلك في ظل ندرة المعروض في السوق العالمية واستمرار تراجع صادرات المنطقة عموما، بل إن علاوات الأسعار الفورية (الفارق بين العرض والمستوى المرجعي) تجاوزت 200 دولار للطن لبعض درجات الوقود، والنتيجة أن سعر برميل النفط الأسود تجاوز اسعار النفط الخام في بعض الأسواق.
ويوضح محمد، ان “ذلك يعبّر عن ربح خفي، فـ150 ألف برميل يومياً من زيت الوقود بأسعار مرتفعة تعادل قيمة تصدير أكثر من 250 ألف برميل من الخام وفقا لأسعار نهاية آذار”.
البر لا يمكن أن يعوض البحر
ليس كل شيء بهذه الايجابية، فمرور قوافل الشاحنات الممتلئة بالنفط في صحراء التنف يواكبه تحدي لوجستي كبير، أولى القوافل ضمت 299 صهريجاً تحمل زيت الوقود العراقي، وبحسابات رياضية، فإن نقل حوالي 200 ألف برميل يومياً (150 ألف نفط اسود مع 50 ألف نفط خام) يتطلب تشغيل ما يقارب 800–1000 ناقلة نفط برية يومياً. مع الأخذ بنظر الاعتبار الوقت الطويل الذي تستغرقه رحلة الشاحنات ذهاباً واياباً.
يقول الباحث الاقتصادي حسين المعموري إن “نجاح هذه العملية الإستثنائية يعتمد على جاهزية عدد هائل من الشاحنات وتأمين طول خط المرور، إلى جانب سرعة التفريغ في محطات التخزين بمصفاة بانياس البحريّة والعودة، لذلك يبقى مسار الأنابيب عبر الأردن أو تركيا حلاً أفضل وأقل تكلفة، إلا أنه يحتاج لاستثمارات وإصلاح أضرار”.
ويعد المعموري، ان “اللجوء إلى النقل البري اليوم هو حل إنقاذي مؤقت، يقابله ارتفاع في تكاليف النقل والوقت اللوجستي مقارنة بالشحن البحري التقليدي”.
وحتى مع تصريف الجزء الأكبر من النفط الأسود، يتبقى مصير النفط الخام وغياب الأنابيب ذات الطاقات التصديرية المرتفعة يجعل من عملية النقل البري بالصهاريج اجراء ترقيعياً، فاجمالي ما قد يصله العراق من مختلف الأنابيب والمنافذ والطرق البرية الممكنة سيبلغ 900 الف برميل يومياً وفقًا لحجم العقود الكلي مع شركات اوروبية وامريكية مشترية للخام بحسب ما تقول شركة تسويق النفط العراقي “سومو”، في وقت كانت الصادرات العراقية تبلغ 3.5 مليون برميل يومياً قبل الحرب، لكن بالنظر الى الواقع، فإن الطاقة التصديرية لانبوب كردستان حتى مع عودة استئناف تصدير النفط من الاقليم بواقع 200 الف برميل يوميًا والتي تبلغ حاليا 15 الف برميل يوميا فقط، سيصل مع نفط كركوك البالغ 210 الاف بالاضافة الى 90 الف برميل يوميا من نفط الوسط والجنوب الذي ينقل بالصهاريج، سيصل اجمالي التصدير عبر جيهان الى 500 الف برميل يوميًا كحد أقصى، كما من الصعوبة ان يتم نقل 400 الف برميل يوميًا اضافية عبر الصهاريج، لكن يبدو أن وزارة النفط تراهن على اصلاح انبوب كركوك-جيهان القديم، والمعطّل منذ 2014 بسبب الهجمات الارهابية، لكن الخبراء يشككون بامكانية اصلاحه بوقت قريب، حيث يعبر الخبير النفطي نبيل المرسومي عن “استغرابه” من تحديد وزارة النفط “اسبوعا واحدا” لاكمال اصلاح خط كركوك – جيهان وهي لم تنتهي بعد من فحص الانبوب بشكل كامل، متسائلا: “ماذا سيحصل لو اثبت الفحص الهيدروستاتيكي لمقطع الانبوب المتبقي الذي طوله ١٠٠ كم بوجود عيوب ومشاكل؟”، وبالفعل مر على هذا التصريح اكثر من 3 اسابيع منذ منتصف مارس عندما قال وزير النفط حيان عبد الغني ان اصلاح الخط سينتهي خلال اسبوع.
مفارقات .. ايران الصديقة وسوريا العدوة
لا تقتصر هذه القصة على جوانبها الاقتصادية فحسب، بل تكشف عن مفارقات سياسية صارخة بدأت بعض الأوساط في تشخّيصها ومناقشتها، وتتمثل في أن العراق “هرب من ايران الى سوريا” لتدارك محنته الاقتصادية، فنفط العراق متوقف من الجنوب بسبب تحذيرات ايران التي لديها حضور سياسي وأمني واقتصادي في مفاصل العراق كافة وتستفيد منه، والتي يتعاطف معها فئة واسعة من الشعب والعديد من القوى السياسية.
في المقابل، يلجأ العراق الى سوريا بنظامها الجديد الذي تنظر فئات واسعة من الشعب والقوى السياسية بعين الريبة والشك اليه والعداوة أحيانا. لكن بعيدا عن هذه الرؤى، تتحرك البلدان من دافع المصالح الخاصة، فسوريا محتفلة بما قد تستفيد منه نتيجة احتمال تحولها الى ممر للطاقة من اسيا الى اوروبا.
الحصار يضرب الحليف الاسيوي
لا تتوقف المفارقات السياسية على “هروب العراق من الضرر الايراني الى المنفعة السورية” فحسب، بل تبرز مفارقة أخرى تتعلق بالمستفيد النهائي من النفط والوقود الذي يعمل العراق على تصديره حاليا من خطوط الشمال والتصدير البري.
كان العراق يصدر زيت الوقود والنفط في السابق لآسيا وتحديدا الى الهند والصين التي تعد حليفة لايران، لكن صادرات العراق اليوم في ظل الحرب تتجه إلى الأسواق الغربية.
ويقول رئيس سومو إن صفقات التصدير الحالية مع شركات أوروبية وأمريكية تبلغ نحو 850–900 ألف برميل يومياً وهو حجم يوازي تقريباً ما كانت أوروبا والولايات المتحدة تستوردهما من العراق قبل نشوب الحرب (نحو 900 ألف برميل يومياً).
بذلك، تكون إيران قد حيدت إمدادات العراق عبر هرمز عن اسواق آسيا الحليفة لها، ولم تمنعه من السوق الغربية كلياً، وهذا يعني عملياً أن خفض التدفقات عبر الخليج لم يستهدف بالدرجة الأولى الشركاء التقليديين في الغرب، وإنما أثر بصورة أكبر في الدول الآسيوية.

على سبيل المثال، استوردت الولايات المتحدة الأمريكية من العراق في شهر شباط/فبراير اي قبل اندلاع الحرب 934 الف برميل يوميا وبمعدل يبلغ 233 الف برميل اسبوعيا، بالمقابل استوردت الولايات المتحدة من العراق في شهر اذار/مارس (شهر الحرب) حوالي 832 الف برميل، بمعدل 208 الف برميل اسبوعيا، اي ان الصادرات العراقية من النفط الى الولايات المتحدة انخفضت بحوالي 10% فقط، ومن المتوقع ان ترتفع في الايام المقبلة مع استئناف التصدير عبر جيهان التركي وبانياس في سوريا.
في المقابل توقف تصدير النفط الى الأسواق الاسيوية الهندية والصينية بنسبة 100% نتيجة توقف التحميل من الموانئ الجنوبية، والذي مازال عالقاً على الرغم من توصل الولايات المتحدة مع ايران الى هدنة تمتد لاسبوعين، وتقضي بفتح المضيق المغلق، لكن عملياً مازالت مئات الناقلات تنتظر في عرض مياه الخليج تحت رحمة الأسلحة النارية.
المزيد عن تقارير إخبارية
تقارير إخبارية","field":"name"}],"number":1,"meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":33933}" data-page="1" data-max-pages="1" data-start="1" data-end="1">







