آراء: لا شيء عراقي… كل شيء مستورد !

لا شيء عراقي… كل شيء مستورد !

وسط الصراعات الفكرية والسياسية والهوياتية، التي يعيشها العراقيون، على خلفية اختلافاتهم السياسية والعقائدية، ومع محاولة كل طرف فرض نموذج عمله ورؤيته الخاصة محاولا اقصاء الآخر، تبرز حقيقة صادمة وهي إن "جوهر هذا الصراع يدور حول "نماذج ومفاهيم مستوردة" بالكامل ليس فيها شيء عراقي سوى واقع الخلاف والتشرذم الاجتماعي والسياسي والديني الذي يجسده أطراف الصراع.

إنكي السومري

ينخرط الكثير من العراقيين اليوم في صراعات فكرية وسياسية وهوياتية تشتعل عند أدنى الخلافات الفكرية والسياسية والعقائدية، حيث تتغذى منصات التواصل الاجتماعي يوميًا على هذا الضجيج المتصاعد. وبينما يندفع أطراف هذا الصراع نحو تبادل الاتهامات لأتفه الأسباب السياسية والدينية في محاولة لفرض كل طرف نموذجه الخاص وإقصاء الآخر، تبرز حقيقة صادمة وهي: إن جوهر هذا الصراع يدور حول نماذج ومفاهيم مستوردة” بالكامل ليس فيها شيء عراقي سوى واقع الخلاف والتشرذم الاجتماعي والسياسي والديني الذي يجسده أطراف الصراع.

في العام 2003 بعد حرب “تحرير العراق”، وضعت الولايات المتحدة حجر الأساس لنظام ديمقراطي، لم يكن نتاجاً لخيار وطني، بل تم استيراده أمريكيا وتصميمه في قوالب ليُساق العراقيون داخل مساراته المرسومة سلفا.

نعم صوّتَ العراقيون لصالح دستور هذا النظام المستورد أيضا، ولكن لم يكن لديهم خيار آخر سواه. ناهيك عن افتقار التاريخ السياسي العراقي المعاصر لمثل هذه التجربة، فالعراق كبقية دول الشرق الأوسط لم يشهد في تاريخه المعمد بالدماء حكماً ديمقراطيا.

منذ تلك اللحظات، وضعت الولايات المتحدة ملامح لصراع مستورد في العراق، مستندةً إلى رؤية طوباوية اتّسمت بالسذاجة، مفادها: أن نجاح الديمقراطية المصدّرة للعراق سيكون بوابة لتعميم التجربة في منطقة الشرق الأوسط، لدرجة أن الرئيس بوش الأبن أعلن صراحة وقبل أن يتذوق العراقيون طعم هذه التجربة المليئة بالمفخخات: أن سوريا وإيران يمثلان وجهتي الديمقراطية الأوليين في المنطقة.

في المقابل، لم تقف تلك القوى الإقليمية مكتوفة الأيدي، حيث عملت إيران على هندسة ملامح نظام سياسي مضاد بنكهة إسلامية شيعية مُقاومة، مرسخةً قواعده عبر ما عُرف بنظام “المقاومة الإسلامية في العراق”، وهو نمط من التفاعل السياسي والعسكري الديني لم يألفه العراق في تاريخه المعاصر.

ففي غمرة الصراع الاستراتيجي مع واشنطن، قامت طهران بتدريب وتجهيز وتوجيه الكثير من العراقيين لتبني شكل وأسس هذا النظام الذي يبدو في جوهره وحلّته مستورداً في كل تفاصيله هو الآخر، بدءاً من السياسة، والخطاب والأيديولوجيا وصولاً إلى الإرشاد الديني، وحتى شعاراتهه البصرية مستوردة في شكلها ومضمونها ولا يوجد فيه شيء عراقي.

تكمن المفارقة اليوم في أن الجماعات المنضوية تحت لواء “المقاومة” والتي تحمل شعار مواجهة ما تسميه “الشيطان الأكبر والأصغر” و”تحرير القدس”، تجد نفسها اليوم تتبنى ذات الأهداف والشعارات التي كان يتبعها عدوهم (صدام حسين)، بل وحتى في تمويله للفصائل الفلسطينية التي تمولها إيران اليوم، ما يؤكد صراعا بين إرادات خارجية تستخدم الساحة العراقية لتمرير مشاريعها العابرة للحدود.

 ولا يقف الاستيراد عند حدود الهياكل السياسية، بل يمتد ليعيد صياغة المشهد الديني في العراق الذي بات يفتقر اليوم لأصالته المحلية في الكثير من جوانبه. ففي ذروة الحراك التنظيمي الشيعي خلال ستينيات القرن الماضي، لم يكن التشيع العراقي يتسم بهذا القدر من التطرف والمغالاة أو الإغراق في الطقوسية كما هو الحال اليوم، لدرجة أن هذه التحولات انعكست حتى على أسماء الأبناء، حيث لم يسجل التاريخ العراقي المعاصر فورة في التسميات الطقوسية المفرطة التي تجتاح العوائل الشيعية حالياً.

لقد تراجع التشيّع الديني المعتدل، قبالة صعود التشيع الطقسي الذي يتمحور حول السياسة و”الشهادة والاستشهاد” وفكرة “العسكرة” الإيرانية، وهو ما حوّل الكثير من الشباب واليافعين الشيعة إلى وقود بشري لمشاريع “فصائل المقاومة الإسلامية” المستوردة. على الرغم من أن تاريخ التشيّع العلوي يجمع في الكثير من طياته محطات من النضال الفكري السلمي مع فترات قليلة من المواجهات العسكرية؛ حيث شهد التاريخ الشيعي ولاسيما خلال مرحلة نشاط الأئمة محطات سياسية سلمية.  

هذا التحول لم يكن نتاجاً لتطوّر داخلي، بل جاء نتيجة “استيراد طقسي ومفاهيمي” مكثّف من إيران، التي تميل بطبيعتها الثقافية إلى المغالاة في الطقوسية وتجسيد الرموز، كون حضارتها تشكل جزءاً أصيلاً من الثقافة الهندو-أوروبية القائمة على التجسيد والصورية، على عكس العقلية العربية التي لا تميل تاريخياً للطقوسية المفرطة ولا تقدس صورياً سوى مكة والقدس، وهكذا صُبغ “التشيع العلوي” في العراق بمفاهيم سياسية وعسكرية وطقوسية مستوردة اضعفت ملامحه الأصيلة.

وفي الضفة الأخرى، لا يبدو المشهد السني بعيداً عن هذه التبعية الاستيرادية. فبعد عقود عُرف فيها سنة العراق بميلهم نحو العلمانية والتدين الوسطي، تعرّض التسنن العراقي لعمليات “تلقيح خارجي” حوّلت الكثير منه نحو التيار السلفي الراديكالي.

ومع تراجع الصفات العراقية المتسامحة التي تخلو من التطرف، أُشبع الوسط السني بمفاهيم مستوردة من السلفية المتشددة الوافدة من الجزيرة العربية والشام، وهي الأفكار التي وجدت أرضية خصبة لتوليد “تسنن راديكالي” قائم على إقصاء وتكفير الآخر المختلف.

وقد بلغت هذه الحالة ذروتها في إنتاج نماذج متطرفة ومستوردة بالكامل متمثلة في تنظيمي “القاعدة” و”داعش”، ليتأكد بذلك أن المذاهب الكبرى في العراق قد فُصلت عن سياقها التاريخي المحلي لتصبح نسخاً كربونية لنماذج إقليمية متصارعة، لا تترك للعراقي شيئاً من هويته الخاصة إلّا ما رحم ربي.

ولا يمكن حصر هذه الظاهرة في حقبة ما بعد عام 2003 فحسب، إذ يكشف تقصي تاريخ العراق المعاصر أن غياب “الأصالة العراقية” في السياسة والفكر كان سمة ملازمة للدولة منذ عقود، بل أن كل ما ساد المشهد العراقي في الخمسينيات والستسنيات وما بعدها من أيديولوجيات كبرى لم يكن سوى نتاج “استيراد فكري” عابر للحدود.

 فحزب (البعث) بجهازه المفاهيمي وأيديولوجيته لم يكن عراقيا، بل نبتت افكاره على أنقاض الثقافة الرومانسية الأوروبية بتدبير السوري ميشيل عفلق، وظل (البعث) العراقي لسنوات يتلقى توجيهاته السياسية وقوالبه التنظيمية من المركز في دمشق عبر ميشيل عفلق وصلاح البيطار. وحتى آلة القمع والترهيب التي أدارها النظام (البعثي) لاحقاً، كانت في جوهرها “ستالينية مستوردة” بأساليبها البوليسية الممنهجة، وإن كانت روح هذا القمع والعنف الدموي فيها عراقية بامتياز.

ولا يمكن استثناء اليسار عن هذا المشهد، إذ تم استيراد الشيوعية بصورة حرفية وعمياء، فكرياً وثقافياً من الاتحاد السوفيتي ومرجعياته الماركسية اللينينية. حتى عندما شكّل الشيوعيون مليشياتهم المسلحة، لم يكن فيها شيء عراقي سوى العنف، بل كانت استيردا من نموذج “لجان المقاومة الشعبية” السوفيتية المعروفة بـ “البارتيزان”. ولايزال الشيوعيون المتبقون في العراق عالقين في ذلك النموذج المستورد دون تطوير أو تحديث.

والأمر نفسه سيان مع القومية في العراق، فهي الأخرى تم استيرادها عبر جمال عبد الناصر، وتحولت إلى شعار شعبوي ملهم ودموي في آن واحد، لتصبح أداة للاقتتال العراقي الداخلي والتنكيل السياسي والوصول الى السلطة، حيث استخدمها عبد الناصر لإضعاف الحكومات العراقية وبسط نفوذه في العراق والمنطقة، رغم أن شخصية مثل نوري السعيد -الذي اعتُبر مقتلُه انتصاراً للوحدة العربية- كان قد ناضل من أجل الاستقلال العربي والقومية العربية قبل ولادة عبد الناصر نفسه.

ربما ثمة الكثير من الأشياء غير العراقية في بنية المجتمع والسياسة والدين والثقافة والفنون التي لم يتسع المجال لحصرها هنا، غير أن التساؤل الجوهري يظل قائماً حول مدى وجود منتج عراقي خالص في الحكم والسياسة والشؤون الدينية وسط ركام هذه الواردات الأجنبية… هل بات العراقيون عاجزين حقّاً عن تخليق نموذج فكري عراقي كامل الدسم؟ أم سيظلون مدمنين على استهلاك النماذج المستوردة في كل شيء وعلى رأسها إدارة الدولة وفلسفة الحكم؟

المزيد عن آراء

آراء

آراء","field":"name"}],"number":1,"meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":33907}" data-page="1" data-max-pages="1" data-start="1" data-end="1">