تقارير إخبارية: العراق “ساحةٌ حرب” بخمسِ إرادات متقاطعة وفي ظل إطار حاكم يمارس سياسة تبادل الأدوار

العراق “ساحةٌ حرب” بخمسِ إرادات متقاطعة وفي ظل إطار حاكم يمارس سياسة تبادل الأدوار

ما يجري في العراق من صراع متعدد الوجوه، وما يتعرض له من هجمات مختلفة الهويات، يكشف عن بنية دولة تُدار بين قوسين، أحدهما يمثّل مؤسساتها الرسمية وحكومتها المنتخبة، وآخر يمثّل فاعليها المسلحين الذين يخوضون معاركهم بمنطق مصالحهم الخاصة، بينهما تسعى بغداد للإمساك بخيوط ثلاثة في آنٍ واحد: التنسيق مع واشنطن التي تضربها، والتفاهم مع فصائل لا تعترف بسلطتها، والحفاظ على علاقات متوازنة مع دول الجوار التي تستقبل هجمات لا تستطيع منعها.

خلال الإسبوع الأخير من آذار/مارس 2026، كان العراق يعيش خمسة مشاهد في آنٍ واحد: حكومةٌ على الحياد تتفاوض وتُصدر بيانات الإدانة، وفصائلٌ مسلحة تُنفّذ هجمات متتالية في الداخل والخارج، وطائراتٌ حربية تخترق الأجواء فوق مدن مأهولة، وست دول عربية مجاورة توجّه احتجاجاً جماعياً لبغداد، ومحور واشنطن-تل أبيب يضرب أهداف مختارة ويتفاوض في الوقت ذاته.

هذه ليست حالةً استثنائية من تداخل الجبهات وتضارب التوجهات، بل هو نموذج يُعرَّف به العراق منذ اندلاع حرب الشرق الأوسط في الثامن والعشرين من شباط/فبراير الماضي، وحتى قبل ذلك التاريخ حيث ظلت البلاد مسلوبة السيادة والقرار ورهينة لتدخلات دول مختلفة تملك مساحات نفوذ وسيطرة.

حين يسبق القصفُ التنسيقَ

في صباح الخامس والعشرين من آذار/مارس، تعرّض مستوصف الحبانية العسكري وشعبة أشغال الحبانية التابعة لوزارة الدفاع لضربة جوية أعقبها قصف بمدفع الطائرة، ما أسفر عن مقتل سبعة جنود وإصابة ثلاثة عشر آخرين. لم يكن هذا حادثاً منفرداً؛ فقد جاء بعد أقل من ثماني وأربعين ساعة على ضربة سابقة استهدفت موقعاً قريباً لقوات الحشد الشعبي وأسفرت عن مقتل خمسة عشر عنصراً، كان من بينهم قائد عمليات الأنبار.

يصف ناجون من الوحدة الطبية لحظات الهجوم على الموقع التابع للجيش العراقي، بأنها كانت كارثية، فالضربة الأولى أعقبتها غارة ثانية استهدفت فرق الإنقاذ أثناء محاولتها إسعاف المصابين.

ما يجعل الهجوم يحمل دلالات خاصة، انه جاء بعد ساعات من إقرار المجلس الوزاري للأمن الوطني حقَّ الرد على أي اعتداء يستهدف مقار التشكيلات الأمنية والقوات المسلحة. كما ان الهجوم حصل في ظل وجود اتفاقية أمنية بين بغداد وواشنطن.

ثم توالت الهجمات، التي أوقعت أيضا خسائر بشرية، وان لم تكن بذات الحجم، كونها في الغالب طالت مواقع عسكرية أخليت من عناصرها، على الرغم من اعلانات متكررة عن هُدَن محددة.

هذه الوقائع، تُلخّص المعضلة العراقية في أبسط صورها: الدولة تُصدر قراراتها، والساحة الميدانية تتحرك وفق منطقها الخاص أو ما تتلقاه من تعليمات خارج الدولة.

وسط لهيب الضربات غير المسبوقة، أكتفت الحكومة العراقية باستدعاء القائم بالأعمال الأمريكي احتجاجاً، وأصدرت وزارة الدفاع بياناً وصفت فيه الاستهداف بأنه “عمل مرفوض وغير مقبول”، وأكد قائد عمليات الأنبار أن هذا القصف يمثّل الاستهداف الثامن من نوعه. غير أن الاحتجاج شيء، والقدرة على الردع شيء آخر.

المتحدث باسم كتلة الصادقون النيابية محمد البلداوي لا يرى في ذلك مفاجأةً: فهو يعتبر أن الاتفاقية الأمنية مع واشنطن لم تُثبت جدواها منذ إبرامها، مستشهداً بأن الجانب الأمريكي “أحجم عن ردع تمدد تنظيم داعش بعد 2011، بل رُصدت في تلك المرحلة حالات دعم قُدّمت للمجموعات المسلحة”.

أما الخبير القانوني علي التميمي، فيضع الأمر في إطاره القانوني الدولي، مؤكداً أن استهداف هيئة الحشد الشعبي بوصفها مؤسسةً رسميةً مستندةً إلى القانون رقم 40 لسنة 2016 يُصنَّف وفق القانون الدولي اعتداءً على الدولة ذاتها، ويمنح بغداد الحق في التقدم بشكوى رسمية إلى مجلس الأمن.

لكن باحثين في المجال القانوني، يتساءلون عن جدوى تقديم الشكاوى وسط عشرات الخروقات للقوانين الدولية في المعارك التي تشهدها المنطقة، ومع عجز منظومة القوانين الدولية بنحو عام، أمام منطق القوة الذي تنتهجه الدول الكبرى.

لجنة التنسيق: خطوة إلى الأمام أم إدارة للأزمة؟

في مساء السابع والعشرين من مارس، أعلنت قيادة العمليات المشتركة تشكيل لجنة تنسيق مشتركة عليا بين العراق والولايات المتحدة. وجاء في بيان اللجنة أن الجانبين قررا تكثيف التعاون لمنع الهجمات الإرهابية وضمان عدم استخدام الأراضي العراقية كنقطة انطلاق لأي عدوان ضد الشعب العراقي والقوات الأمنية العراقية، وكذلك ضد الأفراد الأمريكيين والبعثات الدبلوماسية.

على الورق، تبدو الخطوة منطقية. لكن السياق الذي أحاط بها يطرح تساؤلات جدية حول طبيعة هذا التنسيق ومداه الفعلي. فقبل أيام قليلة من إعلان اللجنة، دعت كل من السعودية والكويت والإمارات والبحرين وقطر والأردن العراقَ إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة لوقف الهجمات التي تشنّها الفصائل المسلحة نحو أراضيها. وأعلن العراق رفضه لأي اعتداء يطال هذه الدول من أراضيه. لكن الهجمات لم تتوقف من الأطراف المختلفة.

في الليلة ذاتها التي أُعلنت فيها لجنة التنسيق، استهدفت مسيّرة مركزَ الدعم الدبلوماسي التابع للسفارة الأمريكية والواقع في مجمع مطار بغداد الدولي. وبمعزل عن الجهة المنفّذة، فإن توقيت الهجوم في ذاته يكشف الهوّة بين بيانات التنسيق والواقع الميداني.

يرى الخبير العسكري اللبناني العميد حسن جوني، أن اتساع رقعة العمليات من العراق وإليه، يظهر انه تحول “مسرحاً ثانوياً” للحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، مشيراً إلى أن زخم هجمات الفصائل ضد القوات الأمريكية تضاعف في النصف الثاني من آذار/مارس. وهذا يعني أن التنسيق بين بغداد وواشنطن – مهما بلغت درجته – يصطدم بمعادلة تتجاوز القرار العراقي المستقل.

فيما يُشخّص رئيس رابطة المحللين السياسيين هادي جلو مرعي هذه المعضلة بدقة، إذ يرى أن صانع القرار العراقي يواجه حرجاً حقيقياً بسبب التشابك المعقد في علاقاته مع واشنطن وطهران ودول الجوار في آنٍ واحد. وهو حرج لا يُحلّه بيان مشترك، ولا تُزيله لجنةٌ تنسيقية.

“الحكومة العراقية ليست عاجزةً بالكامل، لكنها ليست قادرةً بالكامل أيضاً. هذا الفارق الدقيق، هو الذي يجعل العراق يقف اليوم في منطقة رمادية بامتياز: لا هو في الحرب رسمياً، ولا هو خارجها فعلياً”

الإطار التنسيقي: وحدة الخطاب وتعدد المواقف

لا تقف التعقيدات عند حدود العلاقة مع واشنطن، بل تمتد إلى داخل المنظومة السياسية التي تشكل الحكومة. فـ”الإطار التنسيقي” الحاكم الفعلي للبلاد، والذي يُقدَّم في الخطاب الرسمي ككتلةً متماسكة ذات قرار واحد، يُخفي في الواقع تبايناً واضحاً في الرؤى والمواقف، وعجزا عن اتخاذ قرار موحد.

على المستوى المُعلَن، تتبنّى أغلب قوى الإطار خطاباً يدعو إلى “الحياد” وعدم توريط العراق في صراعات الإقليم.

يقول المتحدث باسم كتلة “الصادقون” محمد البلداوي، ان قوى الإطار مجمعة على أن يكون قرار السلم والحرب “بيد العراقيين حصراً”، وأن ما يجري هو “حرب مفروضة” لا خيار لهم فيها.

لكن هذه الصياغة المطاطية تتيح لكل طرف تفسيرها بما يناسب موقفه. ويرى باحثون في الشأن السياسي، انها تمثل تهربا من اعلان موقف محدد وصريح يمكن أن تحاسب عليه لاحقاً من الطرف الذي سيفرض ارادته على الدولة العراقية بعد الحرب.

على الطرف الآخر من المعادلة، تعلن فصائل “ما تعرف بالمقاومة”، كحركة “النجباء” وكتائب “حزب الله” صراحةً، أنها خارج إطار القرار الرسمي الحكومي ولن تلتزم به، وهي تمضي في خيار المقاومة المسلحة.

ويصف عضو المجلس السياسي لحركة “النجباء” حسين عباس، بعض السياسيين الذين يتعاطون مع الاتفاقيات الأمنية بأنهم “لاهثون خلف المناصب والنفوذ”، بل يُوجّه انتقاداً صريحاً للقائد العام للقوات المسلحة، واصفاً تحركاته بـ”التعاطي السلبي” مع الاستهدافات المتكررة التي تتعرض لها القوى العراقية.

كما يلمح إلى وجود جهات اختارت “الوقوف على التل” بعد أن “تحوّلت إلى فصائل سياسية تمارس مقاومتها عبر القنوات البرلمانية فحسب”.

هذه الإشارة الضمنية تكشف أن الخلاف ليس بين معسكرين منفصلين – موالٍ لإيران وموالٍ لأمريكا – بل هو أعمق من ذلك: إنه خلاف حول تعريف الدور ذاته، وحول من يحق له حمل “راية المقاومة”، ومن يُعدّ قد تخلّى عنها.

وفي المقابل، جدّدت كتائب حزب الله وقف استهداف “سفارة واشنطن” لخمسة أيام إضافية، بموجب شروط وضعتها هي كما تقول، وهو ما يُعبّر بوضوح عن نمط مختلف في إدارة الصراع: ليس وقفاً للعمليات، بل تنظيم ذاتي مشروط يُبقي زمام المبادرة بيد الفصيل لا بيد الدولة.

المحلل السياسي هادي جلو مرعي، يشير الى تعقيدات الصراع، اذ يقول ان بعض الفصائل تُعلن صراحةً أنها خارج إطار القرار الحكومي، وأن المعيار الحقيقي لأي موقف ليس التصريحات بل الفعل والوضوح في تبني العمليات أو نفيها. وهذا المعيار وحده كافٍ لكشف حجم الفجوة بين البيانات الرسمية وخريطة الفاعلين الفعليين.

وحول هذا “التضارب الإطاري”، يكشف مصدر في “المقاومة الإسلامية في العراق” طلب عدم ذكر اسمه، عن طبيعة “الخارطة السياسية داخل الإطار التنسيقي”، مُقرّاً بوجود تباين وانقسام في الرؤى تجاه عمليات الفصائل المسلحة، مصنفاً المواقف إلى عدة اتجاهات.

ويشير إلى أن “تيار الحكمة”، وبعض التكتلات التي تصف نفسها بالليبرالية أو المدنية داخل الإطار، يميلون إلى إيقاف عمليات الفصائل رغبةً منهم في عدم إقحام العراق في مواجهات مباشرة، رغم إقرارهم بانتهاك السيادة.

أما حركة “العصائب” فهي، وفقاً للمصدر”لا تزال متمسكة بمبدأ المقاومة ولم يصدُر عنها خلاف ذلك”، مشيراً إلى أن انخراطهم في العمل السياسي قد يفرض عليهم “سياقات معينة”، لكنهم يبقون مقاومين وفاعلين في المجريات الأمنية والعسكرية. وهو ما يمكن تفسيره بأنهم داعمون لهجمات المقاومة لكن من دون اعلان.

كما ساق المصدر اتهامات خطيرة تجاه “كتلة الإعمار والتنمية التابعة لرئيس الوزراء”، مبيناً أن هناك تقارير لدى الفصائل تشير إلى قيام جهات أمنية مرتبطة بهذه الكتلة بتزويد “الأطراف المعادية” بإحداثيات ومعلومات استخباراتية تستهدف “ضرب فصائل” المقاومة بشكل مباشر.

الدولة في مواجهة نفسها

في خضم ذلك، يظل السوداني يُكرر موقفه بأن العراق لن ينجرّ إلى الصراع، والدولة وحدها تملك قرار الحرب والسلم. وهو موقف واضح. غير أنه يتصادم مع الوقائع على الأرض، ويكشف عجز أصحاب القرار الحكومي. فحين تُشنّ ضربات على مناطق يتواجد فيها الجيش العراقي إلى جانب الحشد الشعبي، وحين يُقتل جنود وهم يؤدون واجبهم، وحين تخترق طائراتٌ مسيّرة الأجواء العراقية دون أن يُفضي ذلك إلى استجابة ورد رادع، فإن الدولة تجد نفسها في مواجهة أسئلة لا تُجيب عنها البيانات.

الخبير القانوني علي التميمي، يرى أن العراق يمتلك أدواتٍ قانونيةً كافيةً لتدويل هذه الانتهاكات والمطالبة بالمحاسبة، غير أنه يُشدّد على أن الدبلوماسية ووزارة الخارجية بحاجة إلى تحرك أكثر حسماً وعجالة. وهذا يظهر ان التحرك الدبلوماسي – السياسي العراقي لم يبلغ بعد مستوى الحدث.

يتجاوز ما يجري في العراق اليوم كونه أزمةً عابرةً تنتظر حلاً دبلوماسياً- سياسياً. إنه كشفٌ بالمجهر لبنية دولة تُدار بين قوسين: قوسٌ يمثّل مؤسساتها الرسمية وحكومتها المنتخبة، وقوسٌ يمثّل فاعليها المسلحين الذين يخوضون معاركهم بمنطق الإقليم ومصالحهم الخاصة لا بمنطق الدولة. بينهما، تسعى بغداد للإمساك بخيوط ثلاثة في آنٍ واحد: التنسيق مع واشنطن التي تضربها، والتفاهم مع فصائل لا تعترف بسلطتها، والحفاظ على علاقات متوازنة مع دول الجوار التي تستقبل هجمات لم تأذن بها.

يصف المحلل جلو مرعي، الوضع القائم، بأنه نتيجة لواقع معقد متعدد الفاعلين، لكنه مبني على ادراك أن دخول الجيش الرسمي في مواجهة مباشرة قد يعرّض الدولة برمتها للدمار، بينما يُبقي “عمل الفصائل حصرا” نطاق المواجهة محدوداً ومكشوفاً. وهو وصف يحمل في طياته قدراً من الواقعية لا يُصرَّح به في البيانات الرسمية.

الحكومة العراقية ليست عاجزةً بالكامل، لكنها ليست قادرةً بالكامل أيضاً. هذا الفارق الدقيق، هو الذي يجعل العراق يقف اليوم في منطقة رمادية بامتياز: لا هو في الحرب رسمياً، ولا هو خارجها فعلياً.

المزيد عن تقارير إخبارية

تقارير إخبارية","field":"name"}],"number":1,"meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":33887}" data-page="1" data-max-pages="1" data-start="1" data-end="1">