تحليل: لماذا لا يمتلك العراق سياسة خارجية واضحة؟

لماذا لا يمتلك العراق سياسة خارجية واضحة؟

قبل الدخول في مناقشة “السياسة الخارجية” للعراق، لا بد من المرور عند الأعمدة الأساسية التي يُشَيَّدُ عليها بناءُ السياسة الخارجية؛ لأن الخلل في الحالة العراقية لا يقف عند مستوى الممارسة فحسب، بل يسبقها إلى مستوى الفهم والتصور. على اعتبار أن السياسة الخارجية هي عملية حوكمة خارجية لها أبعاد عدّة، منها البعد المصلحي العقلاني والبعد القيمي والمعياري وكذلك البعد المؤسساتي التعددي، لذا فإن غياب التعريف الدقيق للمفاهيم يؤدي إلى سياسات مضطربة حتى وإن توفرت النوايا أو الأدوات.

ببساطة، السياسة الخارجية هي مجموع القرارات والممارسات التي تعتمدها الدولة لتنظيم علاقاتها مع الدول الأخرى والفاعلين الدوليين، بهدف حماية المصلحة الوطنية، وضمان الأمن، وتعظيم المكاسب السياسية والاقتصادية. وهي ليست فقط نتاجاً لبيانات رسمية أو زيارات دبلوماسية معزولة، بل نتيجة عملية مؤسسية مركّبة تشمل تعريف المصلحة الوطنية، وتحديد التهديدات والفرص، واختيار الأدوات المناسبة، ثم التنفيذ والمتابعة والتقييم. أما صناعة السياسة الخارجية فهي عملية تمر بـ3 مراحل مترابطة. الأولى هي الإدراك والتشخيص، أي كيفية رؤية الدولة لنفسها ولمحيطها الإقليمي والدولي. والمرحلة الثانية هي مرحلة القرار، حيث يُطرح سؤال من يقرر وكيف، وفي أي إطار مؤسسي. أما الثالثة فهي مرحلة السلوك الخارجي، أي ترجمة القرار إلى مواقف وتحركات عملية.

ينعكس أيّ خلل في إحدى هذه المراحل، كسياسة خارجية مرتبكة أو متناقضة. وهذا ما يمكن وضعه ضمن ما بات يعرف بمصطلح الاستراتيجية الكبرى  (Grand Strategy)التي تمثل الإطار الذي يربط بين أهداف الدولة السياسية طويلة الأمد ومواردها الداخلية وأدواتها الخارجية. هي التي تجيب عن سؤال الموقع والدور، أين تريد الدولة أن تكون بعد 10 أو 20 سنة؟ وبدون هذا الإطار، تتحول السياسة الخارجية إلى ادارة أزمات آنية بدل أن تكون توجيهاً استراتيجياً للمستقبل. انطلاقاً من هذه التعريفات، يتبين أن مشكلة العراق لا تكمن في غياب الدبلوماسيين أو العلاقات الخارجية، بل في غياب الدولة بوصفها مركز قرار موحّد قادر على إنتاج سياسة خارجية واضحة ومستقرة. ويتجلى ذلك بوضوح عند تحليل مراكز التأثير الأربعة في السياسة الخارجية العراقية.

بغداد .. الدولة بلا احتكار للقرار

تمثل بغداد، من حيث المبدأ الدستوري، مركز صنع السياسة الخارجية العراقية؛ فهي العاصمة التي تضم رئاسة الوزراء ووزارة الخارجية والبرلمان، وهي المؤسسات المخولة رسمياً بإدارة علاقات العراق الخارجية. ووفقا للدستور، وعلى الرغم من كون السياسة الخارجية نظرياً تُعَدُ من الاختصاصات الحصرية للحكومة الاتحادية. إلّا أن ذلك لا ينعكس عملياً على أرض الواقع. حيث تعاني صناعة السياسة الخارجية في بغداد من ثلاث مشكلات بنيوية رئيسية. الأولى هي غموض مركز القرار، حيث يتداخل دور السلطة التنفيذية مع السلطة التشريعية، وتفرض الكتل السياسية منطق التوافق والمساومة على القرار الخارجي. فيتحول هذا القرار من خيار استراتيجي وطني إلى نتيجة تفاوض داخلي هش. الثانية هي ضعف المؤسسية، إذ تُدار السياسة الخارجية في كثير من الأحيان بمنطق الأشخاص والولاءات السياسية، لا بمنطق التخطيط طويل الأمد. أما المشكلة الثالثة فهي غياب الاستمرارية، حيث يتغير الخطاب الخارجي بتغير الحكومات، ما يفقد العراق مصداقيته كشريك دولي مستقر.

إلى جانب ذلك، تعاني بغداد من انفصال واضح بين القرار السياسي والتنفيذ الدبلوماسي. فكثير من المواقف الخارجية تُصاغ داخل أطر حزبية أو أمنية أو تفاوضية داخلية، ثم تُحمَّل لوزارة الخارجية بوصفها امر واقع. هذا الواقع يحوّل الوزارة من صانع سياسة إلى جهة تنفيذية محدودة الصلاحيات، ويقوّض قدرتها على بناء علاقات استراتيجية حقيقية مع شركاء أو حلفاء محتملين. في ظل غياب استراتيجية كبرى، تتحرك بغداد بسياسة رد الفعل. فهي تسعى إلى تحقيق توازن اضطراري بين قوى إقليمية ودولية متصارعة، دون أن تمتلك تصوراً واضحاً لموقعها أو دورها. لذلك تبدو السياسة الخارجية العراقية متناقضة ومبهمة في أغلب الأحيان وتعكس حالة إدارة أزمات لا إدارة مصالح.

وعلى الرغم من مركزية بغداد، ودستوريتها كمحرّك ومحتكر للسياسة الخارجية،  تعاني تنافساً داخلياً من مراكز أخرى، مراكز إما تتحرّك خارجياً بمعزل عن العاصمة، ولمصلحتها بالطبع حتى وإن تضاربت مع المصلحة الاتحادية، أو تحاول التأثير على السلوك البغدادي الخارجي.

اقليم كردستان.. الفاعل شبه الدولي

لطالما حرص إقليم كردستان العراق على أن يكون له نمطٌ خاص من السياسة الخارجية، يقترب في كثير من جوانبه من سياسة خارجية شبه مستقلة عن المركز. يعكس هذا الواقع المنبثق من الطموح الكردي التاريخي بدولة مستقلة، فراغاً بنيوياً في الإطار الاتحادي المنظم للعلاقات الخارجية. إذ يمتلك الإقليم أدوات خاصة في علاقاته الخارجية، تشمل علاقات اقتصادية مباشرة، وشبكة تمثيل خارجي غير رسمية. مكّنته من بناء علاقات مستقلة نسبياً عن بغداد، لكنها في الوقت ذاته أضعفت فكرة السياسة الخارجية الموحدة.

الإشكال الأعمق لا يكمن في وجود هذا الدور بحد ذاته، بل في غياب آلية وطنية تنظم العلاقة بين بغداد وأربيل ضمن استراتيجية واحدة. فبدل أن يكون الإقليم رافعة إضافية للسياسة الخارجية العراقية، يتحول في أحيان كثيرة إلى مسار تفاوض بديل عن بغداد، وضاغط عليها. هذا الوضع يمنح الأطراف الخارجية فرصة للمفاضلة بين بغداد وأربيل وفق مصالحها التي ستفضّل بقاء هذه الثنائية على اندماجها، ما يضعف الموقف التفاوضي العراقي ككل.

غياب الاستراتيجية الكبرى يجعل العلاقة بين المركز والإقليم علاقة إدارة خلافات مستمرة، لا علاقة توزيع أدوار داخل رؤية وطنية واحدة، وهو ما يرسخ ازدواجية الخطاب الخارجي.

النجف.. السلطة المعيارية خارج الدولة

تمثل الرمزية الروحية للنجف، أحد أكثر الفاعلين تأثيراً في المجال السياسي العام، بما في ذلك تعريف المصلحة الوطنية وحدود السلوك الخارجي. يستند هذا التأثير إلى الشرعية الدينية والرمزية، لا إلى أدوات السياسة الخارجية التقليدية. من منظور بنائي، تلعب النجف دوراً مهماً في تشكيل الإدراك الجمعي لما هو مقبول وغير مقبول في السياسة الخارجية، خصوصاً في قضايا السيادة، العنف، والانخراط في الصراعات الإقليمية. فهي تحدد الإطار الأخلاقي العام، وتضع خطوطاً حمراء تضبط سلوك الفاعلين السياسيين. غير أن الإشكالية تكمن في أن هذا الدور المعياري لا يندمج ضمن عملية صنع قرار مؤسسية. فالنجف قادرة على منع مسارات معينة أو منح شرعية أخلاقية لمسارات أخرى، لكنها لا تشارك في رسم استراتيجية خارجية شاملة. هذا يخلق فجوة واضحة بين التوجيه القيمي من جهة، والتنفيذ السياسي من جهة أخرى. وهذه الفجوة تسمح للنخب السياسية بالتحرك داخل مساحة رمادية، حيث يمكن تبرير سياسات متناقضة بالاستناد إلى غياب موقف تنفيذي مباشر. وبذلك يتحول الدور الأخلاقي إلى عنصر ضبط عام، لا إلى جزء من سياسة خارجية متماسكة قابلة للاستدامة.

المحافظات الغربية(السُنية).. الجغرافيا خارج القرار

لا تصنع المحافظات الغربية سياسة خارجية بالمعنى المؤسسي، لكنها تشكّل أحد أكثر عناصر السياسة الخارجية حساسية. فموقعها الجغرافي، وتركيبتها الاجتماعية-ذات الغالبية السُنية-، وتاريخها مع الصراع، جعلها ساحة مفتوحة لتقاطعات إقليمية ودولية. وغياب التمثيل السياسي الفاعل لهذه المناطق في مركز القرار الخارجي أدى إلى اختزالها في الخطاب الأمني والطائفي، بدل التعامل معها كشريك في تعريف المصلحة الوطنية. وغالباً ما تُدار ملفاتها عبر وسطاء إقليميين أو دوليين، لا عبر الدولة المركزية، ما يضعف سيادة القرار الوطني. وهذا الواقع ينتج أثرين متلازمين، الأول هو تعميق شعور التهميش السياسي لدى هذه المناطق على الرغم من تمثيلها البرلماني والتفيذي، والثاني هو تحويل الجغرافيا إلى نقطة اختراق للسياسة الخارجية العراقية. وبهذا المعنى، تتحول المحافظات الغربية من عنصر قوة جغرافية إلى نقطة ضعف تفاوضية.

دور الطرف الخارجي في تشتيت السياسة العراقية

لا يمكن فهم غياب السياسة الخارجية الواضحة والمتماسكة في العراق بمعزل عن دور الأطراف الخارجية. فقد تعاملت قوى إقليمية ودولية مع العراق باعتباره مجموعة سلطات وهويات، لا دولة موحدة. فُضّل التعامل مع سلطات ذات لون عرقي أو مذهبي معين، على حساب مؤسسات الدولة الرسمية. فتركيا تميل للتفاوض مع القيادات السنية في المناطق الغربية وبغداد، وتميل إيران للتفاوض مع القيادات الشيعية في النجف وبغداد، وغالباً ما تلتفّ واشنطن على بغداد وتنفذ ما تريده في الاقليم أو في العراق كله، وبالطبع، لا تفضّل الدول العربية، وخصوصاً تلك التي تقف مع الدول الخليجية، شخصيات شيعية.

إن وجود أبواباً دبلوماسية متعدّدة للعراق، يعني وجود تعدّد خطوط التفاوض على الأمر ذاته مع جهات مختلفة في كل مرة، فما لا تقبله بغداد قد يقبله الإقليم الكردي، وما لا يرحب به الإقليم قد تفتح له النجف بابها. هذا النمط من التفاعل عزّز الانقسام الداخلي، وشجع الفاعلين المحليين على البحث عن شرعية خارجية بديلة عن الشرعية الوطنية. ورغم أن هذا السلوك الخارجي يستند إلى هشاشة الداخل، إلّا أنّه أسهم بشكل مباشر في تشتيت القرار العراقي وإضعاف مركز الدولة.

من النظرية الى الواقع

يتجلى غياب السياسة الخارجية الواضحة في سلوك العراق خلال الأزمات الإقليمية والدولية المتكررة. ففي كلّ مرة تتصاعد فيها التوترات بين قوى كبرى، يجد العراق نفسه مطالباً باتخاذ موقف لا يمتلك أدوات حمايته ولا إطاراً استراتيجياً يدعمه. ما يجعل القرار العراقي الخارجي خاضعاً لمنطق احتواء الضرر بدلاً تعظيم المكاسب الذي يعتبر الهدف الاساسي من أي سياسة خارجية. تُدار الأزمات بتوازن هش، سرعان ما ينهار مع أيّ تغيّر في البيئة الإقليمية. وهذا يؤكد أنّ المشكلة ليست في طبيعة الأزمات، بل في غياب الإطار الذي يحتويها.

النتائج المتوقعة

إذا استمر العراق بلا استراتيجية كبرى وبلا مركز قرار موحد، فإن النتائج المتوقعة تشمل استمرار تحوله إلى ساحة صراع إقليمي، وتآكل السيادة الفعلية، وضعف القدرة على بناء شراكات اقتصادية طويلة الأمد، وتحول السياسة الخارجية إلى أداة صراع داخلي بين النخب. إن غياب السياسة الخارجية الواضحة في العراق لا يُعتبر خللاً تقنياً يمكن معالجته بإصلاحات شكلية، بل هو تعبير عن أزمة دولة وهوية وقرار. ما لم يُعاد تعريف المصلحة الوطنية، وبناء استراتيجية كبرى، وتوحيد مراكز صنع القرار، سيبقى العراق حاضراً في سياسات الآخرين كملف، وغائباً عن سياسته الخارجية الخاصة.

أزمة الهوية وتأثيرها في السياسة الخارجية

ستبقى أكبر التحديات في السياسة الخارجية العراقية هي عدم انطلاق القوى السياسية العراقية من مبدأ المصلحة الوطنية في صناعتها لقرار السياسة الخارجية، فمجمل المواقف العراقية الخارجية تكون متماهية مع مواقف الدول الأخرى المؤثرة في الشأن الداخلي العراقي، وبالتالي فإن أحد الأبعاد غير المعلنة في أزمة السياسة الخارجية العراقية يتمثل في أزمة الهوية الوطنية ذاتها. فالدولة التي لم تحسم سرديتها الداخلية، ولا تعريفها لذاتها، تجد صعوبة في تقديم نفسها خارجياً بوصفها كياناً متماسكاً.

في الحالة العراقية، ما زالت الهوية الوطنية تتنازعها هويات فرعية مذهبية وعرقية ومناطقية، تنعكس مباشرة على طريقة فهم المصلحة الوطنية. وهذا الانقسام الهوياتي يجعل السياسة الخارجية امتداداً للصراع الداخلي بدل أن تكون أداة لإدارته. فكل فاعل داخلي يميل إلى قراءة البيئة الإقليمية والدولية من زاويته الخاصة، ويسعى إلى بناء علاقات خارجية تخدم موقعه الداخلي، لا موقع الدولة ككل. ومع غياب إطار جامع، تتحول السياسة الخارجية إلى مساحة تنافس داخلي وخارجي مفتوحة.

 وزارة الخارجية بين المهنية والتهميش

رغم امتلاك العراق جهازاً دبلوماسياً مهني نسبياً، إلّا أن وزارة الخارجية بقيت على هامش عملية صنع القرار. فالقرارات الكبرى تُتخذ غالباً خارج الأطر المؤسسية، ثم تُحال إلى الوزارة للتنفيذ أو التبرير. هذا الواقع أضعف القدرة التفاوضية للعراق، وقلّص من دور الدبلوماسية الوقائية التي كان يمكن أن تقلل كلفة الأزمات.

يتطلب تحويل وزارة الخارجية إلى فاعل حقيقي إعادة تعريف علاقتها بمركز القرار السياسي، وإدماجها في مرحلة صناعة القرار لا الاكتفاء بمرحلة التنفيذ. دون ذلك ستبقى السياسة الخارجية العراقية فاقدة للتراكم والخبرة المؤسسية.

يمكن القول إن العراق لا يفتقر إلى الإمكانات الجغرافية أو البشرية لبناء سياسة خارجية واضحة، لكنه يفتقر إلى الإطار السياسي والمؤسسي الذي يحول هذه الإمكانات إلى قوة. إن استمرار الوضع الحالي يعني استمرار الدور الوظيفي للعراق كساحة توازنات لا كصانع توازن. أما الخروج من هذا المأزق، فيتطلب الاعتراف بأن السياسة الخارجية ليست ملفاً ثانوياً، بل جوهر ومرتكز السيادة الحقيقية.

المزيد عن تحليل

تحليل","field":"name"}],"number":1,"meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":33796}" data-page="1" data-max-pages="1" data-start="1" data-end="1">