

في لحظات الحروب الكبرى، لا تُختبر متانة الجيوش وقدرة الأنظمة السياسية على الصمود فحسب، بل تُوضع النخب أمام مرآة كاشفة حدّ القسوة، هل يصح قولنا “تفضح”؟ ربما تبدو الكلمة مشحونة أخلاقياً، لكن في سياق السوسيولوجيا الثقافية، الفضيحة هنا ليست سقوطاً أخلاقياً مجرداً، بل هي تعرية لبنية الوعي التي تتغطى بالحياد في زمن الرخاء.
ما يمكن تأكيده هنا، هو أن “التحليل البارد” وادعاء الوقوف على مسافة واحدة يتبخران مع أول صفارة إنذار، أو غارة مباغتة (على اعتبار أن العراق لا يمتلك صفارات إنذار أو لا يرغب بتشغيلها)، ليظهر المثقف كطرف مباشر في الصراع، لا كمراقب متعالٍ عليه، فتتحول الأقلام إلى بنادق، والورق إلى متاريس.
في تعريف المثقف: المفهوم الضائع بين اليونسكو والگهوة
قبل الغوص في وحل الخنادق، هل اتفقنا على صفة “المثقف” أو تعريفه؟ إذا عدنا لمعايير اليونسكو، سنجد المثقف “فاعلاً اجتماعياً” يمتلك إنتاجاً رمزياً (معرفياً، فكرياً، أو فنياً)، يسهم في تفسير الواقع ونقده، ويؤثر في الوعي العام وصياغة القيم، هو حارس التنوع، ومنارة الحوار، وحامي الميراث المادي وغير المادي.
بناءً على هذا، يفترض بالمثقف أن يكون إشكاليا في نقده، يمارس “الشكّ المنهجي” ويفكّك المسلّمات ويسائل البديهيات، مما يستوجب سعة في الاطلاع وعمقاً في المنهج يربط المقدمات بالنتائج بعيداً عن الشعبوية، ولكن حين نسقط هذه المظلة الواسعة على الواقع العراقي، نصطدم بحقيقة مغايرة تماماً.
في العراق، يكاد ينحصر دور “صانع الرأي العام” في فئة الشعراء، الذين “يتبعهم الغاوون” بالمعنى القرآني للانسياق العاطفي وراء جرس الكلمة لا عمق الفكرة، ولحق بهؤلاء فيلق من “محللي الفضاء الأزرق” (وسائل التواصل)، الذين يمتلكون مواهب بالجملة، ويوزعونها على كل حادثة محلية أو إقليمية أو دولية، ليخلطوا حابل الرأي العام، الشعبوي، بنابل القرار السياسي المتخبط، والشعبوي هو الآخر، محولّين المشهد الثقافي إلى سوق “هرج” سياسي يفتقر لأدنى معايير الانضباط المعرفي.
غياب العقلانية وسطوة الصفرية
إن العقلانية، التي تنافي بجوهرها روح الشعر المعتمدة على المبالغة والمجاز، تبدو غائبة تماماً عن الشارع العراقي في لحظة الحرب، وأنك مجبر منساق مع الجمع على الانحياز المسبق، نحن أمام عملية تفكيك منحاز، حيث النتائج معدة سلفاً قبل البدء بالبحث، يكون الخير والشر متغيران أساسيان في تحليل مواقع التواصل هذا، وليت الامر بهذه السهولة بالنسبة للباحثين.
تتغذى هذه الحالة من فكرة الموقف الأخلاقي الحتمي، وبغض النظر عن نسبية الأخلاق في السياسة، فإن الواقع العراقي يفرز تقسيماً ثنائياً: خيرٌ مطلق ضد شرٍّ مطلق، هذا التقسيم يريح الضمير الجمعي لكنه يغتال العقل البحثي، بالنسبة للباحث الحقيقي، الأمور ليست بهذه البساطة؛ فالحرب ليست مجرد صراع بين حق وباطل، بل هي تشابك مصالح، وصراع إرادات، ونتائج كارثية يدفع ثمنها من لا ناقة له فيها ولا جمل.
جيوبولتيك الحرب وثنائية التوحش والهوس بالعظمة
تخبرك مقدمات الحدث أن إيران جُرَّت الى حرب لم تردها، ولكنها من جانب آخر بنت عقيدة الردع لديها على أسس تجذب قوة كبرى يقودها شخص غير متزن مثل ترامب، ومتوحش عدائي مثل نتنياهو إلى الحرب بشكل بديهي، نحن أمام جبهة يقودها اليمين الإسرائيلي المتطرف بزعامة نتنياهو، الذي يرى الحرب مع إيران معادلة صفرية، يشترط فيها سحق الآخر لبقائه السياسي والشخصي، مستفيداً من تحوّلات دولية قد تأتي بشخصيات مثل ترامب، المعروف بنزعاته غير المتزنة وهوسه بالعظمة.
من يتحمل مسؤولية هذه الحرب؟ الإجابة ليست يسيرة، ولن يسعها مقال واحد، على الرغم من أنها ضرورية لفهم الصخب الثقافي في العراق، هذا الصخب ليس حواراً فكرياً، بل هو انعكاس لتموضعات القوى على الأرض، المثقف العراقي هنا لا يبحث عن الحقيقة، بل يبحث عن موقع داخل هذا الغليان.
ولكن، ما هي ركائز “المثقف العراقي” ومتغيرات تفسير موقفه؟
“الفندقة الثقافية” وضريبة المعيشة
لنعد إلى الأساس: أين يتحرك هؤلاء “المثقفون”؟ معظمهم يدور في فلكين ماليَين وإعلاميَين متناقضين:
الأول: محور “الدولة المول”: ونعني به النموذج الخليجي الذي نجح في صناعة “فندقة ثقافية” فخمة، عبر الجوائز الكبرى، والمؤتمرات الباذخة، والمنصات الإعلامية الضخمة، تم استقطاب جزء كبير من النخبة العراقية، هنا يصبح المثقف موظفاً بدرجة مفكر، يراعي محددات الممول ويتحرك في الهوامش المسموح بها، يشبه أدوار البعض من كبار الموظفين الحكوميين، مهرج بدرجة مستشار.
الثاني: محور “الخندق العقدي”: وهو المحور المرتبط بإيران وحلفائها في الداخل، هذا المحور يمتلك سلطة الأرض، والوظائف الحكومية، والسيوف التي قد تُشهر في وجه المخالف.
وقع المثقف العراقي بين “بريق الدولار” و”سطوة المنحة ورهبة السيف”، كل كلمة يكتبها هي مغامرة قد تفقده أحد الموردين، لذا نجد توازناً قلقاً أو “انبطاحاً” كاملاً، الخيار هنا لم يعد أخلاقياً أو فكرياً، بل تحول إلى ضريبة معيشة، وطلبات أسرة والتزامات حياة كريمة في بلد يفتقر لمؤسسات ثقافية مستقلة تضمن كرامة المبدع بعيداً عن الاستقطاب السياسي.
المأزق الهوياتي.. أين مصلحة الشيعة فعلا؟
الأخطر في هذا المشهد هو تحول الموقف الثقافي إلى ثنائية طائفية حادة: إما أن تكون مع “معسكر الشيعة” أو ضدهم، هذا الخطاب السطحي يتجاهل سؤالاً جوهرياً: ما هي مصلحة الشيعة فعلياً في هذا الانخراط؟
تاريخياً، بعد عام 2003، تم تقديم الشيعة في واشنطن عبر نخب مثل (الجلبي، كنعان مكية، وفؤاد عجمي) بوصفهم رواد التحوّل الديمقراطي والبديل “العقلاني” للتطرف الذي وُصم به الجانب الآخر آنذاك، لكن بعد عقدين، وجد الشيعة أنفسهم في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، وانتقل التركيز الدولي إلى مصطلح “التطرف الشيعي”.
هل من مصلحة الشيعة، كأقلية في عالم إسلامي يشهد غلياناً هوياتياً وصعوداً جديداً للجهادية العالمية، أن يدخلوا في حرب استنزاف متعددة الجبهات؟ هل “الدولة” التي يقودونها اليوم قادرة على تحمل تبعات هذا الصدام؟ المثقف “الشيعي” هنا، بدلاً من أن يكون ناقداً لهذا المسار ومحللاً للمخاطر الوجودية، انخرط في الغالب في دور “المعبئ” أو “المبرر”، متجاهلاً أن دور المثقف هو حماية المجتمع من الانتحار الجماعي، لا تزيينه.
المثقف كموزع إجابات، لا مثير أسئلة..
بين هدير الصواريخ وأزيز المسيرات، يتلاشى صوت العقل، في هذه الظروف؛ يُفترض بالمثقف أن يقف في منطقة “الشك”؛ أن يفكّك الحدث، ويسأل عن المآلات، ويحذر من المنزلقات، لكن ما نراه هو الصمت الكئيب من البعض طلباً للسلامة، أو الصراخ الأيديولوجي من البعض الآخر طلباً للرضا.
لقد استبدل المثقف العراقي دوره التاريخي؛ فبدلاً من أن يطرح الأسئلة المقلقة التي تفتح آفاق التفكير، صار يوزع الإجابات الجاهزة التي تمنح الجماهير راحة مخدرة، هو لا يريد أن يبعث القلق الذي يقود للحياة، بل يريد منح اليقين الزائف الذي يقود إلى الخندق.
إن حروب الخنادق التي يخوضها المثقفون اليوم هي في جوهرها هزيمة للثقافة، حين يتحوّل المفكر إلى جندي في معركة لم يشارك في صياغة أهدافها، فإنه يفقد شرعية وجوده، العراق بحاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى، إلى مثقفين بلا خنادق؛ نخب تملك الشجاعة لقول لا للاستقطابات العمياء، وتمتلك القدرة على قراءة مصلحة الدولة والمجتمع بعيداً عن بريق المال أو رهبة السلاح.
الحرب ستنتهي يوماً، وستنجلي غبرتها المعتمة، لكننا سنكون امام مساءلة لا ترحم أولئك الذين استبدلوا التنوير ببندقية للإيجار، أو الذين صمتوا حين كان الكلام ديناً في رقابهم، إن استعادة دور المثقف تبدأ من استعادة استقلالية العقل، والجرأة على مساءلة الذات قبل مساءلة الآخر.
المزيد عن تحليل
تحليل","field":"name"}],"number":1,"meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":33803}" data-page="1" data-max-pages="1" data-start="1" data-end="1">







