آراء: الكُرد في المواجهة الأمريكية الإيرانية.. ورقة ضغط أم وقود حرب؟

الكُرد في المواجهة الأمريكية الإيرانية.. ورقة ضغط أم وقود حرب؟

مع تزايد وتيرة الهجمات الصاروخية وضربات الطائرات المسيّرة التي تشنّها الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وأحياناً الفصائل المسلحة العراقية التابعة لها، على مواقع أمنية وعسكرية واقتصادية في إقليم كردستان العراق، يتصاعد النقاش بشأن سبل تعامل قيادة الإقليم مع هذا الواقع المتأزم، وما ينبغي أن يكون عليه موقفه تجاه طهران والجماعات المهاجِمة.

ومع التكهناتُ المتصاعدة بشأن احتمال انخراط القوى الكردية الايرانية المعارضة في حراك مسلح داخل الأراضي الإيرانية، في ظل اتساع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، سيزداد المشهد الكردي تعقيدا مع سؤال رئيسي يفرض نفسه: ما الدور الذي ينبغي أن يضطلع به الكُرد في هذا الصراع؟ وهل يمكن لكرد دول الجوار الايراني أن يكونوا طرفاً في معادلته، وما النتائج المحتملة لذلك؟

تتفاوت الجماعات المسلحة الكردية في حجمها وقدراتها بشكل كبير؛ فمنها ما لا يكاد يُذكر تأثيره، ومنها ما يمكن ان يكون لاعباً مؤثراً في المشهد الإقليمي، كحزب العمال الكردستاني وعدد صغير من أحزاب المعارضة الكردية الإيرانية المتمركزة في إقليم كردستان العراق، وإن ظلّت الأخيرة مكبَّلةً بالتزامات أمنية تفرضها الاتفاقات المبرمة بين بغداد وطهران.

وعلى الرغم من الإشارات الأمريكية والإسرائيلية، التي تظهر استعدادا لدعم هذه القوات في مواجهة إيران، بالنقيض من تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنه لا يريد من الجماعات الكردية التوغل في الأراضي الإيرانية، فإن القدرات العسكرية الفعلية لتلك الأحزاب تبقى دون المستوى الذي يُهيِّئها للاشتباك مع الأجهزة العسكرية والأمنية لدولة بحجم الجمهورية الإسلامية بما تملكه من قدرات كبيرة حتى بعد كل الضربات التي تعرضت لها. وهذا يجعل اي تحرك للأحزاب الكردية الايرانية المعارضة ضعيفا ما لم تتلقى دعما من خارج الحدود.

كما ان هناك فارقا جوهريا، لا يمكن إغفاله بين التضامن المدفوع بالشعور القومي والتدخل العسكري الفعلي. فمن حق الكردي العراقي أن يتعاطف مع أخيه في كردستان إيران، وهو تضامن إنساني وقومي تجلّى سابقا في استقبال الكرد الايرانيين لمئات آلاف اللاجئين الكرد العراقيين الفارين من هجمات نظام حزب البعث إبّان أحداث عام 1991. بيد أن قرار دعم الانخراط في صراع عسكري شأنٌ مختلف كلياً؛ خاصة بما قد يحمله من حساسيات داخل العراق مع القوى الشيعية النافذة في الحكومة العراقية، نظراً للاعتبارات المذهبية والتعاطف الشعبي الشيعي.

ويبدي اقليم كردستان، رفضا واضحا لأي ضغوط او تحركات يمكن ان تؤدي الى تورطه في الحرب، خاصة ان ذلك الاحتمال يمكن ان يفتح الباب في العراق امام تحوّل الصراع إلى حريق طائفي كردي-شيعي يُهدد بفوضى كبيرة وحتى انهيار منظومة الحكم برمّتها التي تشكّلت بعد عام 2003.

كما ان هناك سؤالا جوهريا آخر يفرض نفسه وهو هل تسعى الولايات المتحدة فعلاً إلى إسقاط النظام الإيراني، أم أن ما تمارسه ليس سوى ضغط سياسي موجَّه لانتزاع مكاسب في المنطقة؟

فإن لم تكن واشنطن جادةً في ذلك، فلن تُفضي الورقة الكردية وحدها إلى نتيجة تُذكر في مواجهة الآلة العسكرية الإيرانية المدمرة. يُضاف إلى ذلك أن المشهد يفتقر إلى التحالفات الدولية التي اعتادت الولايات المتحدة تشكيلها قبل الإقدام على أي مواجهة كهذه، حتى في صراعاتها مع دول أقل قدرةً عسكرياً كأفغانستان والعراق.

والملف الكردي بطبيعته لا يقتصر على إيران، بل يمتد إلى أربع دول تضم الشعب الكردي منذ ما بعد الحرب العالمية الأولى، هي: العراق وإيران وتركيا وسوريا. وأي مسعى لإعادة رسم هذا الواقع سيُعرِّض المنطقة بأسرها لاضطراب استراتيجي عميق، لن تقبل به تركيا (العضو القوي في الناتو) بأي حال، وهي التي نظرت باستياء بالغ إلى الخريطة التي عرضها نتنياهو في الأمم المتحدة أواخر عام 2024 لشرق أوسط مُعاد تشكيله، مما دفعها إلى إطلاق مبادرة داخلية لمعالجة القضية الكردية عبر الحوار مع عبدالله اوجلان قائد حزب العمال الكردستاني المعتقل في جزيرة إمرالي، في مقابل نزع السلاح وإجراء تعديلات دستورية.

وفي سياق المعارضة الداخلية الإيرانية، لا توجد أحزاب ايرانية بارزة يمكن ان تدعم اي حراك كردي داخلي، ولعل اكثر القوى حضورا هي منظمة مجاهدي خلق بوصفها الفصيل الأقدم والأكبر والأكثر تنظيماً، غير أنها تفتقر إلى القبول الإقليمي الذي تمتعت به في الماضي، فيما تكتنف علاقتها بالكُرد حساسيةٌ سببها ارتباطها بنظام صدام حسين ومشاركتها في قمع انتفاضة آذار 1991.

وإلى جانب الكُرد، تُشكّل مناطق بلوشستان جنوب شرقي إيران بؤرة توتر محتملة، إذ يُمثّل البلوش السنة، الممتدون قومياً عبر إيران وباكستان وأفغانستان، نحو 4% من السكان الإيرانيين. لكنهم أيضا لا يملكون تنظيمات قوية يمكنها الانخراط في دعم انتفاضة داخلية.

ولا يمكن إغفال الثقل الأذري أيضاً؛ فالأذريون يُمثّلون ثاني أكبر مكوّن عرقي بعد الفرس بنسبة تزيد عن 16% من إجمالي السكان، لكن جزءا كبيرا من القيادة الإيرانية العليا في نظام الجمهورية الاسلامية ينتمي إلى هذه المجموعة، مما يجعل التمييز بين الولاء القومي والانتماء السياسي أمراً بالغ التعقيد.

في المحصلة، تتباين الآراء حول الدور الكردي المنتظر في مشهد الحرب التي قد تدخل مرحلة التوغل البري؛ فريق يُحذّر من الانزلاق إلى صراع لا مصلحة للكُرد فيه، ويعدّ ذلك ان حصل خطأً استراتيجياً قد يُبدّد رصيدهم التفاوضي المستقبلي ويُشتّت أولوياتهم الوطنية.

وفريق آخر، يرى ان هناك فرصة كردية ربما لن تتكرر، في الانخراط بالحرب ليكون الكرد لاعبين مؤثرين في القرار اذا ما تغير النظام الايراني، بالتوافق مع الأجندة الامريكية والإقليمية، لكن هذا الفريق يتجاهل المخاطر ولا يرى الهوّة الشاسعة بين ما يُلقى على عاتق الكرد من أعباء وما يملكونه فعلاً من إمكانات، خاصة ان المؤشرات الراهنة مازالت تُرجّح إمكانية إنهاء الصراع الدائر دون تغيير جذري في النظام الإيراني، مما يعني عودة الأمور إلى مربعها الأول، وبقاء الكُرد طرفا ضعيفا في معادلة قديمة لم تتغير بعد.

المزيد عن آراء

آراء

آراء","field":"name"}],"number":1,"meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":33741}" data-page="1" data-max-pages="1" data-start="1" data-end="1">