وفق مصادر صحفية أمريكية، بدأت الولايات المتحدة الأمريكية فعلياً بالتخطيط للتحول من اعتماد القصف الجوي المكثف الى تنفيذ عمليات برية داخل ايران والسيطرة على مناطق محدودة، لتحقيق أهداف الحرب المتعثرة ضد ايران.
هذا التوجه، على الرغم من عدم وضوح تفاصيله، يمثل مخاطرة أمريكية غير محسوبة العواقب، فالتجارب الأمريكية السابقة تظهر ان الغزو البري مكلف سياسيا وشعبيا، وتجارب العراق وأفغانستان مازالت حاضرة بقوة في الذاكرة الأمريكية.
ويواجه هذا التحول، من القصف الجوي الى العمليات البرية والسيطرة على مناطق داخل ايران، اذا أصبح واقعاً على الأرض، عقبات رئيسية:
أولا: التناقض داخل الطبقة الحاكمة في واشنطن، بوجود انقسامات بين جناح يتبنى المغامرة العسكرية المباشرة، وجناح يرى ان الانخراط في حرب برية شاملة سيكون كارثة استراتيجية بالنظر إلى تجارب الاحتلال السابقة في المنطقة. هذه الانقسامات تعكس صراعا داخل مراكز القرار الرأسمالي الأمريكي حول كيفية ادارة “الهيمنة” في ظل أزمة متعددة الأوجه.
ثانيا: البيئة الاقليمية: أي عملية برية داخل ايران ستواجه تعقيدات جيوسياسية هائلة مثل فتح وامتداد جبهات محتملة، قواعد امريكية محاصرة، وتحالفات متقلبة. وتدرك الطبقة العسكرية الامريكية مخاطر الانزلاق الى حرب برية بدون استراتيجية خروج واضحة وهو ما أسماه بعض منظريها “فخ الشرق الأوسط”. كما ان ايران لا تنظر الى الحرب البرية كمواجهة عسكرية فقط، بل كحرب استنزاف متعددة الجبهات وطويلة، ولديها أدوات للردع تجعل أي توغل بري مكلفا قبل أن يبدأ.
ثالثا: العامل الشعبي/المقاومة: التجارب التاريخية تظهر أن الرأسمالية الامريكية تستطيع بسهولة تدمير بنى تحتية بالقصف، لكنها تفشل في اخضاع مجتمع عقائدي يمتلك بنية تنظيمية صلبة وذاكرة لمقاومة الاحتلال. والجيش الأمريكي نفسه يمتلك تقارير داخلية (مثل مراجعات القيادة الامريكية المركزية بعد تجربة العراق) تشير الى ان العمليات البرية في بيئة عدائية دون غطاء من حكومة عميلة مستقرة هي وصفة لخسائر فادحة.
وهذا يطرح سؤالا مهما؛ هل الهدف من العملية البرية هو “احتلال دائم او مؤقت”، أم “تغيير النظام الحاكم”، أم اجبار النظام الحالي على تقديم تنازلات استراتيجية؟
اذا كان الهدف من العمل البري، هو الاحتلال فهذا يتطلب أولا نفقات هائلة (تكلفة الحرب العراقية تجاوزت 3 تريليونات دولار)، وهذا يتناقض مع رؤية النخب الأمريكية الحاكمة حاليا بضرورة تقليص العجز المالي وتثبيت استقرار الأسواق وتحقيق مكاسب اقتصادية- تجارية. أما إذا كان الهدف الأمريكي، محددا بفرض السيطرة على مناطق معينة، فهذا ممكن من الناحية التقنية، لكنه لن يكون ناجحا من زاوية المصالح الأمريكية، خاصة في ظل استمرار امتلاك ايران لقدرات صاروخية ومسيرات مؤثرة.
أما اذا كان الهدف “تغيير النظام” بكل ما سيعنيه ذلك من انتصار لأمريكا واسرائيل: فانه سيواجه مقاومة شعبية واسعة، بسبب تراكم تاريخي وصراع طبقي، خاصة اذا تبنى فكرة التواجد الطويل على الأرض لدعم النظام الجديد. فأي نظام يفرض بالدبابات الأمريكية سيواجه أزمة شرعية عميقة، وقد شهدنا ذلك في تجارب الدولة العميقة التي زرعتها واشنطن في المنطقة؛ فهي إما تنهار او تتحول الى بؤر فساد وصراع اهلي يزيد من تكلفة الهيمنة.
ان البعد الاقتصادي في نجاح الحرب بالنسبة للرأسمالية الأمريكية يقاس بقدرتها على تأمين شروط جديدة للاستثمار والسيطرة على الموارد. لكن إيران جزء من شبكة جيوسياسية معقدة مرتبطة بآسيا الوسطى، القوقاز، وطريق الحرير. ولذا فان أي حرب واسعة ستعطل أسواق النفط والغاز، مما يضرب المصالح الأمريكية نفسها في ظل التضخم العالمي.
وهذا يقود الى البعد الجيوسياسي الأعمق؛ فايران ليست هدفا بذاتها، بل هي حلقة مركزية في مشروع الصين (الحزام والطريق) وممر حيوي لطاقتها. وهذا يعني ان أي حرب أمريكية على طهران قد تضرب بنية طريق الحرير، وتعطل اسواق النفط، وتنال من المصالح الصينية مباشرة. وواشنطن تدرك ان المواجهة المباشرة مع بكين مكلفة، فتلجأ الى استنزافها في “الساحة الخلفية”، مما يجعل الحرب على ايران حربا على الصين بالوكالة.
ان طرح العمليات البرية، وفق الرؤية الأمريكية الحالية بعد فشل العمليات الجوية في تحقيق الأهداف الأمريكية- الاسرائيلية المعلنة، يعبر عن “يأس” ما يفرض التحول الى خطط جديدة قد تكون ذات تكلفة اقتصادية وبشرية عالية.
لكن هذا التحول، قد يحمل مخاطر أخرى تتعلق بالتكاليف الهائلة للفشل المحتمل على قوة الهيمنة الأمريكية، وسط شكوك بأن القوة العسكرية الأمريكية لم تعد أداة فعالة لضمان الهيمنة في عصر تعدد الاقطاب، رغم أنها لا تزال الأقوى عالمياً.
ان النجاح المؤكد للعمليات البرية ربما يتمثل في تصدير الأزمة الداخلية للخارج، الى جانب نجاح شركات الصناعات العسكرية في تحقيق أرباح طائلة من كل مرحلة تصعيد، بينما تدفع الشعوب الثمن وسط الدمار في البنى التحتية الذي تولده الحروب. في حين ستظل الشكوك قائمة بشأن امكانية هذه العملية في تحقيق الهدف الأكبر وهو اسقاط النظام في ايران أو اجباره على الاستسلام الكامل، وهو لب الهدف الأساسي وأصله.
يبقى التحول من القصف الجوي الى التخطيط للحرب البرية، مؤشراً على أزمة استراتيجية تعيشها دوائر صنع القرار في واشنطن، وليس على قوة موقفها في الحرب، وهي في النهاية ستحمل ويلات على الشعب الايراني وشعوب المنطقة، على حساب مصالح القوى الباحثة عن السيطرة والهيمنة.