آراء: “العراق” الخاصرة الرخوة بين واشنطن وطهران.. ضغوط الاقتصاد وخطر الفوضى الشاملة

“العراق” الخاصرة الرخوة بين واشنطن وطهران.. ضغوط الاقتصاد وخطر الفوضى الشاملة

يظهر الواقع الأمني - السياسي، ونتيجة تعدد مصادر القرار، وحجم التدخلات الخارجية، وضياع المصالح الوطني، ان العراق مهدد بخطر الانزلاق إلى فوضى أمنية وحتى حرب أهلية، في ظل تخبط سياسي وغياب برلماني

العراق، هو الساحة الأكثر حساسية وسخونة سياسيا وأمنيا وعسكريا واقتصاديا بعد إيران. فهذا البلد يُعدّ حلقة اساسية في بقاء النظام السياسي الحالي في إيران أو بقاء الجمهورية الإسلامية. فهو ليس كلبنان، حيث يحاول حزب الله، من خلال الهجمات الصاروخية على إسرائيل، الإبقاء على موقعه في المعادلة السياسية اللبنانية بعد محاولات تحجيمه والسعي إلى تهميشه، أكثر مما هو محاولة لفرض الضغط على إسرائيل والعالم لانهاء الحرب أو الدفاع عن الجمهورية الإسلامية.

في العراق، هناك بُعد أعمق، إذ يُعدّ أحد مصادر الطاقة العالمية من خلال تصديره نحو 3.5 مليون برميل من النفط يوميا، ويضيف إخراجه من سوق الطاقة عبر الحرب والفوضى عبئاً على الأسواق لتاثيره المباشر على أسعار الطاقة عالميا، وهو تحديدا ما يعده اقتصاديون أحد الأوراق الاستراتيجية لحماية النظام السياسي في إيران.

نشاهد أهمية وحساسية الساحة العراقية، من خلال الضربات الأمريكية التي تتوسع يومًا بعد يوم على مقرات الحشد الشعبي في العديد من المدن، واستهداف قادة الميليشيات الموالية لإيران، وبموازاته وتحت قيادة الحرس الثوري وإشرافه المباشر على الميليشيات العراقية، يتم  ضرب المصالح الأمريكية، سواء الشركات العاملة في قطاع النفط والطاقة والقواعد العسكرية والبعثة الدبلوماسية، إلى جانب استهداف المؤسسات الأمنية العراقية، مثل جهاز المخابرات وجهاز مكافحة الإرهاب، وكذلك ضرب دول الخليج والأردن انطلاقًا من الأراضي العراقية، وفي الوقت ذاته إطلاق الصواريخ الإيرانية على مدن إقليم كردستان؛ كل هذه المعطيات تدل على سخونة الساحة العسكرية والأمنية والسياسية في العراق بعد ايران.

وفق ذلك، فان النظام السياسي في إيران قد يلجأ إلى خلق فوضى أمنية في العراق، تصل إلى حد إشعال حرب أهلية، إذا ما شعر بتهديد وجودي، كورقة أخيرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

وتُظهر الوقائع أنه، بقدر ما تمتلك الولايات المتحدة نفوذًا سياسيًا واستخباراتيًا وعسكريًا في العراق، فإن العراق يُعدّ، في المقابل، قلعةً للاستخبارات الإيرانية بامتياز، مع سيطرتها على مفاصل أمنية وعسكرية في الدولة، التي لم تتبنَّ حتى الآن هوية سياسية وعقيدة واضحة.

ويُستدل على هذا النفوذ من خلال مقتل عدد من مستشاري الحرس الثوري في منطقة الجادرية احدى أحياء بغداد، وتكرر هجمات مماثلة في أكثر من موقع مدني، الى جانب هجمات مكثفة طالت منطقة جرف الصخر التي تعد اكبر قاعدة عسكرية وامنية للفصائل ومن خلفهم ايران، فضلا عن كونها مركزا للصناعات العسكرية الايرانية في المنطقة.

هذا التغلغل الإيراني بتأثيراته على الواقع الأمني العراقي، يمكن أيضا رؤيته بوضوح في الجانب السياسي، من خلال التخبط السياسي الذي تعيشه الحكومة (التي يقودها الاطار التنسيقي) وعجزها عن اتخاذ القرار، الى جانب افتقار العملية السياسية إلى الانسجام بين أطرافها. فهناك قسم مرتبط بشكل عضوي بالحرس الثوري الإيراني، وهو ما عبّر عنه بيان لمسؤول أمني في كتائب حزب الله، حين قال: «لن تتشكل حكومة عراقية إلا ببصمة المقاومة الإسلامية». ويعود هذا التخبط إلى تغلغل النفوذ الإيراني، الذي يمسك بإحدى ركائز العملية السياسية.

ويتجلى مظاهر هذا التخبط في المواقف السياسية والحكومية المعلنة، فالبيان الصادر عن وزارة الخارجية العراقية بشأن عمليات الفصائل المسلحة، أكد عدم السماح للميليشيات باستهداف دول المنطقة والدول العربية، وان أمن الدول العربية جزء من أمن العراق. وفي الوقت ذاته، صدرت قرارات من المجلس الوزاري للأمن الوطني يسمح للحشد الشعبي وعدد من المؤسسات الأمنية بالرد على مصادر استهدافها.

وبقدر ما يعكس هذا القرار سخرية المشهد العسكري والأمني، الذي يعتري وضع الميليشيات بوصفها أهدافا مكشوفة للقوات الأمريكية—إذ لا تمتلك دفاعات جوية ولا اسلحة دفاع نوعية، ولا طائرات حربية للتصدي للاستهدافات التي تتعرض لها—فإنه، في الوقت نفسه يكشف عجز الحكومة العراقية عن السيطرة على فصائل الحشد الشعبي بسبب تمثيلها لقوى سياسية هي في المحصلة تتبع النفوذ الإيراني.

هذا الواقع، يمنح ايران استخدام ورقة الفصائل بشكل مباشر في مفاوضاتها مع الإدارة الامريكية، كما ان الرؤية السياسية السائدة بل وجزء من القرارات الصادرة، تمنح حصانة قضائية لتلك الفصائل وتنزع كل المبررات عن اية حكومة لاحقة بعد ان تضع الحرب أوزارها في ملاحقة قادة الفصائل التي رفضت الامتثال لقرار الدولة.

الى جانب ذلك، كان الرد الحكومي العراقي، هو رسالة احتجاجية فارغة المحتوى إلى الولايات المتحدة الأمريكية، التي ردّت عليها بقصف الجيش العراقي في منطقة الحبانية، ما أسفر عن مقتل عدد من الجنود في ضربتين جويتين بطائرات (A-10) التي تحلّق على ارتفاعات منخفضة، حيث عادت في المرة الثانية لتفتح رشاشاتها وتوقع مزيداً من القتلى.

وتعكس هذه العملية جدية الإدارة الأمريكية في عدم الإكتراث أو المبالاة بالحكومة العراقية، التي وقفت متفرجة إزاء استهداف المصالح الأمريكية من شركات وبعثتها الدبلوماسية وقواعدها العسكرية في العراق، من فصائل مسلحة تتبع قوى داخل الحكومة.

وبحسب اتفاقية الإطار الاستراتيجي الموقعة بين العراق والولايات المتحدة عام 2008، تعتبر القوات الأمريكية ما تقوم به يندرج ضمن حق الدفاع عن النفس ولا يُعدّ خرقًا للسيادة. وقد وضعت هذه المعطيات الحكومة العراقية، وكذلك قوى الإطار التنسيقي، في وضع لا تُحسد عليه.

في التحليل النهائي للواقع الأمني – السياسي، ونتيجة تعدد مصادر القرار، وضغوط الخارج، يعيش العراق بين خطر الانزلاق إلى فوضى أمنية وحرب أهلية، في ظل تخبط سياسي وغياب برلماني وضياع للسيادة الوطنية.

هذه الفوضى تلقي بتأثيرات اضافية على الواقع الاقتصادي، فالطبقة العاملة والجماهير المحرومة تدفع ثمن الحرب والفوضى من معيشتها، نتيجة ارتفاع أسعار السلع، وتصاعد القلق من تهديد دفع رواتب ومعاشات ملايين الموظفين، بسبب استهداف الشركات النفطية وإغلاق مضيق هرمز، ما أدى الى تراجع خطير في صادرات النفط العراقي (من 3.5 مليون برميل الى نحو 250 الف برميل) التي يعتمد عليها الاقتصاد بنسبة 90%.

وقد كشفت هذه الحرب عن هشاشة سلطة الأحزاب الإسلامية الشيعية، وانعزالها عن الواقع، وفقدانها للأفق السياسي، وارتهانها لصراع الولايات المتحدة الأمريكية مع نظام الجمهورية الإسلامية في إيران، وسط تساؤلات بشأن مصيرها بعد انتهاء الحرب، في ظل ضغوط الأزمات الاقتصادية، واحتمالات تشكل واقع جديد، لن يقبل بوقوف الطبقة السياسية في منتصف المسافة بين واشطن وطهران.

المزيد عن آراء

آراء

آراء","field":"name"}],"number":1,"meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":33735}" data-page="1" data-max-pages="1" data-start="1" data-end="1">