تحليل: حرب بلا صور: كيف تُحجب وتُحوَّر وتخفى المعلومة في عصر الـAI؟ 

حرب بلا صور: كيف تُحجب وتُحوَّر وتخفى المعلومة في عصر الـAI؟ 

هل ما نراه في الحروب اليوم يعكس ما يجري فعلاً؟ رغم كثرة المعلومات، يتشكل المشهد العام عبر قيود وتضليل ومحتوى يُصنع ليبدو واقعياً.. هذا المقال يشرح ويحلل هذا التحول في تغطية الحرب..

قبل أكثر من ثلاثة عقودٍ ونصف، إبان حرب الخليج الثانية عام 1991 (حرب تحرير الكويت)، شهد العالم واحدة من أوائل الحروب التي بُثت بتغطية مباشرة على مدار الساعة، قدّمتها قناة سي إن إن من أرض الحدث. دعا ذلك التطوّر بعض المراقبين لتسميتها بـ”حرب ألعاب الفيديو”.

مع تقدّم التكنولوجيا والاتصالات، وتحوّل العالم إلى قرية صغيرة، وظهور المواطن الصحفي Citizen journalist، الذي يوثّق الحدث في لحظته وينشره فيما يشبه الإعلام المباشر، ساد الاعتقاد بأن الحصول على المعلومة غدا أسهل، وانتهت العصور القديمة حيث كانت الأخبار تصل إلى الجمهور بعد أن يصبح الحدث من الماضي ويستجدّ ما هو أهم. لكنّ مشهد الحرب الراهنة بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة، يدفع إلى إعادة تقييم هذا الحكم.

في أزمنة الحرب، تصبح حريّة الإعلام من المثاليات الضارة بالنسبة للعديد من الأنظمة، حيث يرون أن من الطبيعي جداً فرض قيودٍ على عمل الإعلام “المعادي”، ومكافحة “البروباغاندا”، وكتم الأخبار التي يرون أنها تضر بمعنويات القوات المسلحة والشعب على السواء. وشهدت هذه الحرب قيوداً واسعة النطاق على عمل الإعلام في جميع الدول المنخرطة فيها وجيرانها، فضلاً عن بروز نوعٍ جديد من “البروباغاندا” يتماشى مع روح عصر الذكاء الاصطناعي.

الإعلام في قلب المعركة: قيود وتصفيات 


في أيلول 2025، عدّت الأمم المتّحدة الحرب على غزة الأكثر دموية في التاريخ من ناحية عدد ضحاياها من الصحفيين، حيث قُتل أكثر من 252 صحفياً في الصراع، استهدفت فيه إسرائيل الكثير منهم بشكلٍ مباشر ومتعمّد. وبينما لم تشهد الحرب الراهنة، التي شنتها كل من الولايات المتحدة وإسرائيل في 28 شباط 2026، عدداً مماثلاً من الصحفيين الضحايا إلّا أن مناخ الصحافة غدا سيئاً للغاية؛ تسوده الاعتقالات، وعرقلة عمل المراسلين، وتدمير البنى التحتية الإعلامية، والتضييق الشديد على التغطية الإعلامية.

حتى 19 آذار الجاري، رصدت لجنة حماية الصحفيين مقتل ثلاثة صحفيين، وتهديد ثمانية آخرين والاعتداء عليهم، وتدمير ثماني مؤسسات إعلامية بغاراتٍ جوية إسرائيلية، واعتقال أو مساءلة خمسة صحفيين، وعرقلة عمل عشرة مراسلين آخرين في إسرائيل وإيران ولبنان وغيرها.

في لبنان، أصابت غارة إسرائيلية مراسلَي قناة روسيا اليوم في صُور، وقتلَت غارة أخرى صحفياً لبنانياً يعمل في قناة المنار التابعة لحزب الله في بيروت، كما دمّرت غارة أخرى مقرات صحيفة في السكسكية جنوبي لبنان، فضلاً عن قصف مقرات راديو صوت الفرح في صور، وراديو النور ومبنى تلفزيون المنار في حارة حريك في بيروت.

في إيران، دمّرت غارة إسرائيلية أجزاءً من مبنى صحيفة سازندگی في طهران، وقُتل المدير السابق لوكالة تسنيم الإيرانية بغارة أمريكية-إسرائيلية على قُم. فيما هدّدت إيران باستهداف الأقمار الاصطناعية والبنى التحتية لقناة إيران إنترناشيونال الناطقة بالفارسية، بتهمة شن حرب نفسية ضد الشعب الإيراني.

في إسرائيل، عرقلت الشرطة عمل مراسلة رؤيا نيوز في الجليل، وعملَ مراسل تلفزيون العربي ومراسلَي الغد في حيفا، وجُلّهم من فلسطينيي الأراضي المحتلة عام 1948، كما تلقّى مراسل تايمز أوف إسرائيل تهديدات بالموت بهدف تغيير تغطيته للهجمات الصاروخية على إسرائيل. كما اعتقلت إسرائيل أيضاً صحفيَين تركيَين عند عبورهما من مصر إلى إسرائيل لمدة ستّ ساعات، واعتقلت مراسل قناة سي إن إن تورك ومصوّر القناة أثناء بث مباشر من تل أبيب.

في الدول المنخرطة في الصراع على نحوٍ غير مباشر، عرقل عناصر من الحشد الشعبي العراقي، المقرّب من مواقف إيران، عمل طاقم قناة روداو الكردية في كركوك، فيما حذّرت الإمارات والبحرين المواطنين والمقيمين من تصوير ونشر صور أو مقاطع فيديو للمواقع المدمرة جراء الغارات الإيرانية.

في العموم، تحاول الحكومات منع نشر صور مواقع الضربات والصواريخ أو أماكن إطلاقها.

وعن التغطية الإعلامية نفسها، يكاد يكون الوصول الإعلامي في إيران لمناطق خارج طهران محدوداً أو شبه معدوم. وتقول وكالة فرانس بريس، التي تمتلك مكتباً في طهران، إنها عجزت عن زيارة موقع القصف الذي طال مدرسة في جنوب بلدة ميناب، حيث قُتل أكثر من 150 شخصاً، معظمهم من الأطفال، وإنها تعتمد في تقاريرها على مقابلات مع أشخاص فرّوا من البلاد، فضلاً عن منشورات وسائل التواصل الاجتماعي.

ويضيف قطع الإنترنت في إيران تعقيداً آخر، حيث لجأ الصحفيون في إيران إلى تطبيقات مشفّرة أو تهريب التقارير من البلاد، لا سيما أن الإنترنت قد عاد لأشخاص ضمن قوائم بيضاء، لكنه يبقى متقطعاً ومقيداً. تُدرك إيران أن الإنترنت يسهّل الاختراق ويسهّل تواصل العملاء على الأرض، فضلاً عن محاولة قطع الشعب عن الإعلام الخارجي للحفاظ على سرديّتها ومعنويات الداخل.

من جانبها، تفرض إسرائيل رقابة عسكرية مشددة على العمليات العسكرية الحساسة منذ عقود، لكنّها شدّدت القيود كثيراً في هذه الحرب، حيث منعَ الجيش البث الحي لصور أفق المدينة عندما تدوي صافرات الإنذار، كما مُنع تصوير الدفاعات الجوية التي شكلت أبرز صور حرب حزيران 2025، وسُمح بتصوير الأضرار التي تلحق بالمدنيين مع إخفاء المواقع الدقيقة أو ذات الطابع العسكري والمخابراتي. علاوة على ذلك، فُرضت قيود على تناول بعض الموضوعات على وسائل التواصل الاجتماعي.

تبرّر الدول هذا المنع بمحاولة الحيلولة دون نشر تفاصيل ومعلومات فورية تعرّض المواقع لمخاطر عمليات محتملة، فضلاً عن الحفاظ على الروح المعنوية للشعوب.

بسبب كل هذا، نشهد اليوم، بخلاف المتوقّع من عصر الاتصالات هذا، حرباً بمواد مرئية ضئيلة وأخباراً متناثرة دون توثيق بفعل القيود، بل إن المراقب العابر يكاد لا يعرف شيئاً من حقيقة ما يجري بسبب حجم التضليل المهول.

“بروباغاندا” الذكاء الاصطناعي 


في القرن الماضي، لم يكن عمل “البروباغاندا” سهلاً، وكان يتطلّب في العادة وجود جواسيس على الأرض ومكاتب لبث الشائعات، لكنّ الأمر اليوم يتم عن بُعد بفضل وسائل التواصل الاجتماعي والقنوات، بالإضافة إلى ترويج الشائعات بأيادٍ داخلية بفعل الانقسامات الطائفية والعرقية التي أجّجتها طبيعة الصراعات في المنطقة على مدار العقدين الماضيين.

في كتاب «مجموعة بغداد: العراق بعيون الاستخبارات البريطانية 1941-1945»، يناقش الكاتب الكندي أدريان أوسوليفان عمل الجواسيس المرتبطين ببريطانيا أو ألمانيا في العراق إبان الحرب العالمية الثانية، بينهم فريا ستارك، ويكشف عن وسائل بث عملاء الحلفاء والمحور للشائعات في الشارع العراقي، عبر فعاليات منظمة في السفارات وتمرير رسائل مع النخب، أو من خلال صيدليات ورياض أطفال ألمانية ببغداد، أو بواسطة صحفيين أو مبشّرين، فضلاً عن حفلات شاي لبث الدعاية الصهيونية في أوساط السيدات اليهوديات في بغداد. كان ذلك العمل شاقاً ويتطلّب وجوداً على الأرض، لكنّ الرأي العام اليوم يُعاد تشكيله من خلال إغراق المشاهدين بالدعاية عبر القنوات الأجنبية ووسائل التواصل الاجتماعي.

وبينما استخدمت إسرائيل الذكاء الاصطناعي في الأسلحة وتوجيه القذائف بدقّة، تشير تقارير أمريكية إلى إغراق إيران منصات التواصل الاجتماعي، لا سيما إكس وإنستغرام وبلوسكاي، بحملة منشورات تستغل غياب شعبية الحرب في الولايات المتحدة، بما في ذلك بين أنصار دونالد ترامب، بهدف خلق ضغط داخلي معادٍ للحرب في أمريكا.

كما انتشرت صور مولدة بالذكاء الاصطناعي تلفّق ضربات ناجحة طالت حاملة الطائرات إبراهام لينكولن وتُظهر جنوداً إسرائيليين يبكون خوفاً من الانتقام الإيراني. يرى بعض المعلقين أن وتيرة استخدام هذه الصور غير مسبوقة. وشمل ذلك تزييف صور أقمار اصطناعية لزعم تحقيق أهدافٍ مؤثرة عبر ضرباتٍ جويّة، وقد حصدت ملايين المشاهدات.

ويجادل كثيرون بأن الصور برهانٌ للعقل، لكن عقل المتابع البسيط يعجز اليوم عن التفريق بين ما هو حقيقي وما هو مولّد بالذكاء الاصطناعي. وقد انخرط العديد من العراقيين في ترويج مثل هذا المحتوى، بسبب العجز عن تمييز المحتوى المفبرك أو رغبةً في ترويج ما يرومون تصديقه، ويتفاقم ذلك في ظل المشكلات المالية الحكومية وهيمنة التمويل السياسي للإعلام، ما يفرض قيوداً على حريّة الصحافة ويحول دون نضج الصحفيين الشباب في بيئة كهذه.

مستقبل الصحافة 


في ظل هذا التعقيد، ومع أسئلة متزايدة حول مستقبل الصحافة التقليدية وتراجع دورها، نجد أن التغطية المباشرة والمهنية أكثر ضرورة اليوم من أيّ وقت مضى، فمن دونها، ورغم أن الحياد الإعلامي التام أسطورة، يصبح المشهد أكثر ضبابية ويسود جوٌ من اللايقين يجعل اتخاذ المواقف السياسية والشعبية صعباً، ويسهّل التلاعب بالشعوب عبر “البروباغاندا” الخارجية أو إيهامهم بانتصاراتٍ زائفة عبر “البروباغاندا” الداخلية.

بل إن المحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي جعل الصحافة المهنية أكثر أهميّة، وأفرز مجالاً آخر يستدعي نفي الشائعات، بعد أن كانت الصحافة في السابق تتقصّى الأخبار الإيجابية، ولا تحبّذ نفي الأخبار. اليوم، يغدو التدقيق الإخباري مجالاً قائماً بذاته، يستهدف الدفاع عن الحقيقة وحماية الجمهور من التضليل.

وبعد أن لجأت الغرف الإخبارية إلى كتابة الأخبار، وربّما المقالات التحليلية، باستخدام النماذج اللغوية الكبيرة (LLMs)، يصبح الخبر الذي ينقله المراسل من أرض الحدث، والصورة التي ينقلها المصوّر وطاقم التصوير، الإضافة الوحيدة الحقيقية في عالم الزيف هذا. بل إن التعتيم الذي يلفّ هذه الحرب يكشف بوضوح أهميّة الصحافة وأنّ التغطية المهنية لا غنى عنها، من أجل الحقيقة اليوم والتاريخ غداً على حدٍ سواء.

المزيد عن تحليل

تحليل","field":"name"}],"number":1,"meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":33749}" data-page="1" data-max-pages="1" data-start="1" data-end="1">