رحيل التحالف الدولي “انفراجة” أم “تهديد”.. هل يتحمل العراق أثمان استعادة السيادة؟
تؤكد مصادر غربية أن واشنطن ما بعد الانسحاب، ستواصل نهجها القائم على توجيه ضربات للفصائل المدعومة من إيران، وأن العمليات العسكرية ستستمر بهدف تحييد التهديدات. وهذا يعني أن الانسحاب المعلن للتحالف لن يوقف واشنطن عن العمل العسكري داخل العراق، بل ربما يحوّله إلى عمليات أكثر انتقائية وأقل التزاماً بقيود التنسيق مع بغداد.
وسط الحرب “الأمريكية الاسرائيلية”-“الايرانية” الدائرة في المنطقة، ومع تبادل الهجمات بين القوات الأمريكية وفصائل “المقاومة الاسلامية” داخل العراق، نقلت صحيفة ايطالية، عن رئيس الوزراء العراقي، قوله “تقديم موعد انهاء مهمة التحالف الدولي في العراق”، بالتزامن مع خطوات على الأرض تمثلت بانسحاب سريع لمستشاري التحالف من قاعدتهم في العراق باتجاه الأردن.
الانسحاب غير الممنهج، الذي بدا “كإنهاء كامل” لوجود التحالف في العراق، جرى دون تقييم عراقي للنتائج والتداعيات المحتملة، بما فيه تحول البلاد، التي تفتقد منظمات دفاع جوي، الى ساحة حرب مفتوحة مع اتساع الاستهدافات الاسرائيلية، نتيجة رفع المظلة الأمريكية التي كانت تمنع أو تحد من الهجمات سابقا، بل مع تحول الجانب الأمريكي نفسه الى “مهاجم صريح” في ظل الواقع الجديد.
كانت صحيفة “كورييري ديلا سيرا” الإيطالية، نشرت في 23 آذار/مارس، مقابلة مع محمد شياع السوداني، نقلت في نسختها الأولى عنه قوله، إن بغداد قررت “تقديم موعد” انتهاء مهمة التحالف الدولي بقيادة واشنطن لمحاربة تنظيم داعش، المقرر في أيلول/سبتمبر 2026. وهو ما فسر كمخرج يؤمن إنسحاباً سريعاً غير مجدول، نتيجة تعرض “قاعدة التحالف” لهجمات متكررة من قبل فصائل المقاومة العراقية التي تعد قوى التحالف عدوا.
الصحيفة ذاتها عادت وحدّثت نص المقابلة بعد ساعات، لتُثبت أن السوداني قال إنه جرى “تأكيد إنهاء مهمة التحالف الدولي في أيلول/سبتمبر 2026” – أي الموعد الأصلي نفسه دون تقديم. غير أن هذا التباين في التصريح، لم يُخفِ ما بات واضحاً على الأرض، فقد كشف مسؤول أمني عراقي، في اليوم ذاته، عن انسحاب مستشاري التحالف الدولي من “قيادة العمليات المشتركة في بغداد باتجاه الأردن”، في مؤشر ميداني على أن عجلة الانسحاب تدور بوتيرة تسبق ما تُعلنه البيانات الرسمية.
الفجوة بين ما يُقال وما يجري على الأرض، والتدعايات المحتملة للانسحاب، تشي بتعقيدات المشهد الراهن الذي يضع العراق أمام مرحلة بالغة الحساسية، تتشابك فيها ملفات السيادة والأمن والاقتصاد والهوية الجيوسياسية في آنٍ واحد.
مسار طويل نحو هذه اللحظة
لا يمكن قراءة هذا التطور بمعزل عن سياقه التاريخي. فمنذ عام 2014، حين اجتاح تنظيم داعش مساحات شاسعة من الأراضي العراقية وأعلن “خلافته” من الموصل، تشكّل التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة ليكون العمود الفقري لعمليات مكافحة الإرهاب في العراق وسوريا. وبحلول عام 2017، أُعلن رسمياً عن هزيمة التنظيم عسكرياً، لكن بقاء قوات التحالف استمر تحت مسوّغ ضمان عدم عودة التنظيم وتعزيز قدرات القوات العراقية.
في كانون الثاني/يناير 2020، وعلى وقع اغتيال قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي في ضربة أمريكية قرب مطار بغداد، صوّت البرلمان العراقي على قرار يطالب بإخراج القوات الأجنبية من البلاد. كان القرار تعبيراً عن غضب شعبي وسياسي شيعي، لكنه ظل حبراً على ورق لسنوات في ظل تعقيدات المفاوضات وتشابك المصالح، وحتى الحاجة الفعلية لوجود تلك القوات نتيجة افتقاد العراق للغطاء الجوي.
في كانون الثاني/يناير 2026، أعلن العراق، اكتمال عملية انسحاب التحالف الدولي من الأراضي الاتحادية، ما عدا إقليم كردستان، تنفيذاً لاتفاق مع واشنطن ينص على انهاء المهمة وانسحاب مستشاري التحالف بالكامل من كل مناطق البلاد بما فيه الإقليم الكردي بحلول أيلول/سبتمبر 2026، وتحوّل علاقة العراق مع دول التحالف إلى شراكات أمنية بديلة عن الوجود العسكري المباشر.
لكن الحسابات تبدّلت في شباط فبراير 2026، حين بدأ الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران، وامتدت تداعياته إلى العراق، بتعرض مقار فصائل مسلحة عراقية على رأسها كتائب حزب الله وحركة النجباء وكتائب سيد الشهداء وأنصار الله الأوفياء، لهجمات، لم تحدد رسميا اذا ماكانت امريكية او اسرائيلية. وردت الفصائل سريعا باستهداف القواعد والمصالح الأمريكية، معلنة دخول الحرب وتفعيل “جبهة الاسناد” لايران.
في تلك الأجواء المشتعلة، جاء تصريح السوداني لـ”كورييري ديلا سيرا” ليُجدد النقاش السياسي، بشأن مستقبل العراق في مرحلة ما بعد التحالف، والامكانات والتحديات، وهذه المرة بمعطيات جديدة على وقع الرحيل الفعلي لتلك القوات وربما تحول بعض أطرافه من دور الحماية الى الاستهداف.
الهجمات باتت واقعاً يومياً، ومع اتساع دائرتها لتشمل حتى مقرات تابعة للجيش العراقي، يُفرض سؤال كبير نفسه “هل رفع الغطاء الأمني؟..وماذا يعني ذلك؟”. وهل كان وجود قوات التحالف على الأراضي العراقية يُشكّل رادعاً فعلياً لإسرائيل؟
هل يُفتح العراق على ضربات بلا سابق إنذار؟
منذ 28 شباط فبراير 2026، لم يعد العراق بعيداً عن الحريق الإقليمي المشتعل. حيث نفّذت الولايات المتحدة وإسرائيل في الأول والثاني من آذار مارس هجمات متعددة على الفصائل العراقية المسلحة الموالية لإيران، بهدف تقويض قدراتها العسكرية على تنفيذ هجمات انتقامية، واجبارها على تغيير سياساتها.
في هذا السياق المتقلب، يطرح تسريع انسحاب التحالف الدولي أو تأكيد موعده سؤالاً جوهرياً: ماذا يعني غياب الوجود الأمريكي العسكري عن الأراضي العراقية في ظل حرب مفتوحة تتقاطع فيها مصالح واشنطن وطهران وتل أبيب فوق الجغرافيا العراقية؟
الإجابة الميدانية لا تحتاج إلى كثير من التأمل. فالطيران الحربي شنّ غارات جوية يُرجَّح أنها إسرائيلية بدعم أمريكي، على مقرات تتبع الفصائل والحشد الشعبي بعدة مدن في العراق، استهدفت محافظات بابل والأنبار وديالى وكركوك ونينوى وأسفرت عن سقوط عشرات القتلى والجرحى.
هذه الضربات باتت واقعاً يومياً، ومع اتساع دائرتها لتشمل حتى مقرات تابعة للجيش العراقي، يُفرض سؤال كبير نفسه “هل رفع الغطاء الأمني؟..وماذا يعني ذلك؟”. لكن في المقابل هناك سؤال آخر، وهو ان الضربات جرت في حضور التحالف الدولي لا في غيابه، فهل أن بقاء قوات التحالف على الأراضي العراقية كان يُشكّل رادعاً فعلياً لإسرائيل؟ أم أن الضربات الإسرائيلية باتت تتجاوز كل اعتبار؟
مصادر غربية أكدت أن واشنطن ستواصل نهجها القائم على توجيه ضربات للفصائل المدعومة من إيران رداً على هجماتها في العراق، وأن العمليات العسكرية ستستمر بهدف تحييد التهديدات. وهذا يعني أن انسحاب التحالف لن يوقف واشنطن عن العمل العسكري داخل العراق، بل ربما يحوّله إلى عمليات أكثر انتقائية وأقل التزاماً بقيود التنسيق مع بغداد.
سيناريو لبنان والضاحية
يحذّر محللون عراقيون من ما يصفونه “بالتداعيات الخطيرة” لانخراط الفصائل المسلحة في المواجهة المندلعة بين طهران والولايات المتحدة وإسرائيل، في مرحلة حساسة تشهد ضغوطاً أمريكية متصاعدة على بغداد. وينبهون الى ان ذلك يدفع باتجاه تكرار السيناريو اللبناني بضربات متلاحقة تستهدف الفصائل دون إنذار مسبق وفي أي وقت ومكان، تماماً كما جرى مع حزب الله في لبنان.
“استهدافات تطال البنية التحتية للفصائل وقياداتها التي ستصبح أهداف منتظمة.. ولن تجد اسرائيل حرجا في ضرب أي هدف، مع غياب القيود الأمريكية التي كانت مفروضة في فترة وجود التحالف الدولي”، وفق ما يورده الباحث في الشأن السياسي الكردي علي أحمد.
ويرى مستشار رئيس الوزراء العراقي عائد الهلالي أن ثمة مخاطر لا يمكن تجاهلها، يقول: “قد تسعى أطراف مثل إسرائيل إلى توسيع نطاق عملياتها الاستخبارية والعسكرية داخل الأراضي العراقية، مستغلةً أي ضعف في منظومة الردع أو التنسيق الأمني، على غرار ما يحدث في لبنان، وهذا السيناريو قد يفتح الباب أمام ضربات مفاجئة تستهدف بنى تحتية أو مواقع حساسة، ما يهدد الاستقرار الداخلي”.
غير أن الهلالي لا يرى في الأمر مأزقاً مسدوداً ونهائياً، إذ يضيف: “بناء مؤسسات أمنية مهنية وتطوير قدرات الاستخبارات والدفاع الجوي قد يحوّل هذه المرحلة إلى فرصة لإعادة صياغة دور العراق كقوة توازن إقليمي”.
لكن في المرحلة الحالية المشهد غاية في التعقيد، خاصة بالنسبة للفصائل المسلحة التي “تتهم ضباط في الأجهزة الأمنية بالتنسيق مع العدو وتسهيل هجماته”. بينما تُحمل هيئة الحشد الشعبي القوى السياسية مسؤولية ما تصفه بـ”الانتهاكات الأمريكية المتكررة”، داعيةً إلى اتخاذ مواقف “واضحة وحازمة” لحماية سيادة البلاد.
وكان السوداني قد ربط ملف “إنهاء الفصائل” بملف “الانسحاب الأجنبي”، حين أكد أن “بمجرد عدم وجود أي وحدات عسكرية أجنبية على الأراضي العراقية، سيكون من الأسهل تفكيك الفصائل المسلحة”، مراهناً على أن إنهاء ذريعة الوجود الأجنبي سيُفضي إلى إنهاء مبرر الوجود المسلح للفصائل خارج إطار الدولة. بيد أن أبرز الفصائل المسلحة، ترفض البحث في ترسانتها قبل أن يكتمل رحيل القوات الأجنبية وانهاء تهديداتها، مما يجعل الجدل قائماً حول أيهما يسبق الآخر.
في المقابل، يقدّم مزاحم الحويت، أحد شيوخ العشائر العربية في نينوى، صورةً مغايرة للهواجس الأمنية، مستنداً إلى ما يصفه بالقدرة الذاتية المتراكمة للقوات العراقية، يقول: “لسنا بحاجة لقوات تحالف دولي ولسنا بحاجة لأي قوة أجنبية لمحاربة الإرهاب، لدينا الحشد الشعبي، الجيش، مكافحة الإرهاب، الرد السريع، والحدود العراقية باتت مؤمَّنة”.
ويستدرك، قائلا ان موقفه لا يعني اللجوء للعنف لتحقيق هدف اخراج القوات: “نحن لا ندعم أي استهدافات، ونطالب بخروج هذه القوات وفق القانون لأن هناك اتفاقيات والبرلمان صوّت مرتين على خروج القوات الأجنبية من العراق”.
انسحاب التحالف وسؤال الضمانات الأمنية لكردستان
مع تشابك الملفات، يبقى إقليم كردستان الحلقة الأكثر تعقيداً في مسار انسحاب التحالف الدولي. فبينما اكتمل الانسحاب من الأراضي الاتحادية في كانون الثاني يناير 2026، وانسحب المستشارون من آخر نقاط تواجدهم في بغداد قبل أيام، هل يظل الاتفاق المبرم بين بغداد وواشنطن بشأن إتمام الانسحاب من إقليم كردستان بحلول شهر أيلول سبتمبر قائماً. ذلك سيضع الاقليم في أتون مرحلة انتقالية دقيقة، تتشابك فيها حسابات أربيل وبغداد وطهران وواشنطن في آنٍ واحد.
الموقف الكردي الرسمي يُبدي التزاماً واضحاً بالقرار المركزي، لكنه لا يُخفي قلقه من التداعيات. يقول غياث السورجي، عضو الاتحاد الوطني الكردستاني، إن “وجود التحالف الدولي في كردستان حدث بموافقة بغداد، لذلك في أي وقت تقرر حكومة المركز إنهاء وجود التحالف فسيلتزم الإقليم بالتنفيذ”، مضيفاً أن “مواقف حكومة كردستان ستكون موازية لمواقف بغداد في كل القرارات.. هي لا تريد الوقوف مع جبهة ضد جبهة أخرى”.
غير أن السورجي يكشف عن بُعد اشكالي: “هناك استهدافات لإقليم كردستان تطال بشكل خاص مقرات التحالف الدولي وتسبب مشاكل وردود”، في إشارة إلى هجمات بعض الفصائل المسلحة ضد قواعد التحالف هناك والتي قد تدفع الأمريكان للرد. ويرى أن “المقاومة الإسلامية باتت تستهدف محافظات أخرى أيضا وهذا يؤدي إلى جلب الحرب للعراق”.
عدم الارتياح الكردي من الانسحاب الأمريكي، يبدو واضحاً من تحليلات الكتاب والصحفيين الكرد. يقول الباحث علي أحمد، ان المخاوف الكردية تتركز حول ما سيخلّفه الانسحاب من فراغ أمني في الإقليم وما قد يحمله من تأثير على الحضور السياسي.
والأكراد يمكن ان يكونوا أكبر الخاسرين من أي انسحاب أمريكي كامل من العراق، فالوجود الأمريكي يمنح الكرد نوعا من الغطاء الأمني الى جانب الدعم السياسي، فضلاً عن ما يوفره من دعم مالي وفني لقوات البيشمركة من خلال التدريب والتسليح.
كما أن تعاظم نفوذ الفصائل المسلحة الموالية لإيران في أعقاب الإنسحاب، سيحمل تداعيات سلبية على الوضع العام في كردستان كنقطة اقليمية مستقرة وجاذبة، وسيؤثر على حسم الملفات العالقة بين بغداد وأربيل، وعلى رأسها عائدات النفط وقضية كركوك.
ماذا لو لم يشمل الانسحاب كردستان؟
يكشف سؤال احتمالية “استمرار التواجد الأمريكي في اقليم كردستان”، عن تعقيدات كبيرة، ويحمل حساسيات كثيرة لصانعي القرار في العراق بمختلف توجهاتهم. فمن جهة، قد يصبح بقاء التحالف في الإقليم وحده دون الأراضي الاتحادية مثاراً للجدل السياسي، وذريعةً للفصائل لاستهداف الإقليم بصورة أوسع، ومن خلفهم ايران، لكنه أيضا قد يمثل نقطة تواصل والتقاء مهمة بين بغداد وواشنطن. ومن جهة ثانية، فإن الانسحاب الكامل قد يعني إزالة “الغطاء الأمني” عن الإقليم في مرحلة بالغة الاضطراب، وقد يشجع تركيا على التمدد داخل الاقليم، ما قد يدخل البلاد في تعقيدات اضافية وصراعات نفوذ.
لكن القيادي في تحالف الأنبار المتحد، محمد الفهداوي يُقدّم قراءة مغايرة، إذ يرى أن الوضع الخاص لإقليم كردستان راسخ بمعزل عن ملف وجود التحالف: “كردستان العراق إقليم قائم منذ عام 1991 ويعيش وضعاً خاصاً بمعزل عن الدولة العراقية، تعزز باعتراف دستوري في العام 2005 أعطى الاقليم صلاحية واسعة، وبالتالي بقاء قوات التحالف الدولي من عدمه سيبقي الوضع في كردستان على ما هو عليه”.
ويضيف الفهداوي أن “كردستان تمتلك استقلالية في مواقفها الاقليمية والدولية خارج إرادة الحكومة الاتحادية”، وإن كان يؤكد في الوقت ذاته أن “هذا لا يعني استقلال كردستان عن العراق بشكل كامل”.
في المقابل، يتجاوز حسن فدعم، القيادي في تيار الحكمة والإطار التنسيقي، هذه الحسابات ليضع مسألة كردستان في إطار سيادي شامل، إذ يقول: “نتمنى انسحاب القوات الأجنبية من كل الأراضي العراقية بما فيها إقليم كردستان، لتحقيق السيادة الكاملة”. وهو بذلك يُسوّي ضمنياً بين وجود التحالف في كردستان وأي وجود أجنبي آخر على الأراضي العراقية.
وهناك متغير آخر قد يُلقي بظلاله على الواقع الكردي اذا شهد الاقليم تحولاً أمنياً، يتمثل في طبيعة العلاقة بين أربيل وبغداد من جهة، وبين أربيل وطهران من جهة ثانية. وهنا يؤكد غياث السورجي أن “العلاقات جيدة بين بغداد وأربيل حالياً”، وأن “علاقات الإقليم ممتازة مع طهران وواشنطن، بينما لا توجد أي علاقة مع إسرائيل سواء محكومة او أحزاب سياسية”.
وهو موقف يضع الإقليم في موقع الحياد المحسوب، بعيداً عن الانجرار نحو أي من المحورين المتصادمين في المنطقة. غير أن هذا الحياد ذاته قد يصبح عبئاً في مرحلة لا تقبل المنطقة فيها الحياد والرماديّة.
في قلب النقاش الدائر حول انسحاب التحالف الدولي من العراق، تتصادم سرديتان، الأولى تقرأ الانسحاب انتصاراً سيادياً طال انتظاره، والثانية ترى فيه قفزة في المجهول في توقيت بالغ الخطورة. وبين هاتين الروايتين، يقف العراق وحيداً أمام أسئلة لا تحتمل إجابات نظرية.
الغطاء الاقتصادي الأمريكي: ورقة ضغط دائمة
لا يقتصر مفهوم “الغطاء الأمريكي” على بُعده العسكري وحده. فثمة غطاء موازٍ لا يقل أهمية، ويتمثل في المنظومة الاقتصادية والمالية التي تربط العراق بواشنطن ربطاً عضوياً يصعب فكّه بقرار سياسي. وفي قلب هذه المنظومة يقع النظام المصرفي العراقي، الذي بات ساحةً لنزاع خفي يتجاوز حدود المال ليمس جوهر القرار السيادي.
يكشف وجود أموال “العائدات النفطية العراقية” في أمريكا وتحت الحماية الأمريكية، كما حجم العقوبات التي تطال النظام المصرفي العراقي، حجم الهشاشة المالية في البلاد. وزارة الخزانة الأمريكية فرضت عقوبات على أكثر من 34 مصرفاً عراقياً من أصل 44 مصرفاً خاصاً، لـ”تورطها في تحويلات مالية” لصالح جهات خاضعة للعقوبات الأمريكية، وفي مقدمتها إيران، وهو ما يُبقي النظام المصرفي العراقي في حالة من الهشاشة الهيكلية المزمنة.
وتضغط واشنطن على السلطات النقدية والمالية العراقية لضمان نجاح سياسة “الضغط الأقصى” تجاه إيران، ومنع وصول الدولار إليها، وهو ما سبّب أزمة كبيرة للعراق أفضت إلى انخفاض قيمة الدينار العراقي في السوق ليصل الى 1550 دينار لكل دولار، ووجود سعرين للصرف (رسمي، وآخر في السوق، بفارق يزيد على عشرين الف دينار) ما انعكس على أسعار المستهلكين.
والمفارقة أن هذه العقوبات لم تتوقف عند حدود المصارف المتهمة بعلاقات مشبوهة، لكنها امتدت لتطال البنية المالية العراقية بأسرها. حيث شمل قرار أمريكي حديث فرض حظر على استخدام بطاقات الدفع الإلكتروني العراقية خارج البلاد، في خطوة تهدف إلى منع تهريب العملة بعد رصد تحركات مالية مشبوهة. وهو إجراء يمس المواطن العراقي العادي قبل أن يمس الفصائل أو المصارف المتهمة.
ويشكل الوضع الاقتصادي والمالي الهم الأكبر لصانعي القرار في بغداد، فهل سيُخفف انسحاب التحالف من حدة الضغط الاقتصادي الأمريكي؟ أم أن واشنطن ستحتفظ بأوراقها الاقتصادية بمعزل عن الوجود العسكري وربما ستلجأ الى مزيد من الضغوط؟ خصوصاً أن الولايات المتحدة هددت بفرض عقوبات تستهدف الدولة في حالة ضمّ جماعات مسلحة مدعومة من إيران في الحكومة.
من ضمن العقوبات المحتملة استهداف عائدات النفط، التي تحصل عليها الدولة العراقية عبر بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، وهذا يمثل التحدي الأكبر، ويوضح ان الورقة الاقتصادية الأمريكية ربما هي الأكثر تأثيرا.
في هذا السياق، يُجاهر “حسن فدعم” القيادي في تيار الحكمة والإطار التنسيقي، بقلقه من تداعيات الانسحاب على المصالح الاقتصادية العراقية، يقول: “العراق تربطه مصالح كبيرة مع الدول الكبرى بما فيها الولايات المتحدة، اقتصادية وسياسية، والعراق حريص على هذه العلاقة من خلال الاتفاقية الأمنية التي وقّعت مع الولايات المتحدة”.
ويضيف: “نتمنى أن تتعامل دول التحالف مع العراق على أنه يطالب بسيادته وألا يترتب على ذلك آثار تضرّ بمصالح العراق”.
وعلى صعيد علاقة العراق بإيران، يطرح “انسحاب التحالف” تساؤلاً جدياً حول ما إذا كان سيُعمّق الانجذاب العراقي نحو طهران اقتصادياً وسياسياً. خصوصاً مع وصف وزارة الخزانة الأمريكية في بيانات متعاقبة الفصائل المسلحة والكيانات الاقتصادية المرتبطة بها بأنها “تواصل إضعاف الاقتصاد العراقي واحتكار الموارد العامة عبر الكسب غير المشروع والفساد”. ربما ذلك سيرتبط بالموقف الأمريكي من ايران، في حال حصول اتفاق من عدمه بين الطرفين.
كما لا يبدو واضحاً، ما إذا كان الانسحاب العسكري سيُزيل أحد عوامل الضغط على الفصائل، أم انه سيزيدها؟ ويبرز الى جانب ذلك سؤال كبير: هل ستملأ طهران الفراغ الناجم عن تراجع النفوذ الأمريكي، أم أن بغداد ستنجح في إدارة هذه المعادلة الصعبة بمسافة متوازنة بين القطبين؟
مستشار رئيس الوزراء عائد الهلالي، يرى أن الإجابة رهينة بما ستفعله الدولة العراقية:”مستقبل العراق بعد الانسحاب لا يتحدد بالخطوة بحد ذاتها، بل بمدى جاهزية الدولة لملء الفراغ الأمني، وبقدرتها على بناء توازن دقيق بين السيادة والحماية، عبر استراتيجية وطنية شاملة تمنع الانزلاق نحو مرحلة جديدة من التهديدات غير التقليدية”.
العراق في مواجهة الأسئلة الأصعب
في قلب النقاش الدائر حول انسحاب التحالف الدولي من العراق، تتصادم سرديتان، الأولى تقرأ الانسحاب انتصاراً سيادياً طال انتظاره، والثانية ترى فيه قفزة في المجهول في توقيت بالغ الخطورة. وبين هاتين الروايتين، يقف العراق وحيداً أمام أسئلة لا تحتمل إجابات نظرية.
ويراهن رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، في تحقيق ما هو ايجابي، على معادلة نظرية. يقول السوداني في تصريحات صحفية “داعش غير موجود، الأمن والاستقرار متوفران، أعطني عذراً واحداً لوجود 86 دولة في تحالف”، مشيراً إلى أن انتهاء الوجود الأجنبي سيفتح الباب أمام حصر السلاح بيد الدولة، وأن الفصائل قد تندمج داخل قوات الأمن الرسمية أو في المشهد السياسي بعد التخلي عن سلاحها.
هذا الرهان يستند إلى منطق واضح: طالما بقيت ذريعة الوجود الأجنبي قائمة، ستظل الفصائل تتمسك بسلاحها تحت غطاء “المقاومة”. وفي مقابلته مع الصحيفة الإيطالية، كرر السوداني أنه “بمجرد عدم وجود أي وحدات عسكرية أجنبية على الأراضي العراقية، سيكون من الأسهل تفكيك الفصائل المسلحة”.
إبطال لحجة الفصائل ام تعزيز لها؟
يرى داعمو الانسحاب أن الخطوة تنزع من الفصائل ورقتها الأبرز، وهي حجة الدفاع عن الأرض في مواجهة وجود أجنبي.
وفق ذلك يدعم “حسن فدعم” القيادي في تيار الحكمة والإطار التنسيقي، الانسحاب الشامل، موضحا انه “يعزز السيادة العراقية، وهو مطلب للشعب والحكومة ومجلس النواب”، معرباً في الوقت ذاته عن أمل حذر: “نتمنى ألا يحمل تبعات مضرة على العراق”.
ويذهب الشيخ مزاحم الحويت الى أبعد من ذلك، إذ يرفض قراءة الانسحاب باعتباره مصدر قلق أمني: “لا يولّد فراغاً أمنياً، بالعكس القوات الموجودة كافية ونحن لسنا بحاجة لأي قوة دولية”.
غير أنه لم يستطع تقديم جواب عن نتائج عدم الانسحاب من كردستان مع احتمال استهداف الفصائل للإقليم بشكل أكبر: “لا أعرف، لا أستطيع أن أعطيك جواباً، هذا يعود إلى الحكومة”. وهذا التحفظ يكشف عن وعي ضمني بأن المشهد أكثر تعقيداً مما تُقرّه التصريحات العلنية.
وفي خضم ذلك، يظهر سؤال أكبر بشأن دور إيران المستقبلي، فهل ستملأ إيران الفراغ الذي سيتركه التحالف، لا عسكرياً فحسب بل سياسياً واقتصادياً، لتعمق بذلك من نفوذها الواسع في بغداد، وتفرض سيطرتها على القرار العراقي؟
غياث السورجي يُقدّم إجابة حذرة، تبرز قلقا كرديا من أي تزايد للنفوذ الايراني على حساب الأمريكي، قائلا: “العراق يمر بأزمات اقتصادية وأمنية تمنعه من الانضمام لمحور دون آخر، وحكومة الإقليم تؤكد على الحياد، ولا تريد الوقوف مع جبهة ضد جبهة أخرى”.
فيما يُلخّص مستشار رئيس الوزراء عائد الهلالي جوهر المعضلة بصياغة تُحمّل المسؤولية للدولة لا للانسحاب بحد ذاته: “مستقبل العراق يتحدد بمدى جاهزية الدولة لملء الفراغ الأمني، وبقدرتها على بناء توازن دقيق بين السيادة والحماية”.
ويشدد على تبني أصحاب القرار لاستراتيجية وطنية شاملة “تمنع الانزلاق نحو مرحلة جديدة من التهديدات غير التقليدية”.
• انجز التقرير تحت اشراف شبكة “نيريج” للصحافة الاستقصائية