لم يعد السؤال اليوم “ماذا لو توقف النفط؟” بل أصبح “ماذا سنفعل وقد توقف بالفعل؟”
مع توقف منصات تصدير النفط وانقطاع سلاسل الإمداد نتيجة الحرب الإقليمية المحتدمة، يجد العراق نفسه وجهاً لوجه أمام الحقيقة العارية: اقتصاد ريعي بلا حوائط صد، وموازنة انفجارية تعتمد في بقائها على تدفق السيولة من الخارج لحظة بلحظة.
بينما تنعم دول مجاورة بمظلات الصناديق السيادية التي تحمي أجيالها من تقلبات السياسة والحروب، يواجه العراق أزمته الوجودية بأدوات طوارئ محدودة، واحتياطيات نقدية، باتت هي خط الدفاع الأخير. في هذا المقال أفكك البنية المالية الهشة للدولة العراقية، وأبحث في سر غياب شبكة الأمان التي كان من المفترض بناؤها منذ عقود، وما هي الخيارات المُرة التي تمتلكها الحكومة الآن لإدارة بلد يعيش حرفياً على تدفق النفط إلى الأسواق ومردوداته إلى الخزينة؟
خط الدفاع الأخير: ما الذي تمتلكه الدولة فعلياً؟
مع توقف أنابيب النفط عن الضخ، لم تبقَ للدولة خيارات استراتيجية آمنة، بل باتت أمام واقع حسابي جاف وصادم. منذ تلك اللحظة الحرجة التي أعلن فيها العراق تقليص إنتاجه لم يبقَ مكان للحديث عن خطط التنمية والمشاريع العملاقة، كل شيء صار مكرّساً للبحث عن السيولة من أجل تأمين لقمة العيش اليومية لملايين المواطنين.
العراق، الذي أدار ظهره طوال سنوات لفكرة الادّخار السيادي، يجد نفسه اليوم محاصراً بمجموعة محدودة من الأدوات التي يظن البعض أنها مصدات صدمة، لكن التدقيق في تفاصيلها يكشف أنها أشبه بإسعافات أولية في غرفة إنعاش، هدفها إبقاء النبض مستمراً لا علاج المرض الهيكلي.
وفي هذا السياق تُعدُّ الاحتياطيات الأجنبية لدى البنك المركزي العراقي الملاذ الأخير للحكومة العراقية في مواجهة الأزمة. وفي إطار مسؤولياته الدستورية والقانونية في حماية الاستقرار النقدي والمالي والحفاظ على متانة وسلامة النظام المصرفي في العراق، عقد مجلس إدارة البنك المركزي العراقي في الثامن من آذار جلسة استثنائية لمتابعة التطورات الاقتصادية والمالية الراهنة، ومراجعة أبرز مؤشرات الاقتصاد الكلي، وتقييم التوقعات المستقبلية في ضوء المستجدات المحلية والدولية وما قد تفرضه من تحديات أو فرص أمام الاقتصاد الوطني.
وأوضح البنك المركزي العراقي أن الاحتياطيات الأجنبية تغطي 12 شهراً من الاستيرادات، وفي السياق ذاته ناقش مجلس إدارة البنك المركزي العراقي عدداً من البدائل لضمان تأمين الرواتب والنفقات الأساسية خلال الأشهر المقبلة، بما يكفل انتظام تنفيذ الالتزامات المالية للدولة، ويسهم في دعم الاستقرار الاقتصادي والمعيشي للمواطنين، فضلاً عن تعزيز الثقة بالسياسات المالية والنقدية للدولة، واستمرار النشاط الاقتصادي بصورة طبيعية.
يحمل بيان اجتماع البنك المركزي العراقي اعترافاً ضمنياً، يكشف عن حجم الضغط المسلّط على السياسة النقدية في معضلة تمويل الرواتب. وهذه البدائل غالباً ما تنتهي بالاقتراض الداخلي من خلال تشريع قانون للاقتراض من قبل مجلس النواب، وهو إجراء يهدف إلى منع حدوث شلل اجتماعي. كما أن تأكيد البنك المركزي على أن الاحتياطيات الأجنبية تغطي 12 شهراً من الاستيرادات هو رسالة طمأنة للأسواق بأن تأمين الغذاء والدواء مضمون خلال هذا العام، لكن هذه المدة هي سقف زمني لا يمكن تجاوزه؛ فكلما طال أمد توقف تصدير النفط بدأ العد التنازلي لتآكل هذا الغطاء.
لغز الصندوق السيادي: لماذا يغيب عن بلد المليارات؟
بينما تمتلك دول الجوار صناديق سيادية تعمل كأذرع استثمارية عالمية تؤمن مستقبل أجيالها -مثل جهاز قطر للاستثمار أو صندوق الاستثمارات العامة السعودي- يظل العراق صندوقاً فارغاً إلّا من الريع. وغابت في الوقت المناسب فكرة تأسيس صندوق سيادي، والمقصود بـ”الوقت المناسب” هنا هو عام 2003، في الفترة التي تلت الاحتلال الأمريكي للعراق، إذ كانت الظروف مؤاتية أكثر، أما الآن فصار الأمر أكثر صعوبة لأسباب كثيرة، أهمهما التضخم السكاني الذي ضاعف الالتزامات، والتضخم السعري الذي تراكم في العالم.
هذا الغياب ليس ناتجاً عن نقص في الأموال، بل هو نتيجة لخلل بنيوي في إدارة الثروة، إذ تعاملت الحكومات العراقية المتعاقبة مع فوائض النفط -خاصة في سنوات الطفرة السعرية- بوصفها فائضاً نقدياً للاستهلاك الفوري لا الاستثمار. بدلاً من توجيه هذه المليارات نحو أصول دولية أو مشاريع إنتاجية مدرّة للدخل، كان التوجه يتكرّر نحو امتصاص الغضب الشعبي عبر التوظيف الحكومي المفرط وتضخيم النفقات التشغيلية. هذا النهج جعل الدولة “تأكل نفطها”، مما أبقاها رهناً لتقلبات السوق النفطية اللحظية أو الظروف الطارئة التي قد تحدث، مثل إغلاق مضيق هرمز في الوقت الحاضر.
تتطلّب عملية إنشاء صندوق سيادي قانوناً يحمي أموال هذا الصندوق من أيدي الحكومات المتعاقبة، حيث إن كل المحاولات السابقة لتشريع قانون صندوق سيادي اصطدمت برغبة القوى السياسية في إبقاء المال تحت تصرف الموازنة السنوية التي تخضع للمساومات. في حين تحوّلت الموازنة السنوية في العراق، شيئاً فشيئاً، إلى عقد سياسي يُعاد التفاوض عليه كلّ عام، إذْ يمنح إبقاء الفوائض المالية داخل الموازنة الكتلَ السياسية فرصةً للمساومة على حصص المحافظات، والمشاريع، والدرجات الوظيفية.
أما الصندوق السيادي فهو بطبيعته يتطلب عزلاً مالياً وقواعد صارمة تمنع المساس بالأموال، مما يعني تجريد السياسيين من ورقة ضغط مالية كبرى، وإن هذا الاصطدام بين رغبة الادّخار وواقع المساومة جعل العراق يعيش حالة من الانكشاف المالي. فبدلاً من أن يمتلك مخزناً محصّناً للأزمات أصبح لديه خزينة مفتوحة، تُستنزف عند أيّ انخفاض لأسعار النفط أو تعطل لتدفقاته، وتترك العراقيين في حالة ذهول وتخبط.
غياب الصندوق السيادي ليس مجرد فرصة ضائعة، بل هو قرار سياسي بتفضيل الاستهلاك اللحظي على الاستقرار الاستراتيجي، وهو ما يجعل المواطن العراقي اليوم يدفع ثمن هذه المساومات من استقراره المعيشي.
كيف تُدار الدولة بـ”القطعة“ عند وقوع الصدمة؟
عندما تتوقف صادرات النفط لا تسقط الدولة فجأة، بل تدخل في مرحلة التآكل التدريجي وتغيب عندها الرؤية الاستراتيجية، وأولى خطوات الإنقاذ الاضطراري هي اللجوء إلى الاقتراض الداخلي من المصارف الحكومية. عملياً، تعني هذه الخطوة ضخّ كتلة نقدية في السوق دون غطاء إنتاجي، مما يؤدي مباشرة إلى ضغوط تضخمية ترفع الأسعار وتضغط على قيمة الدينار.
وبما أن الكتلة النقدية المخصصة للرواتب والمنح الاجتماعية ضخمة جداً، وتتجاوز سبعة أو ثمانية تريليونات دينار شهرياً، فإن أي نقص في السيولة يترجَم فوراً إلى تأخير في دفع المستحقات. هذا التأخير ليس مجرد إجراء إداري، بل هو صدمة للسوق؛ فبمجرد تأخر الرواتب لأيام تدخل القوة الشرائية في حالة شلل، وتتوقف حركة البيع والشراء، مما يعمق حالة الركود الاقتصادي ويحول الأزمة المالية إلى أزمة اجتماعية، إذ يتحول التأخير إلى أزمة ثقة بين المواطن والدولة، ويسود الحذر والترقب، وتبدأ شائعات الانهيار المالي بالانتشار، مما يدفع الناس نحو الاكتناز بدلاً من التداول، وهو ما يزيد من جفاف السيولة في السوق المحلية، ويحوّل الأزمة المالية التقنية إلى أزمة اجتماعية ونفسية حادة قد تنفجر في أيّة لحظة على شكل احتجاجات غاضبة.
وفي هذه الدوامة، تضطر الدولة للتضحية بــ”النوع” من أجل “الكم”؛ فتُهمل صيانة المحطات، وتوقف مشتريات الأدوية، وتُجمد مشاريع المياه، لتوجيه كلّ دينار متاح نحو سدّ ثغرة الرواتب. هذا النهج يضمن بقاء الدولة على قيد الحياة ظاهرياً، لكنه ينخر في أساسات خدماتها وبنيتها التحتية، مما يجعل كلفة العودة لمرحلة الاستقرار بعد انتهاء الأزمة باهظة جداً.
هذا الواقع يثبت أن الدورة الاقتصادية في العراق ليست دورة إنتاجية، بل هي مجرد عملية توزيع لريع النفط. فإذا تعطّل الموزع (الدولة) توقفت “الماكينة” بالكامل، مما يضع مصير ملايين العائلات تحت رحمة استقرار الموانئ والملاحة، في مشهد يفتقر لأدنى معايير الأمان المالي الاستراتيجي.
ما يواجهه الاقتصاد العراقي اليوم مع توقف منصات التصدير ليس مجرد أزمة سيولة عابرة، بل هو انكشاف تام لبنية مالية هشة تم ترحيل أزماتها لعقود، وشبكة الأمان التي يعتمد عليها العراق حالياً، المتمثلة في احتياطيات البنك المركزي أو المناورات القانونية للاقتراض الداخلي، ليست سوى مصدات مؤقتة صُممت لامتصاص الهزات الخفيفة، لكنها تقف عاجزة أمام مشكلة انقطاع تصدير المورد الوحيد.
العراق اليوم يقف أمام مفترق طرق تاريخي؛ فإما الاستمرار في سياسة أكل البذور وانتظار معجزات أسعار النفط، أو البدء فوراً في بناء مظلة حقيقية تحمي أجياله القادمة. وإن الأزمات ليست مجرد كوارث، بل هي فرص أخيرة للإصلاح. فإذا لم تكن صدمة توقف التصدير الحالية كافية لإعادة صياغة العقد المالي بين الدولة والثروة، فإن الارتطام العظيم القادم قد لا يترك مجالاً لأي إسعافات أولية. لقد حان الوقت لانتقال العراق من اقتصاد “اليوم بيومه” إلى اقتصاد الدولة المستدامة، قبل أن تستنزف الأزمات ما تبقى من وسائد الأمان الأخيرة.