تقارير سردية: الكرد في دوامة الحرب الأمريكية الايرانية.. تطلعات “الخلاص” ومخاوف “التنكيل” ودروس التأريخ

الكرد في دوامة الحرب الأمريكية الايرانية.. تطلعات “الخلاص” ومخاوف “التنكيل” ودروس التأريخ

وسط الحرب الأمريكية الاسرائيلية - الايرانية بما تحمله من تداعيات على مستقبل المنطقة، يجد الكرد أنفسهم عالقين بين المشاركة بما قد تحمله من فرص في ظل احتمال تغيير النظام السياسي القائم، وبين المخاطر الكامنة من بقاء النظام وعودته بحرسه الثوري لسحق المنتفضين والمعارضين، في ظل انعدام الثقة بالمواقف الأمريكية المتقلبة وفق مؤشر مصالحها ومع تجارب تأريخية مليئة بالخيبات.

انقلب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، على تصريحاته في بداية الحرب مع ايران بشأن دعمه “لإنخراط الكرد فيها” عبر هجمات منسقة، حين كان سقف التطلعات عاليا ويصل الى إحداث تغيير في النظام. وقال بعد مرور اسبوع من الحرب “لا نريد أن نجعلها أكثر تعقيدا.. لا أريدهم أن يذهبوا ويتعرضوا للقتل”.

موقف ترامب، المعروف بتقلباته السريعة وتصريحاته المتضادة والمتناقضة، خفف من الضغوط على قيادة اقليم كردستان العراق، وهدأ من المخاوف الكردية بشأن توسيع ايران لدائرة استهدافاتها داخل الاقليم وسقف تهديداتها المتلاحقة.

الرئيس الأمريكي المعروف بلجوئه للغة المبالغة، كان قد قال، تعليقا على امكانية مشاركة الفصائل الكردية الايرانية في الحرب من خلال عبورها للحدود العراقية حيث تتواجد معسكراتها والقيام بهجمات بهدف المساهمة في تشجيع الايرانيين على التظاهر ضد نظامهم واضعافه من الداخل “سيكون ذلك رائعاً”.

لكنه في السابع من آذار مارس، وبعد رفض قيادات اقليم كردستان لتلك الخطوة خشية من الانتقام الايراني، عاد ليقول: “نحن لا ننظر إلى خيار دخول الأكراد إلى داخل إيران. نحن أصدقاء جيدون لهم، ولا نريد أن نجعل هذه الحرب أكثر تعقيدا”. “أنا لا أريدهم أن يذهبوا… لا أريد أن أرى الأكراد يتعرضون للأذى ويُقتلون. لدينا علاقة جيدة جدا، وهم مستعدون، لكنني قلت إنني لا أريدهم أن يذهبوا”.

وكانت الأحزاب الكردية الايرانية المعارضة، والتي تأسست منذ عقود ودخلت في العديد من المعارك مع نظام الجمهورية الاسلامية، للمطالبة بالاعتراف بالحقوق السياسية والثقافية للشعب الكردي ولمنحهم نوع من الادارة الذاتية للمناطق الكردية، قد أعلنوا في 22 شباط فبراير عن تشكيل “تحالف القوى السياسية في كردستان ايران” الذي ضم ستة أحزاب مسلحة، وهي:  الحزب الديمقراطي الكردستاني في إيران بزعامة مصطفى هجري، وحزب الحياة الحرة الكردستاني (بيجاك) الذي يعد امتدادا لحزب العمال الكردستاني، وحزب الحرية الكردستاني (PAK) الذي يقوده حسين يزدان بناه، و حزب كومالا (حزب عمال كردستان) برئاسة رضا كعبي، ومنظمة خبات في كردستان الإيرانية التي يتزعمها بابا شيخ حسيني، وحزب تجمع العمال الثوري الكردستاني الذي يقوده عبد الله مهتدي.

وللأحزاب المذكورة، نشاط سري في المحافظات الكردية غربي البلاد على الحدود مع العراق والتي يشكل الكرد فيها اغلبية سكانية، ويقدر عددهم بأكثر من 10 مليون نسمة، اضافة الى وجودهم في شمال شرقي ايران بمنطقة خراسان، وفي شمال غربي إيران بمناطق انتشار الآذريين. وكان لهم دور كبير في موجتي الاحتجاج الأخيرتين، في أيلول سبتمبر2022 على خلفية مقتل الشابة الكردية مهسا اميني، وفي نهاية العام 2025 وبداية العام 2026 بسبب انهيار العملة وتردي الوضع الاقتصادي.

وكانت تقارير صحفية أمريكية، قد ذكرت ان مجموعات كردية عبرت الحدود، وهي تستعد لخوض معارك مع القوات الايرانية، لكن قوى كردية نفت ذلك، كما ان طهران أكدت أن الحدود آمنة وتوعدت بمواجهة قاسية مع أي مجموعات مسلحة تحاول عبور الحدود.

وكان مجلس الدفاع الإيراني، قد وجه تحذيراً إلى من وصفهم بـ”الأصدقاء والإخوة في إقليم كردستان العراق”، ذكر فيه انها استهدفت الى الآن “قواعد أميركا وإسرائيل والمجموعات الانفصالية” في الإقليم فقط، لكن “جميع منشآت إقليم كردستان العراق ستتحول إلى أهداف مشروعة في حال استمرار التآمر عبر الإقليم”.

الرؤية الأمريكية تتعثر.. البحث عن بدائل

الرؤية الأمريكية التي يبدو ان الحرب صممت على أساسها، كانت تتركز على احداث تغيير سريع من داخل النظام بعد اغتيال المرشد وكبار قيادات الحرس الثوري وضرب كل مراكز القيادة بما يحدث زلزالا كبيرا ويمنح فرصة خروج ملايين الايرانيين في تظاهرات عارمة ضد السلطة تؤدي في النهاية الى انهيارها أو اجبار بقايا النظام على الاستسلام بعد القبول باحداث تغيير داخلي.

لكن الحملة الجوية، وان نجحت في قتل المرشد الاعلى علي خامنئي ونحو 40 من قيادات البلاد، فانها لم تحقق هدف “احداث تغيير داخلي باختيار بديل لا ينتهج سياسات خامنئي” أو اجبار ايران على الاستسلام والخضوع للشروط الأمريكية.

ذلك ما يجبر أمريكا على البحث عن حلول أخرى تسرع في أنهاء الحرب بتكلفة منخفضة وتحقق “النصر المنتظر” الذي يريده الرئيس الأمريكي، وهذا ما يستوجب التركيز أكثر على تشجيع الايرانيين على الثورة ضد النظام، وبشكل خاصة الأقليات منهم، مثل الكرد والبلوش والعرب والآذريين، ودفعهم للإنخراط في جهود انهاك النظام وصولا لطرد أجهزته الأمنية والعسكرية من المحافظات التي تشكل فيها تلك المكونات اغلبية سكانية، وهو ما يمكن ان يشجع سريعا على حصول انهيارات أمنية في كل مناطق البلاد لاحقاً.

رفض الضغوط والاغراءات الأمريكية

بسبب موقع الكرد الجغرافي على الحدود الغربية لايران، حيث تنتشر قواعد أمريكية في كردستان العراق، ومع وجود أحزاب معارضة كردية مسلحة تتوق للمشاركة في اي جهود لاسقاط النظام الايراني وبناء دولة جديدة تضمن حقوقا متساوية لجميع مكوناتها، وجدت الولايات المتحدة ان الكرد يمكن ان يلعبوا دور المحرك في عملية المساهمة بتغيير النظام أو اجباره على الاستسلام.

الفكرة الأمريكية تركزت على شن هجمات جوية مكثفة على كل مراكز القيادة والأمن والجيش في المحافظات ذات الأغلبية الكردية، وبالتالي تهيئة الأرض لتحرك فصائل كردية ايرانية مدعومة بغطاء جوي، بما يمكنها من السيطرة التدريجية على مناطق حدودية واسعة تشكل نقطة انطلاق الى باقي أجزاء ايران.

لكن أي مشاركة للكرد في تلك المحاولة، ستحمل مخاطر كبيرة على اقليم كردستان الذي سيكون في دائرة النار الايرانية المباشرة، حيث ستنظر اليه طهران كشريك في ذلك التحرك، وهو ما قد يحول الاقليم نفسه الى ساحة حرب مفتوحة، تستهدف فيه كل منشآتها ومرافقها الحيوية كما هدد مسؤولون ايرانيون.

تلك المخاطر، دفعت قيادات اقليم كردستان، وبشكل أساسي الحزبين الكرديين الحاكمين، الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني، والاتحاد الوطني بزعامة بافل طالباني، طوال الأيام الأولى للحرب، الى رفض الضغوط والاغراءات الأمريكية للانخراط بشكل غير مباشر في الحرب، والنأي بنفسها عن المساع الأمريكية لتشجيع أحزاب المعارضة الكردية الايرانية المتواجدة في اقليم كردستان على عبور الحدود.

وكررت قيادات اقليم كردستان، تأكيد وقوفها على الحياد ورغبتها في انهاء الحرب وفي الحد الادنى منع توسيعها. بل سارعت الى تقديم العزاء بوفاة المرشد الأعلى علي خامنئي، واعلنت رفضها لاستخدام اراض الاقليم في استهداف ايران، كما نسقت مع الحكومة العراقية لضبط الحدود من خلال نشر مزيد من افراد حرس الحدود العراقي في المنطقة.

زعيم الحزب الديمقراطي مسعود بارزاني، قال ان اقليم كردستان ليس جزءاً من هذه الحرب، وأنه مستعد للمشاركة في أي دور سلمي يُطلب منه من أجل إنهاء الأزمة والحفاظ على الاستقرار.

بل ان رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني، هنأ المرشد الأعلى الجديد في إيران بتسنمه منصبه، مؤكداً حرص الإقليم على تطوير العلاقات مع الجمهورية الإسلامية.

وتتفق القيادات الكردية العراقية، على أن توسع الحرب سيحمل تداعيات خطيرة على اقليم كردستان الذي لا يملك اي وسائل حماية ضد المسيرات والصواريخ الايرانية ولا يملك قدرات عسكرية لصد اي هجمات انتقامية من الحرس الثوري الايراني.

Iran kurds

تذكير بالماضي.. مواقف النخب الكردية

مع بدء الحرب وبعد الاتصال الذي اجراه ترامب مع قادة اقليم كردستان، ورئيس حزب ايراني معارض، دار نقاش واسع في كردستان بين النخب السياسية والأكاديمية والصحفية، بشأن الأرباح والخسائر المحتملة للإنضمام الكردي لهذه الحرب.

العديد من الباحثين والمراقبين للحزب، أبدوا رفضهم لأي انخراط كردي في مشروع “أمريكي – اسرائيلي” لا تعرف نتائجه ويهدف لتحقيق مصالح دولية خاصة، وان تلاقت مع مصلحة الشعوب الايرانية في تغيير النظام الحالي. لكن تلك المصلحة الأمريكية الاسرائيلية قد تتحقق بتسويات سريعة مع القيادة الايرانية الجديدة ليجد بعدها الكرد أنفسهم وحيدين يتعرضون للانتقام.

بعض الكتاب الكرد، استعادوا ما حدث قبل شهرين في سوريا حين تخلى الأمريكان عن حليفهم في التحالف الدولي، قوات سوريا الديمقراطية، الذي قدم أكثر من 20 ألف قتيل وجريح في قتال تنظيم داعش خلال عشر سنوات، لصالح حكومة تقودها فصائل ارهابية تكفيرية تحمل ذات عقيدة داعش بعد تفاهمات مع زعيمها أحمد الشرع. يومها قال الأمريكيون للكرد وعلى لسان ممثلهم توم باراك “لقد انتهت مهمتكم”.

صحفيون ذَّكَروا بما حصل في العام 2017 بعد الاستفتاء الكردي للانفصال عن العراق، حين لم يتدخل الأمريكان لحماية “حلفائهم الكرد” في مواجهة تقدم الحشد الشعبي والجيش العراقي وسيطرته على كامل المناطق المتنازع عليها بما فيها كركوك.

وحذر باحثون من ان الحديث عن ضمانات أمريكية مقابل الانخراط في “معركة مجهولة النتائج مع عدو قوي وشرس” لا يمكن الركون اليها، خاصة في ظل عدم التيقن من امكانية سقوط النظام في طهران، ومع عدم وضوح الهدف الأمريكي وتقلبه بشكل متكرر بين “اسقاط النظام” أو الاكتفاء “بتغيير جزئي” يلبي الشروط الأمريكية خاصة في ملف الصواريخ بعد حسم الملف النووي.

يتساءل الكاتب والصحفي هيوا محمود عثمان: هل يكرر الكردي اليوم قصة أسلافه؟، منبهاً الى الرسائل المتناقضة التي يطلقها ترامب والتي تفيد بأن “تغيير النظام ليس هدفا ثابتاً”.

ويحذر، من نمطٍ يتكرر في التاريخ الكردي: حضورٌ دائم في المعركة، وغيابٌ شبه دائم عن التسوية، مذكرا من أن واشنطن “لم تُبدِ يوماً استعداداً لإعادة رسم حدود المنطقة من أجل الكرد، وأن أي دور يُطلب منهم اليوم لن يكون سوى دورٍ تكتيكي لا استراتيجي، وكأداة ضغط لا كشريك في القرار”.

ويقول عثمان: “مرة أخرى يُطلب من الكردي أن يلعب دوره في لعبة أكبر منه، هذا المشهد رواه لنا آباؤنا، ورويناه نحن لأبنائنا. في 1975، وفي 1988، وفي 1991، ومؤخرا في روجافا (شمال سوريا). في كل مرة دخل الكردي تحالفاً غير متكافئ مع قوة كبرى. وفي كل مرة تغيّرت المصالح والاستراتيجيات، وعُقدت الصفقات، وبقي الكردي وحده في الميدان يدفع الضريبة”.

ويخلص الى القول: عندما تتحدث القوى الكبرى عن فرص، فمن الطبيعي أن تحاول الشعوب المظلومة استغلالها. لكن المشكلة أن الفرصة في السياسة الدولية ليست دائماً فرصة. قد تكون في كثير من الأحيان فخاً، يمشي إليه المغلوب على أمره بكامل وعيه. وتاريخنا مليء بهذه الأفخاخ.

الباحث والصحفي كمال جوماني، يرى أن تحرك الأحزاب الكردية الايرانية بدعم امريكا، يمثل فرصة تاريخية لإسقاط نظام إيران، لكن ذلك يجب ان يتم بحذر كبير “فتجربة الكرد تخبرنا ان القوة الجريحة للدكتاتور قد تخلق مآسي مثل حلبجة”.

ويضيف إن الجمهورية الإسلامية ما تزال قوية، ولم يحصل الكرد على أي ضمانة من الولايات المتحدة “صحيح أنه لا ينبغي إضاعة الفرصة التاريخية، لكن هذه الحرب تحتاج إلى تعامل حذر وحكيم لمنع تكرار مآس الماضي”.

كتاب وباحثون كرد، ذَّكروا بكلام ترامب في بداية الحرب، حين قال أنه لا يمانع بقاء نظام إيران إذا كان القائد القادم مقبولاً لديه، منبهين الى ان هذا يعني أن “مشكلته ليست مع النظام نفسه، بل مع عقلية القائد الذي يحكمه” وهذا قد يشكل خطرا كبيرا على الكرد.

الناشط سيردين يوسف، يقول “لا اعتقد ان هنالك كردياً عاقلاً من شرقي كردستان سيفعل ما يطلبه ترامب دون ضمانات موثقة لحمايتهم، وهو ذاته مع مبعوثه في سوريا توم براك قد طعنوا اخوتهم في غربي كردستان (شمال شرق سوريا) قبل شهر من الآن”.

‏الكاتب والصحفي محمود ياسين كردي، يقول ان التجارب السابقة أثبتت ان “المصالح الدولية تتغير، أما الجغرافيا فتبقى. إيران جارنا، ونحن جزء من الدولة العراقية، ومصلحتنا تكمن في الاستقرار لا في الدخول بحرب لا نملك أدواتها”.

ويتساءل: لماذا يطلب من الكرد الدخول في هذه الحرب في حين ان “أذربيجان الحليف الاستراتيجي لإسرائيل والولايات المتحدة، والتي لديها حدود بطول 689 كيلومترا مع إيران، لا تسمح باستخدام أراضيها لشنّ هجوم على إيران؟”.

ويتابع:”لماذا دول الخليج، التي أنفقت مئات مليارات الدولارات على جيوشها، لا تدخل في مواجهة مباشرة مع إيران، بينما يُراد من الكرد الانخراط في هذه الحرب؟”.

ذات الرأي يطرحه كتاب آخرون، مشيرين الى ان أمريكا واسرائيل لن تضحي بعلاقاتها الاستراتيجية مع تركيا أو أذربيجان لدعم المطالب الكردية، وان المصالح الدولية تسترشد بعلاقات القوة وليس بالاعتبارات الأخلاقية، مؤكدين ان حصول الكرد على حقوقهم يجب ان يكون ضمن تحول سياسي شامل في إيران بدلاً من تحالف عسكري خارجي يمكن أن يعرضهم للانتقام أو المزيد من العزلة السياسية.

1111

الكرد والدعوات الأمريكية

ما تريده أمريكا من اقليم كردستان، هو ليس انخراط مباشر، بل السماح للأحزاب الكردية الايرانية المعارضة التي تتواجد داخل الاقليم للتحرك عبر الحدود الجبلية باتجاه ايران ودعمها للسيطرة على بعض المناطق الكردية، وصولا الى دفع المواطنين الكرد في ايران الى التحرك ضد السلطة القائمة.

وكانت حكومة اقليم كردستان، وفق الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران في العام 2023، قد أخلت العديد من المقرات العسكرية للأحزاب الكردية الايرانية القريبة من الحدود، وسحبت بعض سلاحها، وأخضعت حركتها للمراقبة. عدا حزب “الحياة الحرة” pjak الذي يصنف كجزء من حزب العمال، فهو يتواجد في مناطق خارج سلطة الاقليم، ولا يملك الحزبان الكرديان في كردستان تأثير على قراراته.

وتعاني الاحزاب الكردية الايرانية من ضعف التسليح، فغالبية أسلحتها خفيفة، كما ان عدد مقاتليها صغير ولا يتجاوزون بضعة مئات، وهي لم تنخرط من نحو ثلاثة عقود في اية معارك داخل ايران، ومساحة نشاطها السياسي تتركز في ثلاث محافظات ايرانية. لكنها وبحكم امتدادها التأريخي، تملك جمهور كبير من المؤيدين الذين يمكن ان ينخرطوا في الحراك الاحتجاجي وحتى العمل المسلح اذا وجدوا الفرصة مؤاتية لاحداث تغيير.

وهنا أيضا يبدو الوضع مختلفا بالنسبة لحزب الحياة الحرة، الذي ينشتر في المثلث العراقي التركي الايراني، وفي مناطق أخرى على حدود السليمانية، وهو يملك مئات المقاتلين الجاهزين ويملك تسليحا افضل، وللحزب تجارب قتالية لا تنقطع بحكم كونه جزءاً من حزب العمال، كما انه لن ينتظر الاذن من أحد للدخول في الحرب اذا وجد الفرصة مناسبة لذلك.

لكن هذا الحزب لا يثق بأمريكا، ومنهجيته الفكرية لا تتوافق مع الرؤى الأمريكية- الغربية، وهو مصنف ضمن قوائم الارهاب في عدة دول أوربية. كما ان دخوله في ايران وانتشاره فيها يمثل مصدر قلق هائل لتركيا التي لن ترضى بأي تمدد له.

وكانت وزارة الدفاع التركية، أكدت أنها تراقب عن كثب أنشطة منظمة “بيجاك الإرهابية” في إيران والتطورات في المنطقة، مشيرة الى ان أنشطة المنظمة “تثير نعرات الانفصال القومي” وهي لا تؤثر سلباً على أمن إيران فحسب، بل لها تأثيرات على السلم والاستقرار العام في المنطقة.

احزاب ايران تنتظر الفرصة

على الرغم من التراجع الأمريكي المعلن عن فكرة دعم شن الكرد عمليات داخل ايران، يرى باحثون ان مسألة تحرك الأحزاب الكردية في الداخل الايراني ستظل قائمة وانهم ينتظرون الظروف المناسبة، حتى مع عدم وضوح ما اذا كان الهدف الأمريكي من الحرب هو إسقاط النظام السياسي الحالي او مجرد الاكتفاء بتغيير جزئي.

يقول المتحدث باسم الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، خالد عزيزي، ان الحزب “لم يتلقَّ أي رسالة واضحة من الرئيس الأمريكي بشأن دورهم الحالي وحتى المستقبلي في هذه الحرب”.

ويضيف: “نحن ككرد لسنا طرفاً في هذه الحرب، لكننا منذ سنوات نناضل ضد هذا النظام… ومتى ما تطلبت الأوضاع أن ندخل الحرب فسندخلها، لكن في الوقت الحالي ليست لدينا نية من هذا النوع”.

وينبه عزيزي الى ان التحرك البري لم يصبح جزءاً أساسيا في هذه الحرب الى الآن، موضحاً “هذه حرب تُخاض من الجو والبحر بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد النظام الإسلامي. لذلك الوقت لم يحن لدخول كردستان إيران”.

على الرغم من ذلك، يؤكد ان حزبه لديه إمكانات على صعيد التنظيم والقدرات العسكرية. ويعرب عن أمله في “توظيف تلك القدرات بالتعاون والتنسيق مع الشعب الإيراني ومختلف التيارات السياسية، من أجل إرساء الديمقراطية في إيران”. لكنه يعود ويحذر “بدء الحرب أمر سهل جداً، لكن إنهاءها معقد”.

ولا تختلف رؤية حزب الحياة الحرة الكردستاني (بيجاك) عن رؤية الديمقراطي الكردستاني الايراني، وبحسب الرئيس المشترك أمير كريمي، فان الحزب يراقب تطور الأوضاع ومستعد لاتخاذ قرار التحرك اذا وجد الفرصة المناسبة.

ويشير كريمي، الى “وجود حوار وتبادل سياسي مع الامريكيين”، لكنه يؤكد: “لا ننتظر الضوء الأخضر من إيران أو الولايات المتحدة”.

ووفق رؤيته، الهجوم البري “غير مطروح حاليا”، والطريق الأفضل والأهم هو “تحوّل الشعب نفسه إلى قوة محرّكة عبر انتفاضة شعبية”.

وتفيد تصريحات بعض قيادات بيجاك أن المقاتلين الكرد الإيرانيين جاهزون للتحرك في حال اندلعت “انتفاضة”، سواء تلقوا دعما من واشنطن أم لم يتلقوه. وتؤكد انهم اذا تحركوا فسينتشرون حصرا في المناطق الكردية لحمايتها، ولن يتمددوا الى مناطق أخرى.

وعلى الرغم من تعقيدات المشهد على الأرض، وعدم وضوح الرؤية الأمريكية، ومآلات الحرب، يقول ناشط في حزب كردي معارض، فضل عدم ذكر اسمه، انه لا ينبغي لاقليم كردستان منع القوى الكردية في ايران، من الاستفادة من الفرصة التي تلوح في الافق، فان كانت الولايات المتحدة مستعدة فعلا لدعمهم وجدية في احداث تغيير ولو جزئي، فعليهم استغلال حالة تلاقي المصالح “هي قد تكون فرصتهم الأخيرة ليصبحوا لاعبا رئيسيا في إيران”.

ويرى الكاتب كاميران قرداغي، ان على الكرد استغلال أية فرصة تمكنهم من “ايجاد مكان ولو محدود على الخريطة لكن بحذر شديد دون ان يتجاوزوا حدود امكاناتهم ودون طرح مطالب مفرطة”.

ويؤكد نشطاء سياسيين على أهمية الحضور الكردي في الحرب اذا اتسعت، لضرورة أن يكون الكرد لاعبا جاهزا لمرحلة ما بعد نظام ولاية الفقيه الحالي، بما يمكنهم من تحقيق مكاسب على الأرض بما فيه مطلبهم بتطبيق الفيدرالية كنظام حكم في ايران.

Kurds

التحديات.. الموقف التركي

تواجه مسألة مشاركة الأحزاب الكردية الايرانية المعارضة، في الحرب الدائرة، جملة تعقيدات منها ما يرتبط بمدى استعداد واشنطن لدعم تحركهم بغطاء جوي مكثف وحماية مناطقهم من العمليات الانتقامية المتوقعة، فالحرس الثوري سيوجه سلاحه بنحو أكثر قسوة نحو اي فئة ايرانية تشارك في محاولة اسقاط النظام.

الكرد هنا يتذكرون جيدا سيناريو انتفاضة العام 1991 في العراق، حين شجعت الولايات المتحدة العراقيين على التحرك، لكنها بقيت متفرجة لاحقا حين قمع نظام حزب البعث بوحشية الانتفاضة الكردية في الشمال والشيعية في الجنوب.

كما ان القوى الكردية الايرانية تبحث عن ضمانات بشأن مستقبلهم السياسي. وهم سيحتاجون الى دعمهم بالأسلحة بما يقوي حضورهم على الأرض، وكل هذا هو محل رفض من أنقرة التي تخشى من تداعيات ذلك على أمنها.

والمخاوف التركية يجري تناولها بجدية في الأروقة السياسية التركية، وكانت حاضرة في المباحثات التي جرت بين وزير الخارجية التركي “هاكان فيدان” ووزير الخارجية الامريكي ماركو روبيو، حيث قال فيدان: إنه تباحث حول الأنباء الواردة عن تسليح مقاتلين أكراد، ومنهم حزب “PJAK” وان روبيو نفى ذلك وقال له “لا يوجد شيء من هذا القبيل”.

وقال فيدان، أيضا إن روبيو أبلغه بأن واشنطن لا تنوي إدخال أحزاب كردية إلى ساحة الحرب مع إيران. وذكر ان تركيا تتابع هذه القضية عن كثب عبر وزارة الخارجية والمؤسسات الأمنية والاستخبارية.

واشار الى أن “بعض الأطراف وعلى رأسها إسرائيل تحاول منذ سنوات استخدام القوى الكردية ضمن إستراتيجياتها الإقليمية، بما في ذلك في الساحة الإيرانية”، مشددا على أن إدخال أي أطراف جديدة إلى الصراع سيكون خطوة خاطئة من شأنها تعقيد الأزمة وزيادة أخطارها.

بينما قالت وزارة الدفاع التركية، ان “أنشطة الجماعات التي تغذي النزعة الانفصالية العرقية، مثل ⁠حزب الحياة الحرة الكردستاني، لا تؤثر سلبا على أمن إيران فحسب، بل على السلام والاستقرار في المنطقة ككل”.

وتعارض تركيا، التي تراقب المنطقة الحدودية بحذر كبير، أي دفع غربي للقوى الكردية في إيران للتحرك ميدانياً، وترفض أي جهود لتمكين الكرد أو اسهامهم في قيادة العمليات البرية ان اتخذ قرار بشأنها.

ويرى باحثون كرد، ان تركيا قد تلجأ الى تحريك الآذريين في إيران، وهم على خط التماس مع المناطق الكردية، لاجهاض اي طموحات قومية كردية، في جغرافيا يجدون أنفسهم فيها مطوقين بين تركيا الأتاتوركية، والخط العراقي الشيعي الموالي لإيران، والآذريين المجاورين للمدن الكردية في الداخل.

في انتظار التطورات

مع تراجع خيار تحرك الأحزاب الكردية الايرانية المعارضة، على الأقل في الوقت الحالي، لوحظ تراجع كبير في كثافة الهجمات الامريكية الاسرائيلية على مناطق غربي البلاد وبشكل خاص “كردستان إيران” في الأيام الأخيرة.

وكانت الأيام الأولى للحرب، شهدت استهدافا كثيفا للمراكز الأمنية والعسكرية والاستخبارية وحتى الحكومية في المناطق الكردية، لكن خط الضربات الجوية تراجع هناك ليتركز في الأيام الأخيرة على وسط إيران.

في المقابل وعلى الرغم من موقف قيادات اقليم كردستان العراق، الرافضة للحرب والتي تمنع، على الأقل وفق ما هو معلن، أي مساهمة للقوى الكردية الايرانية المعارضة فيها، فان مدن الاقليم مازالت تتعرض لوابل من الهجمات الايرانية التي أدت الى تعطل الكثير من المؤسسات والمرافق العامة، بما فيه توقف الدراسة في المدارس والجامعات.

وبحسب ارقام شبه رسمية، تعرض الاقليم لغاية ظهيرة يوم الأربعاء (11 آذار مارس) الى 245 هجوماً بالطائرات المسيرة والصواريخ. وتوزعت الهجمات بين محافظة أربيل بـ 205 هجوما، والسليمانية 34 هجوماً، ودهوك ب اربع هجمات نفذت بطائرات مسيرة. وأسفرت الهجمات عن مقتل 5 أشخاص وإصابة 23 آخرين. وبين القتلى 4 من أعضاء أحزاب كردستان إيران، وعنصر من الآسايش في مطار أربيل، اما الاصابات فبينهم 11 من القوات الأمنية والحراس الشخصيين والمدنيين، و12 من أعضاء أحزاب كردستان إيران الذين تتعرض مناطق تواجدهم لهجمات مكثفة.

يقول شوان علي (55 عاما) وهو مدرس ثانوي يقيم في اربيل، ان الهجمات الايرانية على كردستان تستمر على الرغم من ان القنصلية الايرانية مفتوحة وتستقبل المعزين في مقتل خامنئي والمهنئين بانتخاب أبنه مجتبى.

ويضيف بنبرة حادة: “الكثير من مناطق الاقليم تتعرض للهجوم، وليست فقط القنصلية الامريكية او المطار وقاعدة حرير، في وقت قيادات كردستان ترفض الحرب وتؤكد على اقامة أفضل العلاقات مع طهران”.

ويتابع: “نحن لسنا شركاء في هذه الحرب، لكن حياتنا تغيرت بسببها، المدارس والجامعات متوقفة، الكهرباء مقطوعة، وأسعار المواد الغذائية ترتفع، والكثير من السكان القريبين من المراكز الأمنية غادروا بيوتهم خوفا من الهجمات الايرانية”. 

يقول الباحث والكاتب براء صبري، ان “الاستخبارات الأمريكية كانت ترغب باستخدام كرد إيران كـ “شرارة” للحرب الداخلية أو ما تسميه الثورة ضد نظام الملالي المستبد؛ لكن لا شيء آخر بعد تلك المرحلة، أي تريد استخدامهم “كوقود التشغيل”، وبعدها يأتي الآخرون لقطف الثمار.

ويضيف إن الاستفادة من التجارب المؤلمة مع الأمريكيين، بالإضافة إلى قراءة التطورات العسكرية في المنطقة وعموم الخليج، دفعت الكرد رفض مطالب ترامب أن يكونوا “جنودا تحت الطلب” ودون مقابل.

مع ما يبدو أنه تورط أمريكي، في حرب مفتوحة بلا نهايات واضحة، وفي ظل صعوبة حسم الأمور عبر الضربات الجوية، سيضطر الأمريكيون بعد أسابيع من الهجمات التي تستهدف اضعاف الحرس الثوري، الى التحرك على الأرض ومحاولة اقحام قوى من داخل إيران في الحرب، بما فيهم المعارضة الكردية، على أمل أن يشجع ذلك على اندلاع “انتفاضة داخلية” تسقط مدن وتدفع لإنشقاق ألوية عسكرية، بما يساهم في “تنشيط” الشعب الإيراني للإطاحة بالنظام.

المزيد عن تقارير سردية

تقارير سردية","field":"name"}],"number":1,"meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":33491}" data-page="1" data-max-pages="1" data-start="1" data-end="1">