تحليل: مرشد جديد وخيارات محدودة.. الفصائل العراقية في المعركة الإقليمية  

مرشد جديد وخيارات محدودة.. الفصائل العراقية في المعركة الإقليمية  

مرشد جديد في طهران، وحرب إقليمية مفتوحة، وفصائل عراقية موالية لايران دخلت ساحة الاشتباك وباتت محل استهداف أمريكي مباشر.. تطورات تفرض أسئلة ملحة على طاولة الأمن والسياسة في العراق.. ماذا سيكون موقع ودور هذه الفصائل على الخريطة الإقليمية؟ وما هي احتمالات تغير وضعها في المستقبل القريب؟ في ظل حرب لا يبدو أن نارها ستنطفئ بتوقفها.

بعد أشهر من الوعيد، تحقق ما كانت تخشاه الفصائل المسلحة في العراق، حيث اغتالت غارة أمريكية-إسرائيلية قائدهم الأول ومرشدهم الأعلى علي خامنئي بمنزله في طهران، صباح 28 شباط الماضي، وما هي إلّا ساعات حتى بدأت صواريخ ومسيرات تلك الفصائل بشق سماء العراق باتجاه القواعد والمصالح الأمريكية.

ومع وجود تصعيد ملحوظ بأدوات وآليات وحجم الاستهدافات تبرز أسئلة هامة: ما هو موقع ودور هذه الفصائل على الخريطة الإقليمية، وما هي احتمالات تغير وضعها في المستقبل القريب؟ خصوصاً مع تعيين مرشد جديد غامض وحرب لا يبدو أن نارها ستنطفئ بتوقفها.

“وحدة الساحات” لم توحّدهم


لفهم مشهد الفصائل العراقية يجب معرفة اللاعبين الأساسيين بالاسم والثقل والعقيدة، فالحديث عن تلك الفصائل بوصفها كتلة واحدة متجانسة هو تبسيط مُضلّل لواقع أكثر تعقيداً وأعمق جذوراً. ولأسباب أمنية وأخرى سياسية وقانونية يمتلك كل فصيل عدة مسميات وتفريعات، وفي أواخر عام 2023 جرت محاولة لحصر جميع الفصائل العاملة عسكرياً تحت اسم “المقاومة الإسلامية في العراق”، لكن هذا الغطاء الجامع -رغم استمراره لغاية اليوم- لم يكن فعّالاً، حيث استمرت العديد من الفصائل بإعلان مواقفها باسمها الصريح أو بواسطة أحد فروعها.

مع الإعلان عن تأسيس “المقاومة الإسلامية في العراق” كشفت كتائب حزب الله أسماء الفصائل الناشطة فيها، وأعلنت عن أربع جهات: “أنصار الله الأوفياء، وحركة النجباء، وكتائب سيد الشهداء، وكتائب حزب الله”، الأمر الذي أدخلهم في شجار إعلامي مع عصائب أهل الحق التي امتعضت من هذه الخطوة، ليتم تصحيح الأمر بعد عامين في بيان صادر عن “تنسيقية المقاومة العراقية”، الذي أضاف فصيلين للأربعة المذكورين آنفاً وهما: “عصائب أهل الحق، وكتائب كربلاء”.

فضلاً عن هؤلاء الستة، هنالك فصائل فرعية نشطت أو ما تزال ناشطة لغاية اليوم، وجميعها يعمل تحت إمرة اللاعبين الأساسيين، وهم كل من: سرايا أولياء الدم (ظهرت في نيسان 2021)، وكتائب صرخة القدس (اسمها الثاني “أصحاب الكهف” وظهرت في آذار 2020)، وتشكيل الوارثين (آب 2022)، وجيش الغضب (25 شباط 2026)، فضلاً عن فصائل أقل شهرة مثل “الثوريون”، الذي ظهر لمرة واحدة أعلن فيها استهداف قاعدة عين الأسد في 2024 ثم اختفى بعدها.

ما يجمع هذه الفصائل على اختلاف آرائها وطموحاتها وتحركاتها السياسية هو الانتماء إلى مشروع واحد، ظهر بعد 7 أكتوبر باسم “وحدة الساحات”، يقوم على ربط جبهات القتال في غزة وطهران وبيروت وصنعاء وبغداد في معادلة ضغط واحدة على الولايات المتحدة وإسرائيل.

بعودة بسيطة للتاريخ، نستنتج أن الفصائل لا تولد من فراغ ولا تنمو بلا تربة، والتربة العراقية خصبة لإنبات نموذج كهذا.

البذور باتت يانعة


قبل عام 2003 زرعت إيران بذوراً لجماعات معارضة لصدام حسين في العراق، وقطفت ثمارها بعد سقوطه، واستثمرت في ذلك الفراغ الذي رافق تحركات الولايات المتحدة كحل الجيش والأجهزة الأمنية وخطواتها التي تركت ملايين الشباب بلا راتب ولا مستقبل، وعندها كل ما احتاجته إيران لتعظيم حجم ونفوذ ووجود أعوانها هو قليل من التمويل، وكثير من العقيدة القائمة على الشعور بالمظلومية والتهميش ووحدة المصير، وهي أدوات أكثر رسوخاً من أي احتلال عسكري.

بعدها بعقد، كان للكارثة الأمنية المتمثلة باجتياح تنظيم داعش وسيطرته على مساحة شاسعة من أرض ومدن العراق دور محوري في مسيرة تلك الفصائل؛ حيث مثّل الاجتياح منحة سياسية غير متوقعة تسببت بإعادة إنتاجهم مرة أخرى، ولكن بصفة حماة ومحررين ومعوضين لضعف أجهزة الدولة الأمنية التي انهارت جزئياً أمام “دولة الخلافة”، فدخلوا معركة عقائدية مضادة للتنظيم الإرهابي حققوا خلالها إنجازات أضيفت إلى رصيدهم الشعبي والسياسي.

في السنوات اللاحقة وجدت تلك الفصائل نفسها بحجم أكبر مما كانت تتوقع وتطمح، ومع بداية شعورها بالنشوة تعرضت مباشرة إلى اختبار مصيري نقلها من صف الشارع إلى صف السلطة، حيث انطلقت احتجاجات شعبية واسعة عام 2019 تطالب بإسقاط النظام وتحرير البلاد من التبعية لإيران، التي وصلت إلى مراحل متقدمة خلال حكومة عادل عبد المهدي، عندها انسلخت تلك الفصائل بشكل تام وصارت توصف في الشارع بأنها “حرس ثوري عراقي”، ودافعت باستماتة عن استمرار النظام وشاركت في قمع الاحتجاجات ونجحت بذلك في نهاية المطاف، لكنها خسرت ما خسرته من رصيد شعبي عملت على زيادته لمدة عقد ونصف.

وهذه الصورة وصمت الفصائل لمدة أربعة أعوام لاحقة، حتى جاء 7 أكتوبر 2023، الذي قلب وغيّر كل موازين المنطقة وأثر حتى على فصائل العراق المسلحة، حينها لم يعد العراق ساحة للصراع الداخلي فحسب، لكنه أصبح قطعة في رقعة شطرنج إقليمية واسعة تتبارى فوقها واشنطن وتل أبيب ضد طهران، وبمشاركة أقل من تركيا ودول الخليج.

وكما هي الحال في كل معادلة استراتيجية، ثمة متغيّر يقلب المشهد بأسره. في حالة الفصائل العراقية اليوم، هذا المتغيّر اسمه مجتبى خامنئي.

قائد جديد خلف المقود


المرشد الأعلى الجديد في إيران مجتبى خامنئي، المولود عام 1969، ظلّ لعقود أحد أكثر الشخصيات نفوذاً داخل النظام الإيراني، على الرغم من ندرة ظهوره العلني أو تولّيه منصباً سياسياً رسمياً. عمل في الخفاء بإدارة مكتب والده خلف الكواليس، ونسج علاقات وطيدة مع قيادات الحرس الثوري منذ انضمامه إلى السلك العسكري عام 1987. رجلٌ صنع نفوذه في الظل، واعتلى المنصب الأعلى في أشد لحظات المنطقة حرجاً.

اتفق معظم المراقبين الغربيين على أن تعيين مجتبى خامنئي قائداً أعلى يبعث برسائل واضحة تنمّ عن التحدي والاستمرارية، إذ اختار النظام الإيراني شخصيةً مقرّبة من الحرس الثوري، لتأكيد هيمنة هذا الجهاز على مفاصل الدولة في ظل الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل. بمعنى أوضح، فإن الضربة التي أرادت قطع رأس النظام أنتجت رأساً أكثر التصاقاً بالحرس الثوري من سابقه.

الفصائل المسلحة العراقية رحّبت باختيار مجتبى خامنئي مرشداً أعلى، معتبرةً أنه يشكّل “امتداداً لمسيرة الثورة الإسلامية”، وبطبيعة الحال الترحيب الرسمي لا يُفاجئ أحداً، لكن السؤال الأعمق يكمن خلفه: هل هذه المبايعة عقيدةٌ راسخة أم حسابٌ براغماتي ينتظر ما ستُفصح عنه سياسات المرشد الجديد؟

والإجابة تزداد تعقيداً حين تضع في الحسبان حقيقة بقاء الخامنئي الجديد مختفياً عن الأنظار تماماً. فلم يُبث له أي خطاب مصوّر ولم يصدر عنه أي بيان مكتوب خلال الأيام التي تلت انتخابه للمنصب، واعتمدت وسائل الإعلام الرسمية على لقطات أرشيفية وصور مُولّدة بالذكاء الاصطناعي من أجل تقديمه للجمهور، حتى أصبح مشهد اللحظة يُلخص في جملتين: مرشدٌ يحكم دون أن يُرى وفصائل تُقاتل دون أن تتلقى أوامر واضحة.

ينتمي مجتبى خامنئي إلى المجموعة المحافظة التي لها اتصالات مباشرة مع الشيعة العراقيين وتشكيل “محور المقاومة” العراقي، الذي يضم بشكل مباشر وغير مباشر الفصائل المسلحة العراقية، إضافةً إلى مشاركته في شبكة تجارية واسعة النطاق في الشرق الأوسط، هذا يعني أن استمرارية العلاقة مع الفصائل العراقية مرجّحة، لكن شكلها ووزنها في سلّم أولوياته ما زالا مجهولَين تماماً.

ثمة سؤال آخر لم يُطرح بصوت عالٍ داخل أروقة الفصائل: هل القائد الجديد قادرٌ على إدارة أذرعه الإقليمية في خضم حرب مفتوحة؟ التاريخ يقول إن لحظات الضعف في المركز كانت دائماً لحظات تمدّد أو انفلات في الأطراف. والعراق -بفصائله وحساباته المتشعّبة- هو الاختبار الأول لمرشد لا يزال يُبحث عنه في الصور المُولّدة بالذكاء الاصطناعي.

الخيارات المرّة


في خضم هذه الضبابية تبرز ثلاثة سيناريوهات مختلفة لمستقبل الفصائل. يتمثل الأول بالانكفاء السياسي الذي لا يعني بالضرورة اختفاء الفصائل، ولكن تحوّلها إلى ساحة أكثر مرونة. فالانتخابات البرلمانية الأخيرة منحت أغلب الفصائل أداةً لا تريد التفريط فيها، وفي هذا السيناريو تتحوّل الفصائل إلى أحزاب بسلاح مخفي مشابهة بذلك نموذج حزب الله اللبناني قبل عقدين.

أما السيناريو الثاني فيتمثل بالتصعيد المفتوح، ويحدث في حالة انسحاب الولايات المتحدة من العراق بشكل تام، الأمر الذي سيمنح حرية أكبر للفصائل في مجال نقل الأسلحة والصواريخ دون وجود مراقبة أمريكية، وفي حال بقي مجتبى خامنئي غائباً عن المشهد وأحكم الحرس الثوري قبضته على القرار الإيراني، فإن الفصائل العراقية ستجد نفسها في موقع من يُقاتل لحساب مرجعية لا تمتلك سقفاً واضحاً لمعركتها.

السيناريو الثالث يتمثل بإعادة التموضع، ويتحقق إذا حدث تفاهم نسبي بين واشنطن وطهران حول شخصية رئيس الوزراء العراقي القادم، مع فيتو أمريكي واضح ضد إشراك القوى التي تمثل الفصائل المسلحة في تشكيل الحكومة. في هذا السيناريو تجد الفصائل نفسها أمام خيارين مريرين، أحدهما القبول بدور أصغر في معادلة الحكم مقابل ضمان بقائها، والثاني الصِّدام مع توافق إقليمي-دولي لم تواجه مثيله من قبل.

مهما كان المسار فإن كل قرارات الفصائل ستكون مرهونة بعوامل متشابكة، بما فيها التطورات في إيران وعلاقتها بالعالم، ما يجعل الوضع متوتراً ومجهول النتائج دون أي مؤشرات إيجابية حقيقية.

في نهاية المطاف يبرز سؤال هام من شأنه أن يقلب جميع المعادلات رأساً على عقب: هل الفصائل العراقية أداةٌ في يد إيران، أم باتت توظّف إيران لتحقيق أهدافها هي؟

ربما تُعد الإجابة القاطعة ترفاً معرفياً لا يليق بمشهد بالغ التعقيد كالذي نعيشه. لكن ما نعرفه يقيناً هو أن هذه الفصائل نشأت في رحم الفوضى، وتغذّت على الفراغ، وأصبحت جزءاً من بنية الدولة العراقية حتى وهي تتحداها، ما يجعل مستقبلها مجهولاً، ويعتمد على عوامل خارجة عن إرادتها ولا تمتلك القول الفصل فيه.

المزيد عن تحليل

تحليل","field":"name"}],"number":1,"meta_query":[[]],"paged":1,"original_offset":0,"object_ids":33526}" data-page="1" data-max-pages="1" data-start="1" data-end="1">